مثّلت رابطة الكتّاب موئلاً للعديد من الكتّاب الشبّاب، وخاصة الشباب الباحثين عن عمل، إلى درجة أن بعضهم كان يعدّها ملاذه الوحيد في مدينة مشغولة بكثير من العمل والهموم، وقليل من الموسيقى والشعر. ولذلك فقد كانت البند الوحيد في جدول أعمالهم الخالي من المواعيد. بعضهم كان يحضر مبكراً جداً ويقتعد كرسياً متروكاً على الشرفة الأرضية للرابطة والتي تزنّر مبناها كحرف اللام المقلوبة، ويطل الجزء الظليل منها على حديقة طالما رعت نفسها بنفسها، حتى إذا حضر نادل الرابطة (أبو حسين) ما بين الثانية عشرة والواحدة ظهراً، فتح بابها وانشغل بتنظيف وترتيب ما يمكن تنظيفه وترتيبه من غرفها ومكاتبها ومقاعدها، وتبعه روّادها المخلصون؛ مهيب البرغوثي وغازي الذيبة وعثمان حسن وأحمد النسور، فبادروا بأنفسهم إلى إعداد الشاي والقهوة واتخذوا مجلسهم في غرفة التلفزيون، ثم انخرطوا في نقاشات طويلة تبدأ بقصيدة النثر وتمر بروايات عبد الرحمن منيف ولا تتوقف عند حدود الجدل المحتدم حول حرب العراق وإيران. فإن كان ثمة ندوة أو أمسية، ظلّ باب الرابطة مشرعاً حتى الثامنة مساء، وربما حتى الساعة التاسعة أحياناً، وإن لم يكن ثمّة ندوة أو أمسية فإن بابها يغلق عند الساعة السابعة تقريباً.
لأيّ كاتب شاب بلا عمل، تمور الرابطة بالعديد من (الخدمات) التي قد لا تتوفّر في منزله، إذ علاوة على أنها تخلو أو تكاد ممن قد يلومه لأنه بلا عمل، فإنها تتسم بالهدوء والسكينة معظم الوقت، ويمكن لهذا الكاتب أن يستقبل صديقه أو زميله في مكتب رئيس الرابطة الذي يقع على يسار الزائر والذي أصبح بمرور الوقت صالة استقبال. كما يمكنه أن يبدّد شعوره بالوحدة والعزلة فور جلوسه في غرفة التلفزيون التي تقع على يمين الزائر. وإذ عنّ له أن يكتب ويغيب عن الوجود فيمكنه أن يستخدم طاولة الندوات التي ينتصب أمامها العديد من المقاعد. وعبر ممر قصير، يمكنه أن يدلف إلى المطبخ فيأكل ويشرب ويحتسي ما شاء من أكواب الشاي وفناجين القهوة، بل يمكنه أيضاً أن يستخدم دورة المياه ليغتسل إذا حضر ما بين الثانية عشرة والثانية!
لكن الرابطة، لا تفتح بابها رسمياً، إلا إذ حضر سكرتيرها التنفيذي محمد المشايخ، ما بين الثانية والثالثة عصراً، وفتح باب مكتب اجتماعات الهيئة الإدارية وباب غرفة المكتبة، ثم جلس في مكتبه لاستقبال الزملاء والضيوف والرد على سيل الهواتف وطباعة الرسائل وفرز البريد وتنسيق الأنشطة. فهو قلب الرابطة النابض الذي تبدأ عنده طلبات الانضمام لعضوية الرابطة وتنتهي. شاب تخرّج من قسم اللغة العربية في الجامعة الأردنية، ويعمل في دائرة الشؤون الفلسطينية بالشميساني. نشيط ومثابر ومبتسم على الدوام، لا يُغضب أحداً ويحب أن يساعد الجميع. ورغم أن الرابطة تمور بالتيارات السياسية إلا أنه نجح في المحافظة دائماً على وجود مسافة واحدة بينه وبين الجميع. يعرف كل أعضاء الرابطة ويحفظ أرقام هواتفهم وعناوين منازلهم، ويتذكّر إصداراتهم وسنوات صدورها، ولا يتردد في الكتابة عن بعضها في الصحف. وإذا لم يكن لديه ما يقوم به من مهام أو تكليفات للهيئة الإدارية للرابطة، ينضم إلى جوقة الجالسين في غرفة التلفزيون أو في مكتب رئيس الرابطة الذي صار غرفة استقبال، ويلهب الجلسة ضحكاً بِطُرَف أعضاء الرابطة ونوادرهم التي لا يحفظها ولا يحسن سردها سواه. لكل هذا، فإن من الصعب أن تتخيل الرابطة دون محمد المشايخ أو محمد المشايخ دون الرابطة، بل إن من الصعب أن تتخيل سيرة كاتب من كتّاب الرابطة لم يحضر فيها محمد المشايخ بطريقة أو بأخرى. لكن الميزة الأبرز له، ستظل تتمثل في قدرته الهائلة على احتمال أمزجة المثقفين وأهوائهم ونزواتهم وغطرسة بعضهم من جهة أو بوهيميته من جهة أخرى. ورغم منصبه المرموق نسبياً في الرابطة، فقط ظل يتعامل مع نادل الرابطة (أبو حسين) بوصفه زميلاً وصديقاً وأباً ويستمتع بقفشاته وتعليقاته العفوية اللاذعة ويرويها للآخرين. وقد شاطرته الوقوف على إحدى هذه القفشات، حينما حضرت ذات ظهيرة وإذا بـ (أبو حسين) يتبختر أمام عدد من لوحات مروان العلان الذي كان قد أقام معرضاً «إيروتيكياً» برعاية أحد المناضلين السياسيين، ولم يوفَّق في بيع العدد المطلوب من اللوحات، فأبدى استعداده لبيع اللوحات لمن يرغب من أعضاء الرابطة بالتقسيط. كان أبو حسين يتبختر مقلِّداً مِشْية راعي المعرض وقد عقد يديه خلف ظهره ودفع بطنه للأمام وزمّ شفتيه، فلما فاجأناه بهذه الهيئة الجادة جداً، إذا به يسارع للقول: ما هذا المعرض!
قريباً من هذا الجو وبعيداً عنه في آن واحد، تواجدتُ في الرابطة معظم أيام الأسبوع، لمدة ساعتين على الأقل، فأنا من جهة كاتب شاب ليس موظفاً، وأنا من جهة ثانية كاتب شاب متزوج ولدي طفلة ولا أدّخر وسعاً لتحصيل لقمة عيشي وعيش زوجتي وابنتي مما أنشط لنشره من مقالات ونصوص في العديد من الصحف والمجلات، والرابطة يمكن أن تكون مكتبة ومكتباً مثمراً لمن أراد. وربما لهذا السبب تحمست للمشاركة في ورشة صيفية لتعليم القصة القصيرة للأطفال، وأشركت ابنتي أسيل في ورشة المسرح بإشراف المخرجين نبيل الخطيب وسماح القسوس. وقد استمتعت باصطحاب أسيل معي إلى الرابطة والعودة معها مشياً عبر شوارع وسط البلد. كما تحمّست للمشاركة في جولة لمجموعة من كتّاب القصة القصيرة، نظمتها وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة السياحة بدءاً من الشوبك مروراً بالكرك ووادي موسى والطفيلة ومعان وصولاً إلى العقبة، بصحبة هند أبو الشعر وبسمة النسور ورجاء أبو غزالة وسليم المعاني وعلي حسين خلف وسميرة خوري. وقد بُهرنا بعدد الحضور في قاعة بلدية الشوبك رجالاً ونساء، كما بهرنا بحفاوة أهل الكرك الذين أصروا على استضافتنا يومين متتاليين، وقضيت أوقاتاً ملهمة في البترا وفندقها الذي تطل نوافذه صباحاً على صخور وردية تتلألأ بأشعة الشمس، ولم نكد نكفّ عن الضحك في العقبة، جرّاء العديد من المواقف التي تعرض لها الجميع أو شارك فيها الجميع، وكان أبرزها مبادرة الزميلات للاستنجاد بي في وقت متأخر جداً من الليل، جرّاء شعورهن بالجوع الشديد، بعد أن أضربن عن تناول الدجاج المشوي الذي كان يفوح برائحة زفرة، فما كان مني إلّا أن انطلقت من الفندق ثم عدت لهن حاملا كيساً ورقياً مكتظاً بالفلافل -لأنني لم أجد غيره- فالتهمنه مع الخبز بشهية كبيرة.
يخسر مقر الرابطة هدوءه تماماً، قبل موعد إجراء انتخابات الهيئة الإدارية بثلاثة أشهر، إذ يتحوّل إلى خلية نحل تئز وتئز بدءاً من ساعات الصباح الأولى حتى ساعة متأخرة في الليل. وخلال هذه الشهور تغيب وجوه الكتّاب العاطلين عن العمل والعشاق والحالمين، لتظهر وجوه قادة الرابطة الحقيقيين وصانعي الهيئات الإدارية؛ سالم النحاس، خليل السواحري، محمد سعيد مضية، محمود شقير، إبراهيم العبسي، فخري قعوار. كما تغيب مفردات الشعر والنثر، لتحضر مفردات الحزب الشيوعي الأردني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وحزب البعث العربي بجناحيه، العراقي والسوري، وفتح، وفتح الانتفاضة، فإذا بالرابطة تتكشف بين ليلة وضحاها عن أبرز مضامينها الجوهرية، بوصفها حاضنة للعديد من الأحزاب والتيارات اليسارية والقومية التي وجدت فيها واجهة مريحة لممارسة نشاطها الحزبي الذي كان محظوراً في ظل الأحكام العرفية. ويبدو أن هذا الجو الحافل بالاجتماعات والكَوْلسات والمفاوضات الجانبية والمشادات المؤقتة قد أصابنا بالعدوى، نحن الكتّاب الشباب، فبادرنا، غازي الذيبة وأمين يوسف عودة ومحمد مشة وأنا، لإصدار بيان انتخابي يدعو الجميع إلى الالتفات لجيل المبدعين الواعدين وإشراكهم في العمل الانتخابي والإداري، وتبني مطالبهم والعمل على توفير فرص عمل لهم، كما يدعو الجميع إلى تغليب الثقافي على الحزبي والقومي على الإقليمي والفئوي، ونشرنا البيان في الصفحات الثقافية اليومية للصحف الرئيسية، فأحدث بعض الأصداء، وتلقينا بعض المجاملات، لكن البيان لم يعد كونه صرخة في واد، أو ريشة في مهب الريح التي كان يتكفل بعصفها دهاقنة الرابطة كلّ عامين.
في صحيفة «الرصيف» كتب عبدالجبار أبو غربية بتاريخ 20/2/1994 مقالاً عنوانه «انتهت الزفَّة وفاز سالم النحّاس أيضاً»! وذلك في أعقاب دورة انتخابية حامية الوطيس في رابطة الكتّاب الأردنيين، تمخضت عن فوز الروائي مؤنس الرزاز برئاسة رابطة الكتاب الأردنيين، وإخفاق التيار الذي كان يقوده سالم النحاس في إيصال الروائي جمال ناجي إلى موقع رئاسة الرابطة.
ما أراد الكاتب أبو غربية أن يقوله في هذه المقال، يتمثَّل في أن سالم النحّاس -وإن كان قد أخفق في تحقيق ما أراد- إلا أن لعبة انتخابات الرابطة قد سارت وفقاً لشروطه التي يمكن تلخيصها بإقحام النقابي والسياسي على الثقافي والإبداعي بحكم مواقعه الحزبية والنقابية والثقافية. وللحق فقد حُمِّل سالم النحّاس طوال حقبة الثمانينات والتسعينات مسؤولية تسييس الرابطة وتحويلها إلى حاضنة لسائر ألوان الطيف السياسي، إلى الحد الذي دفع بي وبعدد من الزملاء الواعدين -كما أسلفت- إلى إطلاق البيان الأول للجنة المبادرة الشبابية التي هدفت إلى الخروج من نفق السجال الحزبي السياسي على حساب السجال الثقافي المهني، ومع أن البيان هدف إلى تنحي كل (ختيارية) الرابطة وإفساح المجال لجيل الشباب كي يطلق جدلاً ثقافياً مفارقاً للسائد، وفقاً للتحقيق الذي نشرته صحيفة «المستقبل» بتاريخ 13/1/1994، إلا أنه فُسِّر على أنه استهداف مباشر للمنهجية والعقلية الثقافية السياسية التي كان سالم النحّاس يمثِّلها تحديداً.
على أنّ تقييماً موضوعياً هادئاً للحراك الثقافي السياسي الذي قاده سالم النحّاس في رابطة الكتاب الأردنيين خلال الثمانينيات والتسعينيات، قد يدفعنا للتسليم بأن رابطة الكتاب الأردنيين ما كانت لتظل على قيد الحياة لولا ذلك التسخين الدائم للجانب السياسي، وخاصة خلال الفترة التي «حُلّت» فيها بقرار من الحاكم العسكري. ومع أن هذا التسخين قد جاء غالباً على حساب الجانب الإبداعي، إلا أنه تكفل بإبقاء فكرة المحافظة على الرابطة -بوصفها الإطار النقابي الشرعي والوحيد الذي يمثل المثقفين في الأردن- حاضرة على الدوام، وإلى الحد الذي لم يتوانَ معه سالم النحّاس، بواقعيته السياسية المعروفة، عن محاورة بعض رموز اتحاد الكتاب الأردنيين الذي أنشئ بُعيْد حلّ الرابطة، في سبيل إعادة توحيد الجسم الثقافي الأردني، وقد قُيّض لي أن أشهد جانباً من هذا الحراك الذي احتضنته دار الكرمل ومديرها العام خليل السواحري بحكم كوني محرّر الدار.
لقد مثّل سالم النحّاس بشخصه ومنهجه السياسي وحراكه الثقافي، رمزاً للوحدة الوطنية الأردنية من جهة، كما مثّل رمزاً للعلاقة التاريخية التي تربط الأردنيين والفلسطينيين من جهة ثانية. فهو المسيحي الأردني العروبي الذي تصدى على الدوام لكل النزعات الطائفية والإقليمية والانعزالية المريضة، وهو المسيحي الأردني العروبي الذي لم تفارقه فلسطين بوصفها القضية الأولى والمركزية لكل الأردنيين. وقد تكفَّل هذا الجمع الفريد بين الإخلاص للوحدة الوطنية الأردنية والإخلاص للقضية الفلسطينية والإخلاص لفكرة العروبة، بأن أصبح النحّاس محوراً لعلاقة شفافة جمعت المئات من المثقفين والمناضلين الأردنيين والفلسطينيين على حد سواء. وتجسّدت هذه العلاقة في صحيفة «الأهالي» التي مثّلت أحد الأفكار والأحلام التي تحمّس لها سالم النحّاس وعمل على إبرازها إلى حيز الوجود، بصفته السياسية القيادية المتقدمة وبصفته الثقافية النقابية المتقدمة، ولنا أن نتخيل حجم الإسهام وحجم الريادة التي سجّلها عبر هذا المنبر إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى حقيقة أن هذه الصحيفة الحزبية قد أطلعت كلّا من الكتاب والإعلاميين: رمضان الرواشدة، وموسى برهومة، الكاتب وبسام بدارين، وباسل طلوزي، وعماد حجاج، وجميل النمري، وحسين أبو رمان، وأسامة الرنتيسي، ومازن سعاده، ومحمد فرحان، وغسان عبد الخالق، وغيرهم من الكتّاب والكاتبات الذين تحمسوا لنشر نصوصهم ومقالاتهم الأدبية والفكرية والسياسية عبر صفحات صحيفتها المتنوعة التي أدارها حسين أبو رمان ورأس تحريرها جميل النمري، وحرّر القسم السياسي فيها أسامة الرنتيسي وحرّر القسم الثقافي فيها موسى برهومة وحرّر القسم الفكري فيها غسان عبد الخالق لمدة عام واحد.
الحراك السياسي والنقابي والحزبي والإعلامي الذي قاده سالم النحّاس، لم يتكفّل بحجب الجانب الإنساني المتدفق والساخر والمرح في شخصه فحسب، بل كاد يحجب الجانب الإبداعي أيضاً، لأن قلة من كتّاب جيل التسعينيات والعقد الأول من الألفية الثالثة يدركون الريادة الروائية التي مثّلها سالم النحّاس في الستينيات إلى جانب كلّ من تيسير السبول وأمين شنار، وهي الريادة التي أسست وأهّلت المشهد الروائي الأردني بجدارة، ففي أعقاب هزيمة حزيران اجتمع الثلاثة على محاورة التاريخ بما هو المفصل الرئيس في المشكل الحضاري للأمة العربية من موقع الراصد. فوقف أمين شنّار على يمين مستقيم التاريخ مبشّراً بحذف الحاضر إحياء للماضي عبر روايته «الكابوس»، ووقف تيسير سبول على يسار مستقيم التاريخ مبشراً بحذف الماضي والحاضر معاً أملاً في المستقبل عبر روايته «أنت منذ اليوم»، بينما وقف سالم النحّاس في المنتصف ولسان حاله يقول: لا وقت لكل هذا.. فما العمل؟! عبر روايته «أوراق عاقر» التي صدرت في بيروت عن دار الاتحاد عام 1968، والتي بدت أكثر انشغالاً بالجانب السياسي للهزيمة الحضارية.
ولحسن الحظ، فإن عاصفة الانتخابات سرعان ما تفتر بعد إعلان أسماء رئيس واعضاء الهيئة الإدارية للرابطة، فيعود كل شيء إلى ما كان عليه، ليرتمي مقر الرابطة في أحضان جبل اللويبدة مجدّداً، الجبل الذي يصحو على مهل بين التاسعة والعاشرة صباحاً، وهو يضوع بروائح القهوة والياسمين، وتتنفس شوارعه على مهل أيضاً هواء نقياً لا تكدِّره الأحقاد والمشاحنات والإحَن، ففي هذا الجبل، ظلت رابطة المواطنة الشفّافة تهيمن على جميع قاطنيه، بصرف النظر عن أصولهم أو منابتهم أو أديانهم أو أنماط حياتهم، وهو الحي الوحيد الذي يمكن لامرأة فيه أن تسير بتنورة قصيرة دون أن تحسب ألف حساب للتعليقات أو المضايقات، وهو الحي الوحيد أيضاً الذي يمكن لكل السيّاح أن يتجوّلوا فيه بأريحية تامة دون قلق بخصوص المتطفّلين؛ سرّته دوّار الحاووز، وعموده الفقري شارع مسجد كلية الشريعة، وأيقونته محل تحف الأفغاني، ورائعته المعمارية قصر «بديع يعيش» بحجارته الوردية وأبوابه ونوافذه الباسمة. بيوته الحجرية تفيض بالذكريات والحب والحنين، وشوارعه الفرعية تختزن ما لا يعد ولا يحصى من الذكريات والأسرار. دكاكينه صغيرة، والسيارات تعبره دون ضجيج، كما يمكنك أن تعثر في محلاّته على ما تريد بثمن مناسب. وحتى فرع البنك العربي الذي يقع على ناصية دوار الحاووز (دوار باريس لاحقاً) صار جزءاً من شخصية الحي وليس جزءاً من البنك. إذا داهمك الجوع، فإن مطعم أبو محجوب يمكنه أن يسد جوعك بصحن فول أو شطيرة فلافل مقابل قروش معدودة، وإذا شفّك الحنين ورغبت في تنسم روائح الصباحات الفيروزية، فإن أوقية من «بن مطحنة البدوي» المخلوطة بالهال، يمكنها أن تسكّن أوجاع هذا الحنين.
لكن الرابطة لم تسلم مما حملته عمان الجديدة، عمان التسعينيات، من مفاجآت ومقارنات ومنافسات. فها هم أعضاؤها المقتدرون مالياً يهجرونها تباعاً، ميممين وجوههم شطر «جاليري الفينيق» الذي أطلقته السيدة سعاد دبّاح في شارع وصفي التل (الجاردنز) المكتظ بمكاتب الشركات وواجهات المطاعم الفاخرة ومحلات الملابس الأنيقة. لم تعد اللويبدة تنتمي إلى عصر الإنترنت والعولمة والشركات العابرة للقارات. والمشهد الثقافي في «الفينيق» بإشراف محمد مشارقة وعلي الشلاة يبدو أكثر عصرية وجاذبية؛ أمسيات وندوات ومعارض بخلفيات موسيقية وإضاءات خافتة، ومناضد تكتظ بأكواب الشاي والقهوة والعصير، وروّاد ينتمون إلى الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة، أطباء ومهندسون ومحامون مثقفون، ونساء جميلات أنيقات أرستقراطيات، ونجوم يصعب تجاهلهم صاروا يؤمّون الجاليري يومياً فيتحلّق حولهم كثير من المريدين، وخاصة من المثقفين والفنانين العراقيين الذين تدفّقوا على عمّان بالعشرات، وملأوا الملاحق الثقافية للصحف الأردنية بمقالاتهم ونصوصهم ولوحاتهم. ومع أن بعضهم قد نقل للمشهد الثقافي الأردني كثيراً من أمراض المشهد الثقافي العراقي الذي يصطلي بنار حياة سياسية مأزومة.
وما يترتب على ذلك من مسلكيات وخطابات مأزومة، إلا أن الموضوعية تقتضي الإقرار بأن بعضهم الآخر قد أسهموا إلى حد ملحوظ في إثراء المشهد الفني والثقافي الأردني، وأمدّوه بدوافع نظرية وتطبيقية يصعب إنكارها، نظراً لاتصالهم الوثيق بأحدث النظريات النقدية الفكرية والفنية والأدبية في الغرب، وبحكم خبراتهم العملية في العراق والعديد من الأقطار العربية. ومع أن المثقفين العرب اعتادوا على ترديد المقولة المشهورة: «القاهرة تكتب، وبيروت تنشر، وبغداد تقرأ!» إلا أن الراصد الأمين للمشهد الثقافي العربي، لا يسعه إلا الإقرار بأن العراق -ورغم ظروف الحرب مع إيران وظروف حرب الخليج- قد ظل طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، الكاتب والناشر والقارئ بلا منازع! وأحسب أن جيل الثمانينيات والتسعينيات من المثقفين العرب سيظل مديناً جداً لكل ما تدفقت به مطابع العراق من كتب ومجلاّت. وباختصار، فإن من الصعوبة بمكان، التفكير بالمشهد الثقافي الأردني في التسعينيات دون التفكير بالأثر الاستثنائي للفنانين والمثقفين العراقيين الذين أغنوا هذا المشهد إلى حد بعيد.
لم تكن منافسة عادلة إذن؛ فشتان بين رابطة تدار من جانب هيئة إدارية متطوعة وكسولة وجاليري يدار بذهنية ربحية ذكية، ورغم إغراءات التواجد ضمن هذا المشهد الجديد الخلاّب، إلا أن ترددي على الجاليري ظل رسمياً إلى حد بعيد، إلى درجة أن محمد المشارقة قد عاتبني بهذا الخصوص مرار وتكراراً، وأحسب أن عدد مرات تواجدي في الجاليري لم تتعدَّ العشر، بما في ذلك المرة التي التقيت خلالها بالشاعر عبد الوهاب البياتي وحاورته مطوّلاً قبل أن أكتب عن ديوانه «بستان عائشة» دراستي الموسومة «صيانة الحنين؛ قراءة في تجربة عبد الوهاب البياتي»، والمرة التي قدّمت فيها قراءة لكتاب أستاذي وصديقي المفكِّر فهمي جدعان «الطريق إلى المستقبل». ومع أن «الفينيق» لم ينج هو الآخر من متوالية التنافس وراح يتوارى تدريجياً جرّاء بروز دور «دارة الفنون – مؤسسة عبد الحميد شومان» بإدارة الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، إلا أن وشيجة خفية ظلّت تشدني إلى الرابطة المهملة المنسية، وشيجة أشبه بالحبل السرّي الذي ينقطع ولا ينقطع أبداً.
وعلى أيّ حال، فإن رابطة الكتاب وغيرها من الهيئات والنوادي الثقافية، تبهت تماماً وتفقد سحرها كلياً في كل عام، طوال فترة انعقاد مهرجان جرش للثقافة والفنون، فترى الناس والمثقفين والفنانين والباعة، يؤمّونه من الساعة الرابعة عصراً حتى مطلع الفجر، يتزاحمون على الاستماع لنجوم الغناء العربي، وتتناقص أعدادهم في الأمسيات الشعرية والموسيقية والندوات النقدية إلى درجة الإحراج، كما ينتشر كثير منهم في الشوارع والمدرّجات الرومانية الحجرية وحول الأعمدة الشاهقة العملاقة. ورغم أنني واكبت المهرجان منذ سنواته الأولى -فقد أطلقته جامعة اليرموك التي تخرّجت منها وشاركت لذلك في لجانه التنظيمية الطلّابية بإشراف د.إبراهيم السعافين-، ورغم أن المهرجان مثّل على الدوام نافذة عريضة لترويح الأردن عربياً وعالمياً، كما مثّل على الدوام منصة عريضة لتعارف المثقفين والفنانين، إلا أن مردوده الثقافي والفني ظل محدوداً في الأوساط الثقافية، فكيف بمردوده في الوجدان الشعبي المحلي والوطني، جرّاء الاستبعاد المتعمّد لأبناء جرش من المشاركة في إدارة المهرجان. ولا أذكر دورة من دورات المهرجان، لم ينتابني خلالها شعور حاد بالاغتراب واللاجدوى، ناقداً أو مستمعاً، وسواء كنت في مدرّجات المهرجان في جرش، أو في بهو الفندق الباذخ، أو في مسرح المركز الثقافي الملكي، أو في قاعة مؤسسة عبد الحميد شومان!