راجعه: د. محمد ابو حسان - يتناول كتاب «الإسلام تحت الحصار أو عالم مابعد الشرف» للبروفيسور اكبر احمد، الصادر عن مركز ابن خلدون للدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية بواشنطن بالتحليل التاريخي عالم ما بعد أحداث سبتمبر2001 و ما تلاه من إعلان الحرب على الإرهاب ونظرة العالم إلى الإسلام التي شابها الكثير من سوء الفهم. ثم يسترسل المؤلف في دراسة الأحداث والأسباب التاريخية التي أدت لهذه الأحداث المؤسفة والتي غيرت العالم. يحتوي الكتاب على سبعة فصول تتناول: العودة للانثروبولوجيا و محاولة تشخيص الخلل وفهم الإسلام والعولمة وابن خلدون والاندماج الاجتماعي ويناقش مقومات القيادة في الإسلام واسباب فشل القيادات وكذلك وضع المرأة في الإسلام والتحدي الذي يواجه الإسلام ودور كل من العالم الإسلامي والغرب في خلق الحوار.
يعود البروفيسور اكبر احمد إلى نظريات ابن خلدون في محاولة لفهم التراكمات التي أدت لهذه الأحداث ويحاول شرح الأخطاء في العالم الإسلامي.
ويرى أن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الإسلام كنتيجة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر، والذي أدى إلى ارتباط الإسلام بالقتل والعنف. وضع المسلمين اليوم :- عدد المسلمين حوالي 3.1 بليون مسلم يعيشون في 55 دولة، أحدها حالياً تملك السلاح النووي، ويعيش ثلث مسلمي العالم في بلاد غير إسلامية حيث يعيش حوالي 25 مليون مسلم في الغرب. ومن ناحية أخرى، فان الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عن الدول الإسلامية، فمن اصل تسع دول أساسية في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، هناك خمس دول إسلامية من بينها.
فلأول مرة في التاريخ يعيش الإسلام حالة مواجهة مع جميع الأديان الرئيسية في العالم: اليهودية في الشرق الأوسط، المسيحية في البلقان والشيشان ونيجيريا والسودان والفليبين وإندونيسيا، الهندوسية في جنوب آسيا، البوذية بعد قيام طالبان بنسف تماثيل بوذا في باميان، وكذلك الصين حيث تراث فلسفة كونفوشيوس والفكر الشيوعي في حالة صدام مع الإسلام في الإقليم الغربي في الصين . هذا المنعطف التاريخي خلق الجدال العالمي الدائر حول صراع الحضارات. وسواء أذعنا لمفهوم صراع الحضارات أو آمنا بالحوار ، فلا بد من فهم الإسلام لان ذلك هو المفتاح.
ففي القران الكريم، اكثر أسماء الله الحسنى تكرارا «الرحمن الرحيم» بينما وردت الآيات في قتال المسيحيين واليهود في موقف وتوقيت معينين. ولكن الله حض المسلمين على الدفاع عن حقوقهم بغض النظر عن المعتدي. إن الأشخاص ، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين يخطئون بالاستعمال الانتقائي من الآيات القرآنية لدعم وجهات نظرهم.
يناقش المؤلف فكرة وهي أننا لا نستطيع قبول فكرة عالم مقسم بين الإسلام والغرب كما فعل المودودي وسيد قطب. فهناك اكثر من 25 مليون مسلم يعيشون في الغرب، ووجود الصراع بين الهندوس والمسلمين في الهند وكذلك الصراع الداخلي في المجتمع المسلم المبني على العرقية مثلما حدث بين تحالف الشمال وطالبان في افغانستان، كل هذه المؤشرات تدل على أن فكرة تقسيم العالم لم تعد لها قيمة.
وفي محاولة لتشخيص الخلل في العالم الإسلامي يرى المؤلف أن ما يراه البعض صدام الإسلام مع الغرب، يراه المؤلف على انه رد فعل للمجتمعات الإسلامية على التغيرات العالمية وهي خليط من الغضب والكراهية المرتبطة بالعنف وهناك أيضاً الإعجاب بالحداثة الغربية. والوضع هكذا يصبح اكثر تعقيداً من أن تفسره نظرية صراع الحضارات. ويصبح من الصعب على المسلمين، وهم يحسون بحالة الحصار أو الإدانة بالعنف، أن يتحدثوا عن الحوار باقتناع.
إن الإحساس بالحصار لدى المسلمين لم يحدث فجأة بعد أحداث سبتمبر ولم يكن مقتصراً على المسلمين وحدهم، حيث أن التغيرات السياسية والاجتماعية القادمة من الغرب أثرت على حياة الناس في المجتمعات التقليدية عموماً. إن فكرة العولمة تبدو وكأنها تتحدى مقومات الهوية لدى معظم الأفراد: كتأثيرها على العائلة أو القبيلة والدولة والدين بينما تبدو القيم السماوية بما فيها من أخلاق و عدالة تبدو وكأنها ترفع كثيراً من قيمة الفرد.
ويتناول مفهوم الشرف سواء في المجتمعات الصناعية المتقدمة أو المجتمعات القبلية مثل افغانستان حيث قام اسامة بن لادن باستعمال مفهوم الشرف عندما اعتبر أن هجمات سبتمبر كانت لاسترداد شرف وكرامة المسلمين بينما قام الرئيس بوش بإلقاء خطاب بعد الهجمات مباشرة حيث ربط الشرف واسترداده بالانتقام ( الثار) وهنا يتناول مفهوم الشرف في المجتمعات المختلفة والمعايير المزدوجة.
ثم يتناول مفهوم العصبية عند ابن خلدون، حيث يرى أن فهمه سيساعدنا لتفسير ما يجري في العالم حالياً. إن العصبية تتفتت حالياً في العالم الإسلامي و تأخذ أشكالاً جديدة وخطيرة أحياناً، وهذا يحدث أيضاً في المجتمعات التقليدية غير المسلمة. أسباب تفتت العصبية تعود إلى عوامل مختلفة: التغيرات السكانية، الانفجار السكاني، الهجرة إلى الغرب، الفساد، الفجوة بين الأغنياء والفقراء أزمة الهوية والأفكار الغربية التي تمثل تحدياً للقيم والعادات التقليدية. وعندماً يقترن ذلك بحقائق هي أن معظم سكان العالم الإسلامي من فئة الشباب و معظمهم يعانون من البطالة والأمية ولذا يسهل استعمالهم لتغير متطرف. وهذا يؤدي إلى خلق عواقب اجتماعية مثل الصراع والعنف داخل المجتمع مما يحدث الفتنة والشر.
ثم يتناول القيادة الإسلامية في مقارنة بين كل من محمد علي جناح مؤسس باكستان وبن لادن الذي سبب الاضطراب في العالم بعد أحداث سبتمبر. يتناول فكر وأساليب كل من هذين النموذجين المتناقضين حيث دعم جناح المرأة والمسيحيين والهندوس والديمقراطية.
وتناول المرأة ومكانتها في الإسلام و انه في أوقات النزاعات خاصة بين حضارات دينية مختلفة، تصبح المرأة رمزاً للشرف وكذلك هدفاً لسلب الشرف. مثلما استعمل خلال الحقب التاريخية المختلفة حيث اعتبر إذلال المرأة إذلالا للعدو، وتصبح معاناة المرأة مضاعفة من أفعال وحشية ورعب عائلتها.
ثم يناقش التحديات التي تواجه الإسلام وان على المسلمين أولا أن يحسنوا فهمهم للغرب بمعزل عن فكرة المؤامرة. على العالم الإسلامي وإن يبنى ديمقراطية ناجحة، حيث أنها النظام الوحيد للخلاص من الفساد وسوء الإدارة كما أنها تمكن المسلمين من المشاركة في الحكم عن طريق الانتخاب. وهناك أولوية أخرى للمسلمين وهي التعليم، فالمجتمعات الإسلامية بحاجة إلى تعليم ذي نوعية ممتازة وغير مكلف أسوة بالمجتمعات المتقدمة، وان لا يقتصر ذلك على الطبقة الميسورة بل إن يتعلم الجميع العلوم والتكنولوجيا والإعلام والعالم وتنوعه. ويجب أن يركز التعليم على طبيعة الإسلام التي تدعو للرحمة والتسامح، وعندما تعود قيم العدل والإحسان واحترام العلم، عندها سيسود التسامح مع المفكرين والاقليات وتعطى المرأة مكانتها المشروعة في المجتمع.
وعلى الحكام المسلمين أن يتأملوا في الاتجاهات السكانية والاجتماعية في بلدانهم ، فارتفاع الأمية والبطالة وانخفاض مستوى الرعاية الصحية إضافة إلى نمو سكاني يعتبر من أعلى النسب العالمية ، كل تلك العوامل تؤدي إلى الإسلام العدواني الذي يترجم إلى العنف. والتحدي الأكبر الذي يواجه المسلمين داخلي وهو التحدي الأعظم: الحاجة إلى إعادة بناء فكرة الإسلام القائم على العدل والنزاهة والتسامح وطلب العلم أي الحضارة الإسلامية التقليدية وليس فقط الإصرار على الطقوس، أي التركيز على مبنى الإسلام كله وليس فقط أركانه الخمسة.
ويتناول ما على الغرب أن يفعله. فالغرب بحكم قوته العالمية يجب أن يقوم بالمبادرة. ويبدو حالياً انه لا توجد استراتيجية بعيدة المدى للغرب ومما يزيد الأمر سوءاً أن الغرب تقود سياسته مصالح الشركات الكبرى مