«جاوا» السر المدفون على وادي راجل!

«جاوا» السر المدفون على وادي راجل!

تاريخ النشر : الخميس 12:00 24-3-2005
No Image
«جاوا» السر المدفون على وادي راجل!

كتب جهاد جبارة - في كل مرة كانت ترتحل فيها العين صوب ذلك المكان للاحاطة بكامل المشهد.. في محاولة لقراءة ما قد حدث منذ خمسة الاف وخمسماية عام مضى.. تتحطم الاهداب على اسوار مدينة «جاوا».. تلك العظمة التي لم يُكتب لها ان تُعمر طويلا!
«جاوا» التي ما ان طرقت بابها الا وفتحته، و«جاوا» التي «ندَهَتْ» للمرة الرابعة، وجَدَتْ ان في العين مزيدا من الدمع يستحق ان يُذرف على حجارتها التي اضاعت سرا، يبذل عاشقها عمره رخيصا للعثور عليه!
* في الطريق الى جاوا
ان الرحلة  الى «جاوا» كانت بالتنسيق مع مدير مركز بحوث وتطوير البادية الاردنية المهندس «محمد شهبز» الذي وضع الامكانيات اللوجستية لمركز الصفاوي الميداني لمرافقتنا ومساندتنا في هذه الرحلة، ورحلة البحث عن النقوش الصفوية في وادي سلمى والذي سينشر لاحقا.
لقد تم اختيار الطريق المختصر الذي يربط بلدة الخالدية بصبحا ذلك الموقع الاثري الهام والذي يحتضن حضارات تجمع النبطية بالرومانية والبيزنطية.. وقد كانت صبحا محطة للقوافل العابرة للطريق الرئيسي آنذاك والتي تربط دمشق بحوران ثم ام الجمال لتتفرع واحدة باتجاه صبحا والاخرى تتجه الى «حيان المشرف» ثم «حيان روييظ» فبلعما، ثم جرش لتأخذ الطريق السلطاني الى العقبة.
خرجنا من صبحا باتجاه الدفيانة فأم القطين ثم المكيفتة وابو الفرث، فالرفاعيات، ثم جبيّة لنعبر منها الى دير الكهف ثم عبرنا منطقة تل رماح فدير القن لنصل بعدها الى «مثناة راجل» والتي تعتبر اخر موقع لتجمع السكان في البادية الشمالية.
من هناك انعطفت بنا العربة يمينا لنأخذ طريقا صحراويا يقود الى «جاوا» وكان طوال الطريق وعلى جهتها الغربية يرافقنا وادي راجل العظيم والذي لا بد من وصف مساره لان ضفته احتضنت تلك المدنية التي تركت في القلب والعقل حسرة وحيرة في آن معا.
لقد سمي هذا الوادي بـ«راجل» لانه يترجل من ارتفاع 1200م لينتهي على ارتفاع خمسماية وخمسين مترا فوق سطح البحر.
ينحدر هذا الوادي من رأس جبل العرب جنوب سوريا متجها الى الجنوب الشرقي حيث تبدأ رحلة عبوره في الاراضي الاردنية في منطقة «المثناة» التي سميت باسمه، ثم يسير شرقا ليعبر «جاوا» ومنها يتجه ليصب في قاع «شبيكة» راويا تربة ذلك القاع الذي يبقى يستضيف «راجل» الى ان يفيض ويرتوي فيودعه الوادي منحدرا بعدها جنوبا مرورا ببعض القيعان الصغيرة الواقعة على طريق الصفاوي رويشد، وبعدها يواصل مسيره جنوبا باتجاه غدير «الفهداوي» ثم غدير «الملاح» وهناك ينعطف الى الجنوب الشرقي حيث قاع «المقلا» وبعد ان يكتفي هذا القاع يفيض جنوبا الى حيث سد راجل الذي انشئ في منتصف التسعينات الى الشرق من الازرق.. ثم ينعطف راجل بعد السد ليتجه غربا نحو قاع الازرق لينهي رحلة طولها ماية وخمسين كيلومترا.
وصلنا «جاوا»..
لقد كانت تنتظر ذلك المجيء بفيض من السكون والصمت المشحون بالكثير من الغموض.. ولعل حجارتها كادت ان تتحدث لتروي قصة المكان، لكن ثمة من كان يحول دون هذا الحديث.. انه الزمن الطويل الذي امتد لآلاف السنين حيث تغيرت المفردات، واندثرت حروف، ثم ولدت حروف، ومع كل هذا فان الناس الذين شيدوا تلك المدينة كانوا يخرجون بين الفينة والاخرى ليعبروا ارواحنا لكنهم وللاسف الشديد لم يمكنونا من عبور ارواحهم لقراءة ما قد حدث في يوم من الايام.
لم يكن ليبدو ذلك السكون سوى بعض ريح كانت تعبر لتقتحم ريشات اجنحة طائر الابلق العربي الذي كان وما زال يعزف قصة «جاوا» بمنقار لا نجيد فهم لحنه.. وقفنا على اسوار جاوا بعد ان عبرنا ما تبقى من بداية مهيبة ومن هناك شاهدنا سدها العظيم في الوقت الذي كان يلوح فيه من بعيد قاع شبيكة الابيض محاطا بمساحات من السواد البازلتي الممتد الى ما لا نهاية.
يقول عميد كلية علوم الآثار والانثربولوجيا في جامعة اليرموك أ.د.زياد السعد: ان موقع جاوا يعود الى العصر البرونزي المبكر والذي يمتد من 3500 الى 200 قبل الميلاد وكانت جاوا قد شهدت ازدهارا ثم استيطانا مكثفا حوالي عام 3000 قبل الميلاد، اذ يقدر عدد سكانها آنذاك بحوالي 2000 نسمة من خلال الحفريات التي اجريت عليها، ويعتبر هذا العدد كبيرا مقارنة بالنمط الاستيطاني الذي كان سائدا في تلك الفترة.
ان «جاوا» تقع في منطقة صحراوية جافة مغطاة بالاحجار البازلتية السوداء الموحشة، ومثل هذا الاستيطان في مثل هذه البقعة الجافة ما كان ليتم بدون توفر مصادر للمياه على مدار العام.. مضيفا السعد ان الحفريات أكدت على ان اهالي جاوا كانوا قد بنوا اول نظام مائي حقيقي في العالم يتكون من سد بني وفق تكنولوجيا متطورة، اضافة الى شبكة من القنوات وخزانات المياه الكبيرة والضخمة بلغ مجموعها حوالي عشرة.. مُقدرا ارتفاع السد بحوالي خمسة امتار بني من طبقتين من الحجارة يبلغ عرضها اكثر من مترين، ولتلافي الضغط الراجع للمياه فقد تم استخدام تقنيات وطرق بناء لم تكن لتعرف الا في العصر الحديث.. واضافة الى البناء الحجري فقد استخدموا الحواجز الترابية لتشكل تدعيما للسد من جهة ولمقاومة ضغط المياه من جهة اخرى.
يقول السعد انه وبعد انجاز السد المقام في «جاوا» فقد توفر الماء على مدار العام في تلك المنطقة الجافة ما ادى الى جذب اعداد متزايدة من السكان الى تلك المدينة مما شكل ضغطا على مصادر المياه وهي احدى النظريات التي تُفسر هجرة المدينة في حوالي 2300 قبل الميلاد.
لكن هناك نظرية اخرى تقول ان ازدياد عدد السكان ادى الى التوسع في النظام المائي عبر بناء سدود اخرى وقنوات مما اطاح بالنظام المائي كاملا.
ان علماء الاثار يعتقدون واعتمادا على ادلة وشواهد كثيرة بان الفترة الممتدة ما بين 2300 الى 1950 قبل الميلاد كانت قد شهدت هجران كثير من البلديات المحصنة التي تم تشييدها في العصر البرونزي المبكر، وتحول سكان تلك البلدات الى انماط استيطانية اكثر بساطة تقوم على القرى الصغيرة غير المحصنة او انماط رعوية متنقلة مثل حالة «البدو المرتحلون».
غير ان التفسير الاكثر رجوحا حسب السعد ان هذه المدن ومنها «جاوا» كانت قد دمرت بفعل زلزال اضافة الى تغيير مفاجئ في المناخ ادى الى قلة سقوط الامطار، وارتفاع على درجات الحرارة في كل منطقة الشرق الاوسط.
قد تكون هذه الاسباب مجتمعة وراء اختفاء حضارة عظيمة بدأت في الصحراء الاردنية قبل 5500 عام ولكن لم يكتب لها ان تعيش طويلا.. فلو عاشت لتغيرت انماط عديدة واختلفت.
ويبقى السؤال الكبير كيف ان اجدادنا تمكنوا قبل الاف الاعوام في جاوا من بناء نظام مائي عظيم، وبعدهم اجدادنا الانباط في البتراء ولا زلنا على الرغم من التكنولوجيا والمعرفة من اكثر المناطق في العالم نشكو شح المياه؟!
نودع جاوا هبوطا نحو وادي راجل حيث كانت هناك في قاعه المحاذي «للمدينة السر» خمس شجرات من الزعرور تود ظلالها ان تستضيفنا ولو للحظات بينما بعض زهرات من «الزعيتمان» كانت مستسلمة لشرنقة فراشة وهي تلتهم سيقانها الخضراء حالمة بمغادرة الشرنقة يوما لتحلق نحو جارة «راجل» الساحرة، والمبكية ابدا جاوا!

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }