اللغة الشّعريّة في ((يعتريني الجنوب)) لطارق مكّاوي

تاريخ النشر : الجمعة 09:57 24-4-2026
No Image

تهدفُ هذه القراءةُ إلى تحليلِ قصيدةِ «يعتريني الجنوب» للشّاعرِ طارق مكّاوي -رحمَه اللهُ تعالى- منْ خلالِ مقاربةٍ أسلوبيّةٍ دلاليّةٍ تكشفُ عنْ تحوّلاتِ اللغة الشّعريّة في النّصِ، وعلاقتِها بثيماتِ المكانِ والذّاكرةِ والاغترابِ.

تنطلقُ القراءةُ منْ فرضيّةٍ مفادُها أنَّ القصيدةَ تمثُّل نموذجًا للشّعرِ العربيِّ المعاصرِ الذي يعيدُ تشكيلَ العلاقةِ بينَ الذّاتِ والمكانِ عبرَ لغةٍ كثيفةٍ ومنزاحةٍ، وتعتمدُ هذه القراءةُ على تحليلِ المستوياتِ اللغويّةِ والدّلاليّةِ وصولًا إلى استنتاجِ أنّ النّصَ يؤسّسُ لرؤيةِ وجوديّةٍ تجعلُ من اللغةِ بديلًا أو معادلًا موضوعيًّا للوطنِ.

تكشفُ القصيدةُ عنْ ثنائيّةِ الجنوبِ وعمّانَ، حيثُ يتداخلُ الحنينُ مع الاغترابِ، وتتحوّلُ اللغةُ إلى فضاءٍ تأويليٍّ مفتوحٍ، ولأنَّ اللغةَ الشّعريّةَ العربيّةَ شهدتْ تحوّلاتٍ عميقةً، حيثُ لمْ تعدْ أداةً للتّعبيرِ وحسبُ، بلْ أصبحتْ بنيةً جماليّةً مستقلّةً، وقدْ ارتبطَ هذا التّحوّلُ بظهورِ ثيماتٍ جديدةٍ أبرزُها الاغترابُ وتشظّي الذّاتِ ومركزيّةُ المكانِ، وفي هذا السّياقِ أصبحَ المكانُ ليسَ مجرّدَ إطارٍ، بلْ عنصرًا فاعلًا في تشكيلِ التّجربةِ الشّعريّةِ، وأبدأُ بالتّساؤلِ التّالي:

كيفَ تتجلّى تحوّلاتُ اللغةِ الشّعريّةِ في قصيدةِ «يعتريني الجنوبُ»، وكيفَ تسهمُ في إعادةِ تشكيلِ العلاقةِ بينَ الذّاتِ والمكانِ والذّاكرةِ؟

ويتفرّعُ عنْ هذا التّساؤلِ عددٌ من الأسئلة:

ما دلالةُ «الجنوبِ» و"عمّان» في النّصِ؟ كيفَ تُبنى الذّاكرةُ شعريًّا؟ ما خصائصُ اللغةِ الشّعريّةِ في القصيدةِ؟ كيفَ يتجلّى الاغترابُ في البنيةِ النّصيّة؟

تأتي هذهِ الأسئلةُ بهدفِ تحليلِ البنيةِ اللغويّةِ للقصيدةِ، والكشفِ عن الدّلالاتِ العميقةِ للمكانِ، ودراسةِ علاقةِ الذّاكرةِ بالهويّةِ وإبرازِ مظاهرِ الحداثةِ الشّعريّةِ في النّصِ.

وتعتمدُ هذه القراءةُ على المنهجِ الأسلوبيِّ؛ لتحليلِ اللغةِ والانزياحِ والمنهجِ الدّلاليّ؛ لاستخراج المعاني العميقةِ، والمنهجِ التّأويليّ لفهمِ الرّموزِ والسّياقاتِ.

تندرجُ القصيدةُ ضمنَ الشّعرِ الوجدانيِّ/ المدينيِّ المعاصرِ، حيثُ تتداخلُ فيها الذّاتُ الشّاعرةُ والذّاكرةُ والمكانُ (عمّان/ الجنوب) والصّداقةُ/ الرفيقُ والاغترابُ، ونلاحظُ أنَّ القصيدةَ ليستْ سردًا خطيًّا، بلْ هي نسيجٌ شعوريٌّ يقومُ على الاسترجاعِ والحنينِ، وتُبنى حولَ محورٍ مركزيٍّ هو الانتماءُ القَلِقُ بينَ المكانِ (عمّانَ/ الجنوبِ) والذاكرةِ والغيابِ، أمّا البنيةُ الدّلاليّةُ (المعنى العميقُ) فتأتي ثنائيّةُ المكانِ: عمّان/ الجنوب، حيثُ تمثّلُ عمّانُ الذّاكرةَ الحيّةَ حينَ كانتْ تجربةً مشتركةً بينَ الشّاعرين (طارقٍ وعاطفٍ رحمَهما اللهُ تعالى)، وأمّا الجنوبُ فيمثّلُ الانفعالَ العاطفيَّ والجذرَ الوجوديَّ (حيثُ ولدَ عاطفٌ في الكركِ وعملَ طارقٌ في معانَ).

