«نحيلٌ يتلبّسه بدينٌ أعرج» لجلال برجس مجموعة قصصية محدودة بدستة من القصص المدهشة، تذكرنا بالعبارة الدعائية الشهيرة: «المقاعد محدودة». ولأنني لا أقرأ المجموعات الشعرية ولا القصصية بالترتيب، فسأتناول أولًا القصة المعنونة بـ «المانيكان»، ولا أدري هل سأقول: لله درّك، أم سامحك الله؟! فقد أوجعت لي قلبي حقًا، إذ كيف يمكن أن يكون الانسان الحقيقي مجرّد منحوتة بلاستيكية مصممة لنعرض عليها أزياء من القماش؟! كيف جعلتني -كقارئ بريء- أخلط بين بطل القصة مجهول النسب أو (ابن الحرام) كما يصر الناس على تسميته، وبين المانيكان المعروضة في فاترينة بيع الملابس؟! حيث جرّده المجتمع من روحه وأحاسيسه حين رفض المأذون الشرعي شهادته على عقد زواج، لأنه من طائفة منبوذة اسمها «مجهولو النسب».
التغلغل الذي يمتهنه جلال برجس في دواخل الشخصيات البشرية التي انتقاها بعناية مفرطة، هو تغلغل لا يتأتّى إلا للأطباء النفسيين، وهو ما افتتح به مجموعته هذه، في قصة «مدينة العيون المتلصّصة»، والتي سنتبيّن لاحقًا أنها عيون الكاتب المتفحّصة للإنسانيّ المتخفّي في ثنايا الأجساد، هاربًا من حقيقته ومن أحكام الآخرين عليه، لأنهم ببساطة، يبحثون عن السيئ فيه -وهو ما رمَز له بحرارة الجو اللاهبة- لا عن الحسَن وهو مشاعر العاشقَيْن، اللذين فتّشا عن الظل ونسيا الكتاب المفتوح دون أن يلتفتا لأي سطرٍ فيه.
الغرائبية التي لا تنفصل عن هموم الواقع، كانت نهجَ الكاتب في قصصه الاثنتي عشرة، فصانع الشواهد يذكّرنا بحفّار القبور عند بدر شاكر السيّاب، حيث بدّد الخوف من الموت بسيجارة على طرف الفم مستمعًا لأم كلثوم، ولو أنني لم أقتنع بإقحام إيريك فروم وأستاذية الفلسفة في هذه القصة الغريبة، التي انتهت بموت صاحب الاسم الوحيد المذكور في المجموعة القصصية، عبدالجبار سليم.
حتى العتبات موزونة بعناية بائع المجوهرات، فالعنوان -ولو بأثرٍ رجعي- يبدأ بنكرة غير مقصودة، سرقَ منها الكاتب (ال) التعريف عامدًا، لتغييب وتحييد أبطال القصص، لصالح الفكرة الإنسانية الشاملة، ولا يجوز هنا القفز عن مهارة اختيار مهن ووظائف الشخوص، فهي مما نصادفه في حياتنا الواقعية يوميًا، ولكن ما برعت به هذه المجموعة، كان تسليط الضوء على ما لا نراه ولا نسمعه من هؤلاء، وكأنها قصص الأنا الأخرى لهم.
لمنطقتنا نصيب وافر من الحروب، التقطه الكاتب، ورسم صورة لإحدى ضحاياه، الجندي الذي فقد يديه فعاد من الحرب أكتع، خاسرًا لأهم هواياته ومتعه، العزف على الناي، والناي تحديدًا مرافقٌ لجلال برجس في أعماله السردية، كما في رواية «معزوفة اليوم السابع»، هل يا ترى لأنه يعبر عن حال بلاد منطقتنا الحزينة والمغلوبة على أمرها؟! ربما تعمّد ذلك أو استدرجته حكاياتنا المتواترة عن الموت واللاجئين لحمل الناي بين سطور كتبه، وقد صدّق الناس حدّوتة جلال، فشاهدوا الأكتع وهو يتسلق درج الهواء، وأنساهم الحرب والحديث عن ويلاتها.
