((جسر بضفّة وحيدة)).. رواية التأمل في جدلية الوجود والعدم

تاريخ النشر : الجمعة 09:57 24-4-2026
No Image

تطرح رواية «جسر بضفّة وحيدة» للكاتبة الأردنية هيا صالح إشكالية بالغة التعقيد تتعلق بصيرورة الذات الإنسانية في ظل اغترابها الزمكاني واصطدامها بتحولات تاريخية قسرية، فالرواية تتجاوز كونها مجرد استعادة لماضٍ مفقود، لتغدو بنية تُفكك مفاهيم الهوية، والذاكرة، واليقين الوجودي، مستنطقةً مآلات الفرد العربي المعاصر العالق في الهشاشة بين وطنٍ غادره جسداً وبقي فيه روحاً، وواقعٍ يعيشه حقيقة وينكره وجدانياً.

يستهل النص حضوره من خلال عتبة عنوانية مراوغة تثير التوجس: «جسر بضفّة وحيدة». سيميائياً، يمثل الجسر أداة عبور تقتضي وجود نقطتي ارتكاز، بداية ومنتهى؛ لتحقيق وظيفة الاتصال. لكن حذْف الضفة الأخرى في العنوان يُحيل هذه الوظيفة من الاتصال إلى الانبناء في الفراغ، فهذا الجسر يغدو رمزاً للكينونة المبتورة التي تعيشها بطلة الرواية (سامية)، حيث العجز عن إتمام فعل العبور نحو المستقبل دون ارتداد قسري نحو ماضٍ متحجر يعيق مضيها قدمًا.

الجسر هنا ليس معبراً مادياً بقدر ما هو متاهة نفسية؛ ففي الموصل كان الجسر العتيق يربط بين ضفتي دجلة، وهو الجسر الذي دمرته الحرب. أما في عمّان، فقد تحول الجسر في وعي سامية إلى جسر نُوْري وهمي يحاول ربط الأحياء بالأموات، والواقع بالخيال. هذا العنوان يشي منذ البداية بأن الذات الساردة لا تبحث عن الوصول بالمعنى الجغرافي، بل تعاين فداحة الوقوف في المنتصف، حيث الضفة الأخرى ليست مكاناً، بل زمن مفقود أو وجه غائب.

اعتمدت الكاتبة بناءً سردياً يتكئ على تقنية الاسترجاع والتدفق الواعي، حيث تنطلق الأحداث من لحظة اضطراب يثيرها مغلف مجهول ورسالة غامضة تحمل عبارات من رواية تحمل ذات عنوان الرواية التي تقرؤها البطلة. هذا التناص الداخلي أو الميتاسردي يعمل كآلية لتفكيك الزمن الخطي، ليحل محله زمن نفسي دائري تتداخل فيه الوقائع مع المتخيلات.

وتبرز الصورة الفوتوغرافية كمعادل موضوعي للذاكرة؛ فالبطلة سامية، التي تدير أستوديو للتصوير، تحاول من خلال عدستها تجميد الزمن وإخضاعه للرؤية. غير أن النص يطرح شكاً وجودياً في ماهية هذه الصور؛ فهي قابلة للتعديل والتحسين البصري باستخدام تقنيات الفوتوشوب التي تخفي الندوب أو تضيف جمالاً مستعاراً. هنا، يغدو السرد انعكاساً لمفهوم الكذب الجمالي؛ فالحياة التي تعيشها البطلة تشبه الصورة المعدلة؛ تبدو مكتملة في الظاهر، زوج محب، طفلان توأمان، عمل مستقر، لكنها تخفي شروخاً عميقة في الجوهر ناتجة عن فقدان اللقطة الأصلية التي تمثلها حياتها في الموصل قبل السقوط.

في حين تتشكل بنية الشخصيات في الرواية وفق ثنائية الحضور والغياب. إذ يمثل عمار -حب الطفولة في الموصل- الذات الحالمة، الفن، والارتباط بالجذور. فعمار هو الشخص الذي لم يكتمل معه فعل العبور بسبب الحرب، فبقي عالقاً في وجدانها كـمنحوتة غير مكتملة. في المقابل، يمثل صلاح -الزوج- الاستقرار الواقعي، والرجولة التقليدية الحاضنة، والرجل الكامل الذي يثير حنق سامية أحياناً لأن كماله يذكرها بنقصانها الداخلي.

تعاني سامية من الفصام الوجداني؛ فهي تمارس دور الزوجة والأم ببراعة قائلة: أكذب لأقِيَه جُرحي، ولأقي نفسي من التيه بعده. هذا الصراع النفسي يولد شعوراً مزمناً بالذنب يمتد ليشمل علاقتها بـسالم الذي تركته محطماً، وماجدة التي اتهمتها بالخيانة. إن الذات الساردة هنا تعاين الهشاشة الإنسانية في أقسى تجلياتها، حيث يغدو الفرد جلاداً وضحية في آن واحد، ممزقاً بين ما يريده قلبه وما يفرضه عليه منطقه العقلي لضمان الاستمرار.

تستنطق الرواية مفهوم الموت متجاوزة به العدمية المحضة، إلى حالة وجودية موازية أو ضفة أخرى محتملة. يظهر ذلك جلياً في حوارات سامية مع الشاب فيلسوف المقهى الذي يرى أننا لا نموت بشكل كامل، وأن هناك أشياء مادية تخلد لأنها أقوى من الموت. هذا الشاب، بملامحه العادية وحديثه عن الانتحار كلقاء تصالحي مع الغائبين، يمثل الأنا الآخر للبطلة، أو ربما هو صوت عمار المفقود الذي يأتي ليحررها من عبء الحاضر الخانق.

إن الجسر في نهاية النص يتحول من دلالة الانقطاع المكاني إلى دلالة العبور الروحي. العبور الذي رفضته سامية في المقهى خوفاً من المجهول أو بسبب تمسكها بقواعد الواقع، تعود لتتقبله في لحظة كشف نهائية كخلاص وحيد للقاء والديها وعمار. هذا التحول الختامي يشير إلى أن المصالحة مع الذات لا تتم إلا بالاعتراف بـالوهم كجزء أصيل من الحقيقة.

فرواية «جسر بضفّة وحيدة» هي صرخة ضد زيف الاستقرار السطحي، واستنطاق للفجيعة التي تخلّفها الحروب في الوعي الفردي. وقد نجحت الكاتبة في توظيف لغة سردية محكمة تجمع بين رصانة الوصف ودقة التحليل النفسي لتقديم نص يرفض القراءات الأحادية. فالرواية تضع المتلقي أمام مرآة قاسية؛ وتساؤلات وجودية صادمة، كالسؤال عن ماهية الحياة: هل نحن أحياء حقيقة، أم أننا مجرد صور معدلة في أستوديو كبير يدعى الحياة؟

يمكن القول: إن الرواية لم تكن مجرد حكاية عن امرأة تبحث عن ماضيها، لكونها تشريحاً دقيقاً لـميتافيزيقيا الفقد. إذ أكدت الكاتبة من خلال شخصية سامية أن الإنسان يظل جسراً بضفة وحيدة ما لم يجد الشجاعة للعبور نحو ذاته الحقيقية، حتى وإن كان ذلك العبور محفوفاً بظلال الوهم أو الموت.

إن الرواية تفتح آفاقاً رحبة للتأمل في جدلية الوجود والعدم، والذاكرة والنسيان، مما يجعل منها علامة فارقة حيث تعالج تداعيات السقوط في براثن الماضي الذي يطارد الذات والحاضر المحير المتأزم بفعل الذاكرة، والمستقبل الضبابي، وبين حقيقة ووهم الحياة، وآثاره الممتدة في الروح البشرية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }