بين «حيّ بن يقظان» و«روبنسون كروز»

تاريخ النشر : السبت 12:00 1-12-2018
No Image
1180

د.عريب محمد عيد

رسالة «حيّ بن يقظان» لابن طفيل رسالة في الطّبيعيّات، إذ تبيّن منشأ النّوع البشريّ، وبحسب رأي الفلاسفة تقوم على «فلسفة الإشراق»؛ وهي طريقة أهل النّظر الذين يدركون حقائق ما بعد الطّبيعة باتّباع طريقتي البحث والنّظر، ثمّ الانتهاء إلى الذّوق والمشاهدة، ثمّ إنّ مذهب ابن طفيل في فلسفته هذه هو المذهب العقليّ الذي يعتقد أنّ في وسع الإنسان أنْ يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول، وأنْ يصل بقوّة الطّبيعة إلى معرفة الإله والعالم حوله.

وتكون هذه المعرفة في الوصول إلى الحقيقة المطلقة بطريقتين: حدسيّة (الحدس والنّظر)، ونظريّة (طريقة القياس والبرهان)، ومثال الأولى أن حيّ عندما رأى أمّه الظّبية لا تتحرّك، أدرك بحدسه أنّه لا بدّ من آفة سبّبت ذلك، فقام يشقّ صدرها ليتأكّد أو يثبت ذلك، ثمّ إنّه صار يفكّر، ثمّ يقيس على الحيوانات المتوحّشة في الجزيرة التي تشابه وضعها مع أمّه عند موتها، ثمّ بنظره وتأمله في الموجودات حوله والأجرام السّماويّة اهتدى إلى أنّ لكلّ شيء مُسبّباً وفاعلاً، ويجب أن لا يكون جسماً، حتّى اهتدى إلى الله.

وفي «روبنسون كروز» لدانيال ديفو، يحبّ بطل القصّة المغامرة والمعرفة وركوب البحار واكتشاف المجهول، ويلتقط الملاحظات الجزئيّة في نظام الكون، مثل محاولة صنعه أواني الفخّار عندما انتبه بالصّدفة لسقوط قطعة فخار في النّار ثمّ احمرارها، كما أنّ حيّ بن يقظان تبيّن أثر النّار في إنضاج الحيوانات ممّا شهّاها إلى نفسه فعمد إلى أكلها، وكذلك استخدام حيّ للنّار ليلاً. إنّ ما يفعله حيّ «حدس شخصيّ» و»معرفة فطريّة»، فيها خلق للأشياء، فهو لا يقلّد لأنّه لم يرَ الأشياء واستخداماتها سابقاً، وإنّما هي محاكاة حيّ للطّبيعة.

وعُزلة حيّ بن يقظان كانت قسريّة؛ لأنّ أمّه رمته في اليمّ ليصل إلى جزيرة نائية، فالتقطته ظبية وتعهدته بالرّعاية بعد فقد ابنها، أو أنّ حياً وُلد من غير أب وأم، أمّا روبنسون فهو يختار السّفر عن المجتمع الإنسانيّ مخالفاً رأي أبيه، فهو يحبّ المغامرة وركوب الأخطار.

ويشير ابن طفيل إلى نقد المجتمع وضرورة اعتزال النّاس؛ ليرتفع الإنسان ويرتقي إلى معرفة الله، وإطلاق العنان للرّوح في ملكوت الكون، أمّا «ديفو» فلا يرمي إلى تفضيل العزلة والحياة الطّبيعيّة بالبعد عن المجتمع الإنسانيّ، وما حدث مع «كروزو» في وصوله الجزيرة النّائية هو محنة اضطر البطل إلى خوضها، وكان في مدّة بقائه في الجزيرة يسعى إلى مغادرتها. حيّ لا يعرف الكلام؛ وكان له فكر مستقل عن اللّغة، أمّا «كروزو» فيعرف الإنجليزيّة.

ومن التّشابه في القصتين أنْ قيّض الله الطّبيعة لكلا البطلين لخدمتهما، بتوفير الحدّ الأدنى من الحياة البدائيّة للعيش، وكلا البطلين اكتسب معارفة العمليّة من الملاحظة والتّجربة، فحيّ حاول أن يستر عورته بأوراق الشّجر العريضة حين رأى نفسه عارياً وشاهد أوباراً وريشاً وأشعاراً على الحيوانات، وكذلك استخدم «كروزو» جلد الحيوان ليصنع لنفسه بنطالاً يلفّه، فكلاهما رفض فكرة التّعري، ومثال الملاحظة عند «كروزو» ما رآه من نمو سنابل القمح وسيقان الأرز، فقرّر أن يلقي بذوراً بالأرض لتنمو في الفصل الملائم للبذور.

وقد طفقا يبحثان عمّن يشبههما من بني جنسهما، وإن كانت ردّة فعل كلّ من حيّ و»كروزو» الخوف والرّهبة عندما التقى حيّ بـ «أبسال»، و»كروزو» بـ «فرايدي»، ثمّ اتّباع حيّ «أبسال» عندما عرف أنّ الأخير يؤمن بالله، وأنّ ما توصّل إليه حيّ بفطرته السّليمة عرفه الآخر بواسطة دعاة، وعند «كروزو» يعلّمه «فرادي» اللّغة وشيئاً عن المسيحيّة.

ونلحظ في القصتين بيان النّواة الأولى للمجتمع الإنسانيّ من تصوير التقاء اثنين أو أكثر، وتجمعهما على أهداف مشتركة ومحاولة إصلاح المجتمع.

ونجد أنّ كلا البطلين يتعامل مع معطيات البيئة القسريّة الجديدة، فيبدأ «كروزو» باستثمار الحيوانات مثل الكلب للحراسة والماعز للأكل واللّباس، فهما الرّوح المشاركة له وحشته، وفي «حيّ» الحيوانات المتوحّشة هم أفراد بيته والمجتمع الذي يستأنس به، وهو يحاكي أصواتها في الاستدعاء والاستئلاف والاستصلاح؛ إذاً التّفكير وليد الحاجة، والحاجة اضطرت «حيّ» لأن ينازع الوحوش في أكل الثّمار، وأن يأخذ العصا سلاحاً ويستر عورته، وفيه استعداد فطريّ وحبّ غريزيّ للاطّلاع دفعه إلى محاولة البحث عن سبب موت أمّه بالملاحظة الخارجيّة والدّاخليّة، فعرف وظيفة القلب والرّوح ووظائف الأعضاء الأخرى، كما أنّ «كروزو» اضطرته الحاجة لأنْ يصنع فأساً يحميه من الوحوش الضّارية، وتثبيت سور حوله، وكذلك الزّراعة للأكل والاحتفاظ بسلاح حصل عليه من سفينة في البحر وغير ذلك.

وفي قصّة ابن طفيل، تبيّن جزيرة حيّ التّطور الطّبيعيّ بعيداً عن الاجتماع، والجزيرة الأخرى التي جاء منها «أبسال» تمثّل اجتماع البشر على عادات وتقاليد متوارثة، وفي النّهاية لا يُعجب حيّ بحال الجزيرة الثّانيةّ؛ فيعود إلى عزلته بعد رؤيته ردّ فعل النّاس وأخذهم بالدّين الظّاهريّ والشّكليّات، وفي قصّة «ديفو» يرجع «كروزو» إلى وطنه بعد ثمانيةٍ وعشرين عاماً ثمّ يعود مرّة أخرى لأسفاره.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }