د. زياد السلامين - حظي الرحالة السويسري يوهان لودفينج بيركهاردت (1784-1817م) بشهرة عالمية كونه أول سائح أوروبي يلفت أنظار العالم الغربي إلى البتراء، وقد كانت كتاباته الدافع الرئيسي لعدد من الرحالة الذين جاءوا بعده، حيث دفعت كتاباتهم هذه إلى ازدياد في عدد زوار هذه المدينة بدءاً من عام 1812م وحتى الوقت الحاضر.
وحتى نكون منصفين لا بد من أن نكون أكثر موضوعية، وأن لا ننكر تلك الزيارات التي قام بها أشخاص أوروبيون لهذه المدينة قبل بيركهاردت، وقبل البدء بالحديث عن هؤلاء الأشخاص لا بد من التعريج قليلاً وبإيجاز على تطور الأوضاع السياسية في المنطقة خلال فترة الحروب الصليبية، فخلال الفترة ما بين بداية القرن العاشر ونهاية القرن الثاني عشر، حدثت العديد من الأحداث التاريخية في منطقة جنوب الأردن، وقد كانت البتراء نقطة مهمة لفتت أنظار الفرنجة الذين طمعوا بالسيطرة على المنطقة، وتساعدنا المصادر التاريخية والجغرافية الإسلامية المعاصرة لهذه الفترة بفهم أكثر لمجريات الأمور آنذاك حيث تؤكد تلك الأحداث على الأهمية الإستراتيجية للبتراء وجوارها.
وقد ورد ذكر منطقة البتراء وجوارها في المصادر التاريخية المعاصرة للحروب الصليبية، وتشير هذه المصادر إلى أن وادي موسى كانت منطقة خصبة، وبها مياه وفيرة، وتشير الوثائق التي تعود لهذه الفترة إلى وجود كنيسة في منطقة جبل هارون .
في نهاية عام 1100م قام ملك الفرنجة بلدوين الأول بشن حملة عسكرية على جنوب الأردن تألفت من الفرسان والمشاة، ووصل إلى وادي موسى وأقام فيها عدة أيام، ووجد منطقة وادي موسى مزدهرة ووجد ديراً لا يزال مسكوناً على قمة جبل هارون، وأُشير إلى هذه الزيارة في العديد من المصادر التاريخية الصليبية، ومن أبرز المؤرخين الذين تحدثوا عن هذه الزيارة المؤرخ فوشيه الشارتري الذي يعرف أيضا بإسم فلتشر دي شارترز Fulcher of Chartres الفرنسي الأصل.
 ويذكر فوشيه أنه في عام 1100م كان ضمن الحملة الصليبية التي توجهت للبتراء حيث يقول في كتابه تاريخ الحملة إلى القدس «واصلنا رحلتنا في الحال إلى مناطق أخرى، وسار كشافتنا أمامنا على الدوام ثم وجدنا وادياً (وادي موسى) غنياً بثمرات الأرض.. ثم وجدنا على قمة الجبل كنيسة القديس هارون.. وقد أبهج نفوسنا كثيراً أن نشاهد مكاناً في هذه القداسة غير معروف لدينا.. ولم نشأ أن نتابع المسيرة أبعد من ذلك لأن الأراضي كانت صحراء جرداء، وقضينا ثلاثة أيام في راحة ممتعة في ذلك الوادي الغني بكل شيء، وأنعشنا دوابنا بالطعام، وبعد أن حملناها بالمؤونة الضرورية، عزفت أبواق الملك في الساعة الثانية من اليوم الرابع، تأمر ببدء الرحيل في العودة». (انظر كتاب تاريخ الحملة إلى القدس لفوشيه الشارتري، ترجمة زياد العسلي، دار الشروق للنشر والتوزيع).
وهذه إشارة واضحة إلى زيارة قام بها أفراد الحملة الصليبية إلى هذه المنطقة وإلى إقامة الجنود الفرنجة في وادي موسى لمدة أربعة أيام، وإلى زيارة قام بها فوشيه إلى جبل هارون والبتراء، وبالتالي فإنه أول مؤرخ أوروبي يزور البتراء ووادي موسى ويذكرهما في كتاباته.
ولد فوشيه في مدينة شارتر الفرنسية عام 1059م وتوفي عام 1127م، وقد ترك لنا مصدراً باللغة اللاتينية يعتبر أحد المصادر الرئيسة لدراسة الحملة الصليبية الأولى، حيث شارك في هذه الحملة ووصفها كونه أحد شهود عيانها، وقد أقام مع بلدوين الأول في الرها (1058-1118م) مدة سنتين، ثم انظم إليه بعد أن تولى عرش القدس وقد كان أكثر رجال الدين قرباً له، وكان مستشاره ورفيقه في رحلاته وحروبه، وقد أتاح له هذا القرب أن يكون شاهد عيان لأحداث تاريخية مميزة.
وهناك إشارة أخرى لرحالة ألماني جاء بعد فوشيه وزار البتراء عام 1217م ويدعى ثيتمار Magistri Thietmari ويبدو أن ثيتمار أول «سائح أوروبي» يزور البتراء، حيث تحدث عنها بإيجاز، وأشار إلى وجود كنيسة ورجلي دين يعيشان في منطقة جبل هارون آنذاك، وقد ذكر ثيتمار أن البتراء كانت غير مسكونة خلال فترة زيارته.
كانت منطقة البتراء وجوارها ذات أهمية بالنسبة للفرنجة، ونستدل على ذلك من خلال القلاع التي بُنيت في هذه المنطقة خلال تلك الفترة كالحبيس والوعيرة، وتؤكد لنا المصادر التاريخية أهمية هذه المنطقة آنذاك، إذ يحدثنا المؤرخ الصليبي وليم الصوري (1130-1185م) في كتابه الموسوم ب «تاريخ الحروب الصليبية» أنه وفي أثناء السنة الأولى من حكم بلدوين الثالث (1130-1162م) سيطر الترك على وادي موسى بموافقة سكانها وبناء على طلبهم، حيث سار بلدوين بقواته حتى بلغ هدفه، ولجأ سكان وادي موسى إلى قلعة حصينة (قلعة الوعيرة) ولم يتمكن الفرنجة من السيطرة عليهم.
 وكانت منطقة وادي موسى آنذاك مغطاة بأشجار الزيتون والمزارع الفسيحة التي تبدو «أشبه ما تكون بالغابات الكثيفة المتشابكة»، وكان سكانها يعيشون على ما تنتجه هذه الأشجار التي لو توقفت لضاع مصدر رزقهم، ومن ثم عزم الفرنجة على اجتثاث هذه الأشجار وحرقها حتى يدفعوا السكان للاستسلام، وقد آتت هذه الخطة أكلها حيث استسلم سكان المنطقة لبلدوين، وتسلم الملك القلعة، وأقام فيها حامية وزودها بالمؤونة والسلاح. (للمزيد انظر كتاب الحروب الصليبية، تأليف وليم الصوري، ترجمة وتحقيق حسن حبشي، الهيئة المصرية العامة للكتاب).
وقد بقيت البتراء غير معروفة بالنسبة للعالم الغربي خلال القرون التي تلت الحروب الصليبية، رغم معرفة المؤرخين منهم بهذه الإشارات التاريخية الهامة، وقد أدت زيارة الرحالة السويسري بيركهاردت وغيره من الرحالة الذين جاءوا خلال القرن التاسع عشر إلى تعريف العالم الغربي بها وتشجيعهم على زيارتها بصورة غير مباشرة.
* أستاذ الآثار في جامعة الإمارات