لاحظت أن لأعمال جلال برجس متلازمةً أخرى غير الناي، وهي المرايا والرعب الذي يصنعه انعكاس صور أبطاله لهم بسبب تلك المرايا، فتارة لا يرون وجوههم فيها، وتارة يصوّب الوجه بصقةً لعينة تستقر على جبين الناظر، هكذا صور لنا المشهد العجيب في قصة «مرايا غير نافذة»، ثم ما لبث أن اصطدم بتلك المرآة مكسرًا زجاجها، وعاد ثانية لتكسير زجاج أواني مطبخ بيته، في محاولة يائسة منه لطرد شبح ظهور كلبه الذي نفق قبل أعوام. لقد صارت تلك عادة سرية خيّبت ظن القارئ في عنوانها، وهو -أعني القارئ- كان يبحث عن التابوهات ومشاهد الإثارة الرخيصة، في حين وظّفها الكاتب الرصين في لجوء بطل القصة لعادة كسر الأواني الزجاجية عوضًا عن زيارة طبيب نفسي.
في جيوب الساحر جلال برجس الكثير من المفاجآت، يُخرج لنا واحدة كلما أراد إبهارنا، ومن بينها روزنامة عادية موجودة في كل بيت، صنع منها ملهاةً لرجل في يوم عيد مولده، يخرج إلى سوق الطيور في مدينته (مادبا)، ويواظب على شراء الطيور في كل مرة، ويذهب بها لسطح منزله ويطلقها في الفضاء، وسط سخط زوجته التي حوّشت مبلغًا ماليًا لعملية طفل أنابيب تنتظر أمومتَه منذ سنوات، ولكنه طيّر المبلغ مع طيوره التي يشتريها دون هدف. ليصحو بعد سقوطه عن سريره، بعد أن عاش حلمًا غريبًا لا يخطر على البال. ويشبهه في حلم عاشه على الواقع بطلُ قصةٍ أخرى في حمام بيته، صاحبته فيه ذبابة، هدّأت من روعه وجعلته يتغلب على نزقه وشعوره بالحبس والاختناق والتعرّق، لأن الباب الذي فشل في فتحه في أول القصة، فتحَ بسهولة بعد أن ودعته صديقته الذبابة وطارت من النافذة، ثم ما لبثت أن عادت تطنّ فوق جريدته التي ألقاها في سلة المهملات.
ولا يترك جلال برجس فرصةً، إلّا ويعلي فيها من شأن الكتابة، وضرورتها، وقدرتها على تجويد حياة البشر، فالصحافي النحيل، رئيس القسم الثقافي في الجريدة، أصابه رهاب صعوبة المشي، وصار يحس بأن رجلًا بدينًا يتلبّسه، فيما يشبه قصص الجنيّات، وحين اكتشف أن دفتر مذكراته كان مليئًا بالأسئلة فقط، دون أن يفرّغ فيه الإجابات، بدأ يقوم بذلك، وشيئًا فشيئًا، بدأت الأوزان تتساقط عن كاهليه وأعضاء جسده وقدميه، فعادت له رشاقته، ليقول لنا الكاتب: عليكم بتفريغ ما في عقولكم وأرواحكم من أحمال وأثقال عن طريق الكتابة.
قد تكون هذه المجموعة القصصية برعت في توصيف الذاتي لكل بطل عاش بمفرده صراعاته الحقيقية أو الوهمية مع الخارج، سواء في البيت أو الوظيفة أو الشارع، وأعادت تشكيل الإنسان حول مركزية الأنا، في محاولة لتفهّم نوازعه الداخلية بمنأى عن متطلبات الآخرين ونظمهم السائدة، فهو -أي الفرد- يقضي نصف اليوم وحيدًا في نومه وقضاء حاجاته البيولوجية وانشغاله الذهني بالقراءة أو الكتابة أو حتى الحزن والحنق وخيبة الأمل. وليختم لنا جلال برجس مجموعته الشيقة بصوت السيدة فيروز:
"إيه.. في أمل».