لـ عاطف علي.. للقصائد التي تَركْتَها تَحومُ كالفراشاتِ في أرواحِنا، ولطرقاتِ عمّانَ شريكِنا في الحبِّ والغناءِ والغربةِ
ألملمُ أجزاءَنا
كيْ نظلَّ على أهبةِ الحبِّ مضطربين
نتمتمُ ترويدةً للشّوارعِ
نمسَحُ خَدَّ الدّروبِ لأنّا خرجْنا
على طقِسها لنشاغبَها كالصّغارِ
غمامًا ونشيدا
لأنّي أحبُ البداياتِ كنتُ أعودُ إلى لونِ زيتونةٍ في المساءِ
وأكتبُ منهمكًا بالطّباشير ِعلى حائطِ
البيتِ، أعلِنُ أنّ القوافي التي كَحّلتْ
زمنًا طيبًّاً مِنْ هوانا
تَشقُّ منامَ التّرابِ
وتنمو كلَبْلابةٍ لغباشِ الكلامِ وُرودا.
نعودُ لعمّانَ يا صاحبي
قد خُلقنا بها منْ زمانٍ بعيدٍ
شَرِبْنا نِساءَ شوارِعِها
وَعُدْنا بأسمائِهن
قلائِدُنا في المساءِ
وأشباهُ أحلامِنا إذْ
قَطَفنا لهنَّ الوعودا.
"لإيلافِكَ"* الأغنياتِ العذابَ
اللواتي تَعِبنَ وراءَكَ
تَجري وَيجري الكلامُ
وَيَجري السّرابُ
كأنّكَ بَرْقٌ وَهذي الحياةُ
تَجرُّ وراك رُعودا.
أحاولُ أنْ أستَعيدَ صِغارَ القصائدِ
حينَ التقيتكَ
كيْ افتحَ البابَ منْ مَطرٍ غامضٍ
أنسجُ حينَ تَجِنُ الفصولَ أقانيمَ بيتي الشْتائيِِّ
أغرِرُ بالحبِّ أُزاوجُه بالغيومِ، وأمزِجُ شالَ الرّياحِ بِريحِ
الجنوبِ، وهذا الجواحُ البعيدُ بأغنيةٍ
يَعترينا البُكا كيْ تًعودا.
ولوْ أنّ أيامَنا في الرّخاءِ تَؤوبُ لنا
لِتشاكسَ أحلامَنا كالفراشاتِ تَقْطَعُ خيطَ الضياءِ، تُخطّطُ
أجنحةً تَتَقاطعُ في أولاتِ الدّروبِ الحميمةِ منْ "جبلِ النّصرِ"**،
نهذي عنِ الحبِّ، نَكتُبُ عنْ وطنٍ يتمدّدُ تحتَ الصّفيحِ،
وَتحكي بِحبٍّ عن الحبِّ كيفَ يَسيلُ بِقلبي جنوبًا يُسقسقُ
في داخلي دمًا وقصيدا.
أنا في اختلافِ الدّروبِ أراكَ هنا جانبي، وأعبّئُ لوزَ الحنينِ
إذا سَقَطتْ مَنكَ مَفاتيحُ حبٍ عنِ الطائرِ الغرِّ في "الأردنيّة"
يَحمِلُ أسماءَه الُمبهماتِ لِينْشُرَها فوقَ حبلِ الفِراقِ القريبِ، وما
زلتَ يا صاحبي واقفًا في العراءِ تُلقطُ ما يتساقطُ منْ أغنياتِ
الهواءِ الضّريرِ، تُزوِّجُها ضوءَ عينيكَ، تَمنَحُها نافذةً وهواءً
جديدا.
سألتُكَ منذُ صباحٍ عنِ الموتِ هلْ يتوقّفُ عنْ موتِه، لوْ يَعودُ
قليلًا لِرائحةِ العيشِ يَنْظُرُ
أحلامَنا لَبَكا وَتساقطَ منْ قامةٍ يَتَشنشَلُ فيها النّواحُ العتيقُ
بَكى وردةً في كتابٍ تداعى منَ النّبضِ، ذابتْ سُهولُ الحروفِ
فؤادًا عميدا.
أنا نصفُ ذاكرةٍ وعيوني قَطيعٌ منَ الشّعرِ تثغو بِهذي الدّروبِ
التي رُحتُ أوصلُ فيها حبيبي إلى بيتِه، كنتُ أحرُسُه بالسّماءِ
البعيدةِ، كانَ يُلونني بالمسّراتِ، يَنطُرُني حينَ أغفو، وأشعرُ
هذا اللهاثَ الحميمَ الذي يَقطَعُ الياسمينَ عنِ البابِ، أسمَعُه
دائمًا يا صديقي بعيدا.
لإيلافكَ الاغترابَ اغترابي
وهذا اللقاءُ الذي خلّعَ الروحَ منْ روحِها
أَربَكَ الفلَ عنْ غصنِه الملكيِّ، وخلّا الرسائلَ تُمطِرُ الياسمينَ
على الشّارعِ العامِّ.
مَسحنا جُروحًا بها كيْ تُهندِسَ أيامَنا يا صديقي مَسَحْنا
شوارعَ نكتُبها بالشوارعْ.
وها نَحنُ نتركُ صيحاتِنا في المسافاتِ، بلادٍ توزّعُنا كالجرائدِ
في الصّبحِ تتركُنا دونَ وجوهٍ عُرفنا بها حينَ يأتي المساءُ
الكئيبُ، سأكتبُ كيما أرى في انتظاري دمي في الطّريق لأنّي
سأدركُ أنَّ أصابعَ هذا الزّمانَ تُرسِّمنا ورقًا ودمًا وحدودا.
* لإيلافك: مفتتحُ قصيدةِ "حواريّة الملح" للشّاعر عاطف علي
** جبل النّصر: أحد جبال عمّان.