«بقعة عمياء» لسميحة خريس..

تحولات الطبقة الوسطى (2-2)

تاريخ النشر : السبت 12:00 19-10-2019

تعدُّد الأصوات يخدم القارئ، إذ يمكّنه من رؤية الأحداث من زوايا متعددة، فالجار أبو كريم -في رواية الأم- يغدق كرمه على الابنة لأنه كان يراود الأم، ثم يتوقف عن ذلك الكرم دون أن تعرف سبب هذا التحول. وقد تأتي المعلومة على شكل استنتاج، ومثال ذلك أن بقاء الأب طويلا في البيت يعني بالنسبة للابنة أنه فقد عمله، وهذا ما حصل فعلاً.

تبدأ المشاهد أحيانا بوصف دقيق لمسرح سيشهد أحداثاً أو يشير إليها، وأحيانا تبدأ بصوت الشخصية وهي تعبّر عن نفسها، فتشدّك مباشرة إلى عالمها. الوصف تقدمه ذاتُ الصوت السارد، والأسلوب واحد، وكذلم اللغة لدى جميع الأصوات، رغم التعبير عن الوعي المتناسب مع حالة الشخصية وثقافتها.

هل يمكن أن يكون السرد شكلاً من أشكال البوح الكامل الذي يعبّر عنه الصوت السارد مثل كتابة السيرة؟

السرد ليس مجرد سرد للحكاية وتسلسل الأحداث، إذ إن هناك محمولات ثقافية تنم عن ثقافة ومعرفة كبيرة لدى الكاتبة سميحة خريس عندما نجدها تروي كثيرا من التفاصيل برؤية علمية كما في فصل نور الضريرة، إذ يكشف هذا الفصل عن معرفة لدى الكاتبة بأحوال فاقدي البصر.

لكن يلاحَظ وجود مقاطع في الرواية تستند إلى تداعي الذاكرة وانثيال الأفكار في موضوع معين، وهي أقرب إلى أن تكون خواطر للكاتبة أكثر من كونها خواطر للشخصية.

الأحداث السياسية

تبدو الأحداث السياسية، للوهلة الأولى، وكأنها مجرد خلفية لأحداث الرواية، ولا تتقاطع معها ولا مع حياة شخوصها.

الفساد يطفو في الرواية على وجه الحياة كما تغطي طبقة العفن وجهَ الجبن، ويقنعنا التاجر الفاسد أن الفساد لم يصل إلى الجبن كله، وأن الجبن ما زال صالحا للأكل، وأن الحياة ما زالت صالحة. الفساد ينخر كل شيء؛ تفشّي المخدرات، والغش، والتجسس، والخيانات، والفساد الديني، والفساد الاجتماعي والاقتصادي.

أحداث ذات دلالات رمزية

من الأحداث ذات الدلالة الرمزية خيانة ربحي لزملائه ووشايته بهم، ويذوق هو من الكأس نفسه وذلك عندما أصبح يرى خيانة زوجته له. وينتقل إليه ضعف زملائه في مقاومته، ليظهر عاجزاً عن الوقوف أمام خيانة زوجته. وكأن الكاتبة تعاقب الشخصية التي صنعتها على خيانتها.

الكاتبة هي كل شخصياتها، فقد تحدثت بلسان كل شخصية في الرواية، وربما كان من الصعب تحديد انحياز لدى الكاتبة نحو شخصية بعينها، فشخصياتها جميعها فاسدة تقريبا، ربما باستثناء الفتاة الضريرة نور، لكن لا يمكن إنكار تعاطف الكاتبة مع بعض هذه الشخصيات، فنوال كانت امرأة كادحة، تعمل كثيراً من أجل إعالة عائلتها، إلا أنها تقع في أخطاء وخطايا في حياتها أدت إلى تفكك عائلتها. ونادر، ابنها الشاب الذي بقي مهمَلا من والديه، يمارس الشر، ويلتحق بتنظيم «داعش»، إلا أنه لم يكن شريراً في جوهره، وندى ابنتها، تبحث عن خلاص من حياة تفتقد?فيها الحب وتعيش فيها على الهامش، أما نور الضريرة، فتحظى باهتمام كبير من أمها التي تشعر أنها السبب في فقدان ابنتها للبصر.

نور شخصية مميزة في الرواية، وهي شخصية استثنائية في تجربة الكاتبة وليس في الحياة، ولكأن الكاتبة كانت أمام تحدّ في الولوج إلى عالم الإنسان الكفيف، وفهمه، فرسمت تلك الشخصية بحرفية واقتدار ومعرفة علمية وجمالية. نحن نعرف تفاصيل عالم المبصرين، لكننا لا نعلم تفاصيل العالم الداخلي للكفيف، هو وحده مَن يعرف تلك التفاصيل ويقدر على التعبير عنها. وقد استطاعت الكاتبة أن تقدم صورة حقيقية وواقعية وموضوعية لعالم الإنسان الكفيف، راصدة كيفية انتقال ذاكرة البصر لتتوزع على ذاكرات الإنسان الأخرى، التي تكون غالبا مهمشة لدى المبص?، فالسيادة لذاكرة البصر، مثل ذاكرة الرائحة والملمس، والصوت، والشم.

لا توجد مواقف قطعية أو مبدئية لأيٍّ من الشخصيات في «بقعة عمياء»، فنوال تمقت عمل زوجها في تدبيج التقارير بزملائه، لكن هذا العمل يصبح مفيداً عندما أرادت أن تتخلص من عشيق ابنتها، بمعنى أن هناك مَن يلجأ إلى استخدام الأدوات والوسائل القذرة التي يحتقرها، وهذا سبب ديمومتها وشيوع الفساد.

المؤسسة التعليمية وتشكل الوعي

نكتشف من خلال الرواية غيابَ المؤسسة التعليمية عن تشكيل وعي الأجيال، فصورة المؤسسة التعليمية باهتة، أو يخامرها الفساد (معلم ربحي الذي يعلّمه الوشاية بأصدقائه، ثم بيع الأسئلة للطلبة). ويظهر هذا الغياب من خلال غياب الأثر في كل الشخصيات تقريباً، إذ لا نلمس وجود معرفة تاريخية بتاريخ الأمة، أو معرفة علمية، أو أدبية، أو حتى دينية، ولا نجد قيماً توحّد الشخصيات. مقابل ذلك نجد مصادر المعرفة تأتي من خارج إطار المؤسسة التعليمية؛ من خلال ثقافة المشافهة المزورة، ويبرز هنا دور ربحي، ودور الشاعر، ودور الجماعة التي تنهل لم?س ثقافتها الدينية منها، ودور شيخ المسجد، ومصلح سائق الشاحنة، كما أننا نلاحظ أن منظومة القيم مائعة، وربما غائبة، وقد حلّت محلّها قيم هجينة، يغلب عليها الفساد والنفعية. فقيم ربحي وعبد الجليل ونوال وأخيها وزوج ندى قيم برجوازية عفنة، وهي شخصيات تتمحور حول ذواتها، ولا علاقة تربط أيّاً منها بالآخرين، إلا في الإطار النفعي.

عتبات الرواية ودلالاتها

بصرف النظر عن ورود العنوان داخل النص للإشارة إلى مسميات محددة بمعناها المباشر، فإن العنوان لا يخلو من الدلالة التي يمكن أخذها من المعاني المستخدمة في الرواية، ففي الحياة، كما تود الرواية أن تقول، هناك بقعة عمياء لا تجعلنا نرى ما يدور حولنا بشكل صحيح، أو أننا لا نراه أصلا، فتكثر المصائب حولنا، فهل الحل هو -كما اقترحته البلدية- إقامة مطبّ؟ بمعنى التأني، والتوقف للحظة عن الركض وراء لقمة العيش، والتوقف عن انشغالاتنا الدنيوية، حتى نتمكن من اكتشاف الطريق أمامنا، ونجتاز تلك البقة العمياء دون أن نتسبب لأنفسنا بخسا?ر، ونحفظ سلامتنا؟

يضاف إلى العنوان لوحة الغلاف للفنانة هيلدا الحياري، وقد اختارتها الكاتبة نفسها، وهذا الاختيار لم يكن ليحدث لو أن اللوحة لم تتشابه مع مضمون الرواية من وجهة نظرها، فاللوحة تعبيرية تمثل أربع نساء يظهرن بائسات، ينتمين إلى عالم مضى، وهو واقع حال الشخصيات النسوية في الرواية، اللواتي ينتمين إلى الطبقة الوسطى الآفلة.

الأسلوب

غالبا ما تنعكس نظرة الكاتبة إلى الحياة من خلال أصوات الشخصيات، فالشخصيات تكاد جميعها تتحدث اللغة نفسها، ولها المستوى الثقافي نفسع، وأحيانا الوعي نفسه؟ ومن الواضح أن نظرة الكاتبة للواقع تبدو في أقصى درجات السوداوية، إذ تُقدم الواقع على أنه واقع فاسد، هش، ينيخ بثقله على حياة الناس. وتظهر العلاقات بين الناس ملأى بالزيف، لدرجة أننا لا نتوقف عند علاقة حب واحدة إيجابية، ولا حتى عند أيّ علاقة سليمة بين أيّ شخصيتين: العلاقات الزوجية مفككة تكتنفها الخيانات، علاقات الحب مزيفة تغلب عليها المصلحة والنفعية، علاقات الزو?ج مزيفة أيضا، فندى تصبح «تقيّة» من أجل أن تسوّق نفسها زوجة، وربحي يخون أصدقاءه وزملاءه ويشي بهم، والمجاهد يتعاون مع الأجهزة الأمنية، وعلاقات العمل قائمة على النميمة، والمجاهد الآخر يهمّه خلاصه الفردي لا الجهاد.

لغة الكاتبة عالية وأسلوبها كذلك. وبالنسبة لتقنيات السرد، يلحظ القارئ أن سميحة خريس تعاين الحدث الواحد من أكثر من زاوية باستخدام تعدد الأصوات. فالحدث الذي يمر بشخصيةٍ ما تعرضه تلك الشخصية بصوتها، وقد تعرضه شخصية أخرى بوصفها شاهدا، وهذا يؤكد على وحدة الحدث في الرواية، ويسهم في تقديم رؤية ثلاثية الأبعاد للحدث الواحد، مما يضفي حيوية أكبر على المشهد.

ويلمس القارئ أحيانا نفسَا ساخرا لدى بعض الشخصيات، كما هو لدى ندى ابنة نوال البكر: «لعبت بمهارة دور عانس لطيفة... الثلاجة والتلفاز والسرير» (ص223)، «ولكني أقهقه ملء صدري، فارق العمر يا أمي؟ ألم تزحفي إلى جارنا العجوز؟» (ص224)، «الرجال الحقيقيون...، ثلاثة في واحد» (ص226). وأحيانا يظهر الخطاب رومانسيا، كما هو لدى نور، أو ساخطاً كما لدى نوال: «لا أستحي من قاموسي الفاحش، فالكلمات القذرة وحدها تهدّئ غضبي وتليق بوصفه» (ص26)، «غاضبة من الدنيا وليس عليّ شكر أحد على أيّ معروف» (ص35)، «ولأن أمي كانت قد قابلت خالقها و?ستراحت، فإنّ الانسلاخ النهائي عن تلك العائلة لم يشكل صعوبة من أيّ نوع. فقط بعض الجنون والغضب والصراخ وفقدان البوصلة، ثم يتحجّر القلب ويغلق دونهم أبوابه» (ص37).

وتعي نوال واقعها وتحدد مكانها في الحياة: «الفقر يلبُد كقطّ متّسخ على هامش الحياة المترفة، أنتمي تحديدا إلى هذا الطرف القاتم» (ص12)، وتتحدث أحيانا بلغة تفوق مستوى ثقافتها ووعيها: «ساعدتني الطفلة على احتمال ما يردّد زوجي من نظريات سياسيّة مجتزأة ومثقوبة لم تنطبق على أرض أو سماء في يوم من الأيام» (ص21). أما السوداوية التي تميّز نظرة نوال للحياة فقد تجلت في عبارات على شاكلة: «الموت حق، حلّ حقيقي لمعظم مآسي البشرية، لكنه لا يأتي على هوى مَن يتمنى» (ص24).

ورغم أن الشخصيات تبدو جميعها سلبية للوهلة الأولى، إلا أن كل شخصية تحمل بذرة خير، فنوال تكره زوجها عندما تكتشف طبيعة عمله، وهي تضحّي من أجل عائلتها كأيّ أم، وربحي يتعاطف صادقاً مع صدام حسين حين إعدامه، ويصيبه نوع من تأنيب الضمير على وشاياته. حتى الفعل السيئ يجد له تبريرا لدى الشخصيات، فهذه نوال تبرر لنفسها انجرافها للرذيلة وخيانتها لزوجها بأن زوجها كان يخون أصدقاءه وزملاءه؛ «مع ذلك، ليس عدلا أن أتحمّل وحدي خطيئة انشغالي بخطايا الجسد في حين كان زوجي منشغلا بتدبيج التقارير السرية. كلانا وقع في الخطيئة» (ص31).

إنّ المستوى الثقافي للشخصية يحدد وعيها، وهذا واقعي ومنطقي، فنوال تفسر الأحداث بوعي غيبي: «ارتجفتُ صادقةً وأنا أُفصح عن خوفي من أن يكون ما حدث لابنتي انتقاما إلهيّا، جراء ما نفعل (العلاقة مع الجار). تجاسرتُ في توصيف فشل ولده وهروبه من البلد كعقاب آخر يقع عليه للسبب نفسه الذي أطفأ نور عينيّ ابنتي» (ص32).

الوعي الذاتي لدى الشخصيات

تعي شخصيات الرواية واقعها، وموقعها الطبقي، ومصالحها، فنجد التاجر عبد الجليل يتحدث عن نفسه، وكيف يواجه التحديات التي تبرز أمامه بوصفه تاجرا ينتمي للطبقة الوسطى، للحفاظ على موقعه ووضعه الاقتصادي والاجتماعي قبل أن يبتلعه «أصحاب رؤوس الأموال»: «فنحن محسوبون بقوة على عمّان الغربية، حيث تزداد شكوك النسوة بالتّجّار الصّغار، تشمّ الزّبونات شرائح المرتديلا وأوراك الدجاج المقطّعة، كما يحملقن بتمعُّن في تاريخ الصّلاحيّة على العلب، بعضهن أصبحن يقُدن سياراتهن مفضّلات الذّهاب بعيداً إلى أطراف العاصمة حيث (المولات) التي ?بتعْنَ منها كلّ شيء، من الإبرة إلى الصاروخ. كلما انفضّ الزّبائن جدّدتُ ديكور السّوبر ماركت لاستعادتهم، وإن لم أتمكن بمقدرتي المالية على تحويل محلّي إلى (مول)، فهناك حيتان ضخمة تبتلع الأخضر واليابس، وأنا رجل مُتعَب، إلّا أنّ عليّ قضاء عمري أطارد أصحاب رؤوس الأموال الذين يبتدعون الخطط لتحطيم السوق والسيطرة على المستهلكين وسرقة اللقمة من أفواه أنصاف المقتدرين أمثالي. ينحسر الرفاه الاقتصادي تدريجياً، قد لا يرى الناس الاقتصاد بوضوح وهو يأكل نفسه؛ ولكنّي أشعره يتدهور ويستغيث ويتعثّر، كلّما تقدّمتُ خطوة شدّني إلى?الخلف خطوات، أدور في رحى حرب حقيقيّة منتبهاً لحمّى المنافسة الرّهيبة، فالعالم لا يرحم وأنا لا أقوى على احتمال الأرجل التي ستدهسني لو سهوت للحظة عن مصالحي..» (ص93-94).

ويتحدث التاجر عبد الجليل عن واقع الطبقة الوسطى من وجهة نظره ودوره إزاء ما يحدث، فهو متردد بين أن يكون فاعلا في مواجهة ما يحدث أو أن يأتي التغيير من خارجه، فيختار الطريق الثاني لأن فيه سلامته الشخصية، ولأنه أميل للمهادنة والاستسلام للأمر الواقع: «تقتات ماكينة الحياة الشرهة بأولادنا، وكلّما تقلّب الزمن منح للأشياء معانيَ مغايرة، هناك مناضلون في كل زمان ومكان يتصدّون لغولٍ يبتلعنا، سنسمّي مقاومتنا أفكاراً تقدميّة أو نظاماً عالميّاً متوحّشاً أو ديمقراطيّة، قد نسمّيها هويّة. قد تتضخم حتّى تصير دِيناً، لا فرق، ي?يفني كل ما يدور حولي، وأظل أبحث في عينَيْ ولدي عن أجوبة لا يبوح بها. حين وقعت الانفجارات الإرهابية في الفنادق الثلاثة في قلب عمّان ومات عشرات الضحايا، ظننتُ نفسي مسؤولاً بصورة خفيّة، لكنّي سرعان ما نبذت تلك الفكرة المدّرة، ما لِي وما حدث؟ حتى لو كان ولدي ومن يشبهه وراء ذلك، ما أنا إلا برغيّ يدور في أحد مفاصل الماكينة العملاقة، لا أقوى على الاحتجاج ولا أملك خيار التّغيير، فقط أتماهى مع دوري، أدور وأدور، أصدأ في مكاني ولا أراوحه، أفهم دوري المحدود وأمضي فيه فلا أحيد عن دربي ولا أتوه، أدبّر شؤون بيتي مسيطراً ?ليه تماماً، فقط كنت أحتاج لابتعاد ابني مسافة كافية حيث لا أجزع لهزيمته ولا أفرح لانتصاره، لا يهدّني اعتقاله ولا يبهجني الإفراج عنه، لا تضعفني الأبوّة ولا تحمّلني ما لا طاقة لي به، منصرف عن العالم وما فيه كلّيّاً، ففي الأزمات أتأكّد من لمستي السّحرية السّطحية على عائلتي، ثم أدير ظهري لها متفرّغاً لوحشٍ خفيّ آخر، للسوق الذي يتحرّك مثل أخطبوط عملاق» (ص189-190).

ويضيف التاجر: «يجلدني السوق لأتوسع في حيّزٍ لا يتسع، أنحني وأنا أحاول نسيان الهالات الداكنة التي أراها تموج حول ولدي رغم مظهره النوراني الجديد. أتوسع لأنسى، وقد أنسى حقاً ويداهمني الرضا والقنوت في فترات متباعدة فيكبلان مسيرتي ويقللان من صفاتي كتاجر حذق؛ لكنّني أنتفض مُزيلاً عني تلك الطبقة الدبقة من الاستكانة، أعيد في كل مرة اكتشاف مخالبي في عالم التجارة، أتقدم وأتأخر كأنّني في حرب يدفعني الكرّ ويردّني الفرّ» (ص191)

أما نوال، فرغم أنها لا تمارس دورا مقاوما إزاء تدهور حالها وحال طبقتها، وتنحّي نفسها جانبا -وبوعي- عن الشأن السياسي، إيثارا للسلامة، إلا أنها تبدي غضبا إزاء ما يحدث، وتعبّر عن ذلك بقولها: «طار الراتب، قال طبقة وسطى قال! لولا العيب لوقفنا كلّنا نشحد عند إشارات المرور!» (ص102)، «اكتشافي الطبقي ليس جديدا جدا» (ص122)، «على ما يبدو أنّ الناس جميعاً باتوا يتردّدون على البنوك كما يزورون المخابز يوميّاً. لا أفسّر الظاهرة نموّاً اقتصاديّاً ورفاهاً جديداً يصيب الشميساني وعمّان الوادعة. يتسارع كل شيء كماء يسيل على منح?ر» (ص 124)، «أتقهقر في أدنى السلّم الاجتماعي» (ص126)، «فاجأني العرس بمكانة اجتماعية متغيرة لإخوتي ولي» (ص128).

وهذا الوعي مفارق للموقف السياسي، إذ أن نوال تبتعد عن السياسة ما استطاعت: «ولكنّ قلبي ينسحق كأنه ما يزال حياً وأنا أشاهد عملية الفجر الأحمر على الشاشة، ووجه صدام مسحوقاً أرضاً في فتحة الحفرة التي أخرجوه منها بشَعره الأشعث ولحيته المنتّفة. أغضبني اكتشاف المنطقة الرخوة في روحي، فأقسمت على مقاطعة الصحف وشاشات التلفاز وكل أخبار السياسة والسّياسيّين، لا أبتغي معرفة شيء حولي، لا أخبار ولا معرفة بالسيل الذي يجري تحت قدميّ، ولا بالزلزال الذي يهدّ جدران غيري» (ص139).

وهي تقاوم الانهيار بوصفها ممثلة للطبقة الوسطى الآيلة للانهيار: «لم أسرق، لم أكذب، لم أختلس، لم أوقّع حتّى على كتاب عبد الجليل الذي يطالب بمطبّ صناعي قبل النقطة العمياء، لم أعترض على وزارة أو ضريبة، لم أسجّل اسمي مرشحة أو ناخبة في أي انتخابات هزلية، ولا تباكيت على فلسطين، ولا علّقت مفاتيح دار ضاعت هناك، ولا كان يعنيني وادي عربة أو أوسلو. كنت صفراً كبيراً، عشت حياتي فارغة مشفّاة تماماً من دهن الكلام ولحم الفكر، لماذا إذن تشيح عني الدنيا وتدفعني دفعاً لمغادرة الموقع الذي أستحقه بجهدي وعرَقي؟ لماذا ألحق سريعاً?بركب الفقراء؟ يلاحقني حظّ متاعيس السياسة المعارضين أو المغضوب عليهم، رغم أنّ زوجي كان جرذاً قارضاً بامتياز، هذه الدنيا حقودة تفتقر إلى العدل» (ص153).

أما ربحي، فالمعرفة والثقافة لديه تحلّ محلّ الوعي، فهو يحتجّ على زوجته بأنها غير مثقفة ولا تعرف شيئا في ما يخص الأحداث السياسية... إلخ (ص154)، في حين يستسلم هو لمصيره، بوصفه ممثلا للطبقة الوسطى، كقدر محتوم: «لا معنى للتجديد ونحن نُهرم»، فهو مثال للمثقف الذي يمارس الفذلكة الثقافية والتنظير، ولا دور فاعل له.

أما نور الضريرة، فتدرك انتماءها للطبقة الوسطى، وتخشى أن ينحدر وضع عائلتها: «أعرف أننا نأكل كما كل الناس، لا نشتكي شحّ الطعام على المائدة، لكننا طبقة وسطى، وإذا تسولت عائلتي عند إشارات المرور فمن الأَولى أن تكون الكفيفة أوّلهم» (ص102).

ويتشكل لدى نادر وعيٌ محافظ بتأثير البيئة الاجتماعية المحافظة، أما الوعي الديني فهو سطحي، وما التحاقه بتنظيم «داعش» في سوريا إلا هروب من الواقع السيئ الذي آل إليه بسبب فصله من العمل، ثم بطالته: «أرتطم بالدّاعية كريم عند بوابة البيت وأسمعه بوضوح يتمتم: أستغفر الله العظيم. فأعرف أنّ أمّي أو أختي تمرّ ببنطالها الضيق وقميصها الذي يكشف ذراعيها. وأحاول وراء الجدران التي هي بيتنا أن أعيد الأمور إلى نصابها، أعربد وأشتم حدّ الإهانة. نساء البيت مسؤوليتي الأخلاقية، وإذا كنت أرتكب آثاماً سخيفة فإنّني أستطيع منع آثام أخ?ى تحت سقف بيتنا، لماذا على نسائي أن يختلفن عن الشارع الذي بدأ يلتفّ بالجلاليب والحجابات، علينا جرّ النساء إلى حظيرة الدِّين من شعورهن، لن أنتظر حتى تهتدي أمّي بفعل معجزة، أو تستقيم حياة أختي بقناعة وإيمان، كان أبي قد بدأ ينسى، ينهش عقله ما يسمى الزهايمر، ولو لم يكن كذلك فإنه خانع لا يهتم بتلك الأمور. أنا الذكَر الوحيد في هذه العائلة التي تحتاج إلى مَن يعيدها إلى صوابها» (ص284).

وهذا الوضع يماثل تقريبا وضع كريم ابن التاجر عبد الجليل، رغم أن الغموض يلف شخصيته والتحولات التي طرأت عليها، إذ يتحول فجأة من شاب مدمن على المخدرات، إلى مجاهد في أفغانستان، ثم يعود من هناك ليمارس العمل الدعوي، ويبدو أنه كان وراء تجنيد بعض الشباب للالتحاق بالمقاتلين في سوريا. أما والدته فكانت نموذجا للنساء قعيدات المنازل اللواتي يتعاطين التديُّن الشكلي الظاهري، ويخلطنه بمظاهر لا علاقة لها بالدين، مثل الشعوذة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }