لماذا يكتب الفرد سيرته، ليتذكّر؟ ليُذْكَر؟ ليبرّر؟ لينتقم؟ أم ليخلق معنى لحياة وتجارب عاش تفاصيلها ويرغب بتمريرها لغيره؟ لا توجد إجابة صحيحة واحدة، كما لا توجد دائماً حقيقة ثابتة كما تُبيّن الدراسات الحديثة للذاكرة والذهن والإدراك. غيرّت اللسانيات الإدراكيّة (Cognitive Linguistics) المنظور الذي تُرى به اللغة تماماً، فلم تعد نظاماً مغلقاً يتأثّر بضوابطه الخاصة فقط؛ وإنما قالباً ذهنياً من مجموعة قوالب، تعمل كنسقٍ موحد لإيصال دخل (Input) إلى نسق مركزي تصوري (conceptual) يعالج تلك المدخلات، بمساعدة الذاكرة، لإخراج أفضل فهم للعالم.
لم يعد يُنظر أيضاً إلى الذاكرة بأنها أرشيف يحتفظ بالذكريات في داخله، أو بأنها تسجيل دقيق للتجارب المعاشة؛ وإنما هي إعادة بناء جديدة في كلّ مرة تُستعاد، تتشكّل مراراً من تجميع تفاصيل معنوية وحسّية وعاطفية ودلالية مخزنة في أماكن متفرقة من الذهن، متأثرة بالحاضر وبالمجتمع وبالثقافة بشكلٍ كبير. يعني هذا أن ذكرياتنا ما هي إلا تفسير وإعادة تفسير لتجربتنا، في ضوء الحاضر وتغيراته المعرفية والمفاهيمية، كما أثبت عالم النفس برونر (Jerome Bruner)، في تجاربه المتعددة.
يتبع برونر نهجاً فلسفياً في نظرته نحو الذاكرة، نهجاً بنائياً، يرى أن «صنع العالم» هو الوظيفة الرئيسية للذهن، في العلوم والفنون على حد سواء، مُظهراً أن الذاكرة الذاتية للفرد تملك تنظيماً داخلياً سردياً، فالذات لا تروي القصص فقط؛ وإنما تتشكل عبر القصص التي ترويها للآخرين، بسبب حاجتها للتماسك الذي يربط الذات راوياً والذات شخصيةً. فالذكريات يتم إخراجها من الذات نحو الآخر على هيئة سرد، عبر اللغة التي تحوّل الذاكرة، وتوسّعها، وتشبعها بوظائف تواصلية ودلالية جديدة، فنحن لا نروي ما حدث فقط؛ ولكننا نقدم تفسيراً مناسباً للحدث، من خلال تشكيل معنى جديد يكون منطقياً للرواي وللمستمع. لذلك على الراوي أن يكون قادراً على سرد الاختلافات والتناقضات في ذكرياته بطريقة متّسقة، وهذا الفعل مرتبط بالعلاقات الاجتماعية، وبالمعارف المكتسبة حديثاً، التي تعمل كتغذية راجعة للذاكرة.
لا يختلف أدب السيرة الذاتية في نموذج بنائه عن الطريقة التي تُبنى بها الذاكرة السردية، بل قد يعتبر حالة خاصة منها، فالسيرة الذاتية مكونة من جزأين: الذاكرة والسرد، تُمَثَّل الذاكرة فيها من خلال اللغة المرتبطة بأنساق دلالية واجتماعية وثقافية متشابكة، بينما وجود السرد يعني وجود قصة متماسكة، تحتوي جميع عناصر السرد، ويكون المؤلف والراوي فيها مندمجاً بالشخصية الرئيسية كما وضح لوجون Philippe Lejeune)) فيما أسماه «العقد السيرذاتي» (Autobiographical pact) في علاقة ضمنية بين الكاتب والقارئ يلتزم فيها بصدق مرجعياته (مع الشك في الصدق التام لهذه المرجعيات). تمثِّل السيرة الذاتية هيكلاً للتجارب الذاتية، توجه سرد الحياة إلى الحاضر وإلى المستقبل في ذات الوقت، لأنها لا تصف ما كان وإنما تعيد تفسيره بالرجوع إلى الحقائق الجديدة، معطية معنى للأحداث الماضية من خلال ما فُهم لاحقاً، أو ما ظهر من نتائج لتلك التجربة.
وقد سبق لريكور Paul Ricoeur)) وضع مفهوم «الهُوية السردية» (Narrative Identity)، التي تمثّل قدرة الفرد على بناء هُويته وفهمها من خلال تشكيل تجاربه في سرد متماسك، يحوّل حياته إلى حكاية زمنية متعاقبة، ذات هدف وغاية، وهي هُوية ديناميكية، متغيرة، تشكّلها قصص وتجارب الحياة، وتعالقها مع الأساطير والروايات الجمعيّة. فتكون الهُوية السردية هُوية تأويلية؛ بمعنى أننا نعيد بناء قصصنا الفرديّة في كلّ مرّة لمنح حياتنا معنى مستمراً وموحداً. لذلك فإن السيرة الذاتية تبني نصّها عبر تقنيات معينة، أو حيل سردية، تخلق سرداً متماسكاً، منها انتقاء وضم أحداث متباعدة تخدم الهُوية والغاية، والتلاعب بالزمن لإضاءة دلالة معينة، والتأويل الراجع الذي يسمح بإعطاء معنى لحدث ما من خلال واقعة لاحقة لا من خلال لحظة حدوثه، والمشهد الشعوري الذي يكثّف لحظة انفعالية تعززت في الذاكرة بسبب قوتها.
• الانتقاء والضم
السرد هو جنس غائي؛ بمعنى أنه يملك غايةً وهدفاً يسير تشكيل النص وفقه، قد تكون غاية تفسيرية، أوتعليمية، أو فلسفية، أو إديولوجية، أو وجودية تنشد الخلاص ورصد التحولات. لذلك يتحرى مؤلف السيرة الذاتيّة ضم أحداث متفرقة، وتضفير تجارب متباعدة من أجل تحقيق هذه الغاية، التي تجعل من سرده سردا متماسكاً، يسير وفق خطة دلالية تمنح نصه المعنى المنشود. كما يعمد لانتقاء أحداث بعينها تبئّيرا لغايته، فيوردها في أماكن سابقة أو لاحقة معززاً هدفه بسرد أكثر تنوعاً.
في نص إبراهيم خليل «أوراق من الذاكرة» يلجأ مراراً لهذه الحيلة التي تُخيط وقائع متباعدة، وتجعلها نسيجاً واحداً داخل السرد، فكثيراً ما يشير عند ذكر بلدات ومدن مرّ بها إلى من عرفهم من المثقفين والأدباء ممن ولدوا أو عاشوا في تلك الأماكن. فيربط بلدة مُصْمُصْ مثلا بالشاعر راشد حسين، وأم الفحم بالشاعر خالد غبارية والشاعر زياد المحاميد، وبرقين بالكاتب سليم حسن وغيرهم الكثير، وهي حيلة سردية تضفّر تجربته بتجربة المكان، والأشخاص، وتجعل سَير السرد متسقاً مع غايته النهائية.
كما يعمد عند ذكر أي من أساتذته، أو من الأدباء، إلى التفاصيل عن أعمالهم التي قدموها، والأعمال التي كتبها عن أعمالهم، فيضم حكاياتهم إلى حكايته، فعندما يذكر محمود السمرة مثلا يذكر مقالاته في مجلة "العربي"، وكتابه "إيقاع المدى"، ويذكر الكتاب الذي ألفه عنه "محمود السمرة والنقد الأدبي"، وناصر الدين الأسد الذي كتب عنه "ناصر الدين الأسد وآثاره في اللغة والأدب" وغيرهم. كما ينتقى تجاربه في الصحافة، والكتابة النقدية، بما تعلمه وكسبه من خبراته، سواء في مرحلة التعلم، أو العمل، بما يوجه القارئ نحو الغاية التي تجعل من السيرة نصَّا متماسكاً.
ولا يفوت القارئ التركيز الكبير على المشهد الثقافي الأردني وتطوره منذ بداياته، إذ يضم إبراهيم خليل ذاته كمؤلف إلى شخصيته العامة في الوسط الثقافي، فلا يتوقف عند تجاربه بل يضمها إلى تجارب المثقفين والأدباء ممن رافقوه في مسيرة حياته. فيؤرّخ عبر سرده لسيرة الحياة الثقافية في الزرقاء وعمّان، منذ إنشاء فرع لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، مروراً بالمقاهي التي ضمتهم، وحتى إنشاء رابطة الكتاب الأردنيين. وتوثيقه لإصدارات الأدباء وتفاعله معها مثل وليد سيف، وعز الدين المناصرة، وتيسير سبول، وغيرهم الكثير مما يصعب تعداده هنا، وتقديمه لمؤلفاته رابطاً إياها بأحداث اجتماعية وسياسية وثقافية تزامنت معها؛ مما يضيء الأسُس التي شكلّت هويته السردية عبر الزمن، وصهرت المؤلف والراوي والشخصية الرئيسية في ذات واحدة.
• التلاعب بالزمن
تحكي السيرة قصة حياة فرد، مما يجعل لها خطاً زمنياً أفقياً، له بداية ووسط ونهاية، تُسرد فيه الأحداث غالباً بطريقة زمنيّة، تعتمد الزمن السائر إلى الأمام، منذ الطفولة إلى اللّحظة التي انتهى فيها من كتابة السيرة. إلا أن الراوي في السيرة يمتلك من المعرفة في هذه اللحظة أكثر مما كان يمتلك أثناء وقوع الحدث، وتجاربه الغنية قد أثرت مرجعياته، فأصبح يمتلك القدرة على الربط، والتحايل على سير الأحداث لإضفاء تماسكٍ علائقي بين اليوم والأمس.
نجد هذا الربط الزمني كثيراً في نص إبراهيم خليل، إذ إن التجربة في الذهن مقسمة إلى وحدات، ويقوم الراوي للسيرة بالتلاعب في وقت ظهورها بالاستباق، أو الاسترجاع لغايات دلالية. فمثلاً عند سرد ذكريات الطفولة عن إمام المسجد الشيخ عمر، يضيء الراوي لحظة مستقبلية يتعرف فيها على ابنه حكم البلعاوي في زيارة لتونس عام 1999 للمشاركة في مؤتمر الأدباء والكتاب العرب التاسع عشر، الذي يذكره لاحقاً في زمنه الصحيح؛ إلا أن الذاكرة هنا تستعين بحدث لاحق لإضفاء معنى على حدث حاضر.
أو مثلاً عندما ذكر رحلته إلى الشاطئ في الدار البيضاء، مسترجعاً في تلك الرحلة ذكرى صيف 1973 على شاطئ عكا، مما أوحى له بكتابة قصة «ذات صيف على الشاطئ»، ويعيد خليل جودة القصة إلى نشوئها من تجربة حقيقية، وهو ما يعمّمه على الأدب الجيد بشكل عام. تعزّز هذه الذكريات كَون الذاكرة السرديّة ذاكرة بنائية، يعاد بناؤها في كل استعادة لها، ليس اعتماداً على الحدث كما وقع في تلك اللحظة الماضية؛ وإنما بالتزامن مع أحداث من الحاضر وآمال من المستقبل.
• المشهد الشعوري
ربما لا نحتاج علم النفس ليخبرنا بأنّ تلك التجارب العاطفيّة القويّة ذات البعد الانفعالي، تُؤثّر عميقاً في الذات، وتحفر في هُوية الفرد، ويؤكّد العلم الحديث تأثير تلك التجارب الانفعالية على اللّوزة الدماغّية، التي بدورها تعزز تثبيت واسترجاع الذاكرة. لذلك فإننا نتذكّر بقوة تجارب قد تبدو بلا أهمية في الحاضر؛ إلا أنها في زمن حدوثها أثارت انفعالاً عاطفياً شديداً، فتظهر كمشهدٍ حي كأنه يحدث للتو، وقد نذكر رائحةً أو مذاقاً، أو ترافق المشهد موسيقى معينة كانت في خلفية الحدث.
تظهر هذه الحيلة التسجيلية للذاكرة السردية في ذكريات الطفولة بكثافة، حين تكون الانفعالات والعواطف أقوى تأثيراً على الذاكرة وعلى الهُوية، نلمس ذلك مثلاً في مشهد يذكره الراوي واصفاً شغفه به، إذ اعتاد في طريق عودته من المدرسة في نابلس المرور بمحل لبيع البراويز واللوحات، والوقوف بواجهتها طويلاً، متأملاً صور الطبيعة، والخيول، والطيور، والناس وهذا يفسر لنا شغفه بالرسم في صغره ويفسر لنا تواتر كتاباته عن الفن التشكيلي وعلاقته بالشعر. وينعكس أثر هذه المشاهد على وصفه للأماكن التي زارها لاحقاً، إذ يصف رحلاته إلى المغرب وإسبانيا وسوريا وغيرها وما شاهده، بأسلوب تصويري دقيق أشبه بالرسم، كأن القارئ يقف أمام لوحة أو صورة فوتوغرافية.
مشهد آخر يصفه الراوي، في أحد مطاعم مالقة حيث تناول طبقاً من السمك، ما زال يذكر طعمه إلى اليوم، تتعزز مثل هذه الذكريات بشعور انفعالي رافق حدوثها، لتترك أثراً في الذاكرة يظهر بعفوية في ثنايا السرد. أو مشهد وقوفه بقصر الحمراء في غرناطة، إذ يتحول المشهد الشعوري القوي إلى قصيدة "الأبيض اللازوردي" مما يؤكد العلاقة الوثيقة بين الذاكرة والإبداع وقلق اللحظة. كما يظهر في الانفعال في لحظات الظلم والقهر؛ إذ يربط الراوي دوماً بين الحدث وما رافقه من مشاعر القهر لانتهاكات إسرائيلية حدثت متزامنة مع تلك الخبرة الذاتيّة.
• التأويل الراجع
لكل حيلة سردية وظيفة إدراكية، تساعد في بناء وإعادة بناء الذاكرة، بما يوافق المعرفة الجديدة ويجلي وقائع الماضي بمنظور الحاضر، فالهُوية الذاتية ديناميكية متغيرة على طول خط الزمن، والسرد يمكّننا من تفسير التجارب الماضية وفق تبدلات الهُوية الحاليّة، التي من الممكن أن تتغير عند استعادتها من جديد في المستقبل. بذلك يقدم الراوي للسيرة قصة متماسكة، ذات معنى، يتتبع فيها القارئ هياكل التغيرات في الذات الساردة.
لا تخلو "أوراق من الذاكرة" من مثل هذه الإضاءات السردية، منها قصة الزيارة الأولى إلى السينما ومشاهدة فيلم "أنا حرّة" الذي حسب أبطاله نجوماً؛ إلا أن الراوي يعيد تأويل المشهد من منظور حاضره، بعد أن قرأ الرواية مكتوبة، وخبر السينما أكثر، وعرف أن جمال الممثلين، ووسامتهم، ما هي إلا خدعة. يشير هذا التأويل الراجع إلى التغير في هوية السارد، وإلى تراكم معارفه التي أعادت بناء ذاكرته بحسب خبرته الجديدة.
يُظهر مرورنا السريع بنص سيرة إبراهيم خليل الأطر التي شكلّت هويته السردية، فالذاكرة تحتفظ بالصور والمشاعر والتجارب بطريقة موسوعية، تعمل بالتوازي والتزامن في لحظة استعادة الذكريات. وكأن الراوي توقع سؤالنا الأول "لماذا يكتب الفرد سيرته؟"؛ إذ ينهي نصه بالغاية التي يأملها من كتابة تلك الأوراق: إنارة درب من يبحثون عن قدوة أولاً، وثانياً مراجعة حياة غنيّة بالتجارب، آن الأوان فيها لينظر إلى حياته الماضية بلا غضب، وإنما بشيء من التأمل والرضا، عما كان، وعما يكون، معطياً عبر سرده المتسق معنى لقصة حياته، وإرثاً لمن بعده.