في قولِ الشّاعرِ: «يعتريني الجنوبُ»، الجنوبُ هنا ليسَ جغرافيًّا فقط، بلْ حالةً وجدانيّةً تغمرُ الذّاتَ،

وتأتي ثيمةُ الحنينِ والعودةِ عندما يتكرّرُ فعلُ (نعودُ)/ (أعودُ)، الأمرُ الذي يشيرُ إلى استحالةِ العودةِ الحقيقيّةِ، والعيشِ داخلَ ذاكرةٍ بديلةٍ (القصيدةُ كتبتْ بعدَ رحيلِ عاطف الفرّايّة رحمَه اللهُ تعالى)

يقولُ طارقٌ: «نعودُ لعمّانَ يا صاحبي»، فالعودةُ هنا رمزيّةٌ، تخيليّةٌ وليستْ حقيقيّةً، وتأتي الصّداقةُ بوصفِها وطنًا (أو معادلًا موضوعيًّا له)؛ فالصّديقُ يتحوّلُ إلى مرآةٍ للذاتِ وشريكٍ في الذّاكرةِ وبديلٍ موضوعيٍٍّ عن الوطنِ، كما تأتي ثيمةُ الاغترابِ الوجوديِِّ في قولِه: لإيلافِك الاغترابَ اغترابي»، فنلاحظُ اندماجَ ذاتين في اغترابٍ واحدٍ، وثمّةَ اغترابٌ جماعيٌّ لا فرديّ حينَ يقولُ -مثلًا- «وها نحنُ نتركُ صيحاتِنا في المسافاتِ، بلادٍ توزّعُنا كالجرائدِ/ في الصّبحِ تتركُنا دونَ وجوهٍ عُرفْنا بها في المساءِ الكئيبِ»....

أمّا اللغةُ والتّقنيّاتُ (التّحليلُ الأسلوبيّ) فيمكنُ أنْ نلخّصَ ذلك بالملاحظاتِ الآتيةِ:

- الانزياحُ اللغويُّ: إذْ تعتمدُ القصيدةُ على لغةٍ غيرِ مباشرةٍ، يقولُ طارقٌ:

"نشربُ نساءَ شوارعِها»، أمّا «نشربُ» فتشيرُ إلى الانغماسِ في التّجربةِ، وأمّا «نساءُ الشّوارعِ» فتشيرُ إلى الذّاكرةِ والتّجاربِ المشتركةِ، وهذا انزياحٌ دلاليٌّ قويٌّ، أمّا مظاهرُه فالتّشتتُ وفقدانُ الاستقرارِ والحنينُ المستمرُّ.

- التّكثيفُ الصّوريُّ: الصّورُ الشّعريّةُ متلاحقةٌ ومركبّةٌ: «القوافي تشقُّ منامَ التّرابِ»، فالشّعرُ (القوافي) (يشقُّ) أيْ أنّه فعلُ إحياءٍ وانبعاثٍ، أمّا (التّرابُ) فمنامٌ/السكونُ...

- الاشتغالُ على الحواسِّ: البصرُ مثلَ (الفراشاتِ، الضّوءِ، الغمامِ) والسّمعُ مثلَ (الأغنياتِ، النّواحِ) واللمسُ (مسحُ خدّ الدّروبِ)، فالشّعرُ هو إحياءُ واللغةِ الحسيّةِ: البصرُ، السّمعُ، اللمسُ، تخلقُ تجربةً شعوريّةً مكثّفةً في الاغترابِ والهويّةِ حيثُ يظهرُ في: «اغترابك اغترابي» أنّ الاغترابَ ليسَ فرديًّا، بلْ جماعيًّا ووجوديًّا، أمّا مظاهرُه: فالتّشتتُ وفقدانُ الاستقرارِ والحنينُ المستمرُّ، وهذا يخلقُ تجربةً شعوريّةً ثريّةً.

- تفكيكُ الجملةِ الشّعريّةِ: الجملُ طويلةٌ، متدفّقةٌ، وهذا يعكسُ تشظّي التّجربةِ وانكسارَ الزّمنِ وعمقَ الوعي.

- البنيةُ الإيقاعيّةُ: لا تعتمدُ على وزنٍ تقليديٍّ واضحٍ، وتنتمي -بالمجمل–إلى قصيدةِ النّثرِ/التّفعيلةِ الحرّةِ، ولكنْ نجدُ فيها إيقاعًا داخليًّا قائمًا على التّكرارِ: (نعودُ، نكتبُ، الحبّ) والتّوازي والجملِ المتدفّقةِ، لكنها لم تفقد قافية واحدة تنتظم المقاطع: (نشيدا، ورودا، الوعودا، رعودا... الخ

- الرّموزُ الأساسيّةُ: ثمّةَ رموزٌ ودلالاتٌ في القصيدةِ، منْ ذلكَ الجنوبُ الذي يرمزُ إلى الهويّةِ العاطفيّةِ، وعمّانُ التي ترمزُ إلى التّجربةِ والذّاكرةِ، والفراشاتُ التي ترمزُ إلى الحريّةِ والفرحِ وربّما الهشاشةِ، والمطرُ الذي يرمزُ إلى التّطهيرِ والبدايةِ، والجسدِ الذي يرمزُ إلى الذّاكرةِ والمعاناةِ، أمّا الشّوارعُ فترمزُ إلى الحياةِ اليوميّةِ والتّاريخِ الشّخصيِِّ.

- ثيمةُ الفقدِ والموتِ: في قولِه «سألتُكَ عن الموتِ هلْ يتوقّفُ عنْ موته» يشكّلُ هذا المقطعُ ذروةً فلسفيّةً في النّصِ؛ فالموتُ ليسَ حدثًا، ولكنّه حالةٌ مستمرةٌ.

- البعدُ الجماليُّ العامُّ: القصيدةُ تحقّقُ شعريّةً عاليةً ولغةً حديثةً، وتداخلًا بينَ الذّاتيِِِّ والجماعيِِِّ، وبناءً تصويريًّا كثيفًا، لكنّها تتطلّبُ قارئًا متمرّسًا؛ لأنّها تعتمدُ على الإيحاءِ لا التّصريحِ.

وبعد:

إنَّ القصيدةَ نصٌّ حداثيٌّ قائمٌ على تفكيكِ العلاقةِ بينَ المكانِ والذّاكرةِ والهويّةِ وهيَ تطرحُ رؤيةً مفادُها أنَّ الوطنَ لمْ يعدْ مكانًا ثابتًا، بلْ حالةً شعوريّةً تتشكّلُ داخلَ اللغةِ، كذلكَ فإنَّ القصيدةَ تقومُ على ثنائيةٍ مكانيّةٍ واضحةٍ: (الجنوب/ عمّان)، الجنوب: يظهر في «يعتريني الجنوب»، وهو ليس مكانًا جغرافيًا فقط بلْ حالةً وجدانيّةً؛ إذْ يمثّل الجذرَ والحنينَ والهويّةَ العميقةَ، وعمّان: «نعود لعمّان يا صاحبي» تمثلُ الذّاكرةَ المشتركةَ والتّجربةَ الحياتيّةَ، والعلاقةُ بينهما (الجنوب) وهو الأصل و(عمّان) هي التّجربةُ -كما أسلفتُ-.

أمّا الذّاكرةُ بوصفها بناءً شعريًّا، فهي ليستْ استرجاعًا وحسبُ، بلْ إعادةَ تشكيلِ، أمّا مظاهرُها: الطّفولةُ والشّوارعُ والكتابةُ على الجدرانِ: «أكتبُ بالطّباشيرِ على حائط ِالبيتِ»، دلالةُ ذلكَ محاولةُ تثبيتِ الزّمنِ ومقاومةُ النّسيانِ، وهذه القصيدةُ «يعتريني الجنوبُ» تمثّلُ نموذجًا للشّعرِ العربيِّ المعاصر الذي يعيدُ تشكيلَ العلاقةِ بينَ الذّاتِ والمكانِ عبرَ لغةٍ شعريّةٍ حديثةٍ تقومُ على الانزياحِ والتّكثيفِ، كما كشفتْ عنْ أنّ المكانَ في النّصِّ يتحوّلُ إلى بنيةٍ رمزيّة، وأنّ الذّاكرةَ تصبحُ بديلًا عن الواقعِ، في ظلِّ حالةِ اغترابٍ وجوديٍّ عميقٍ.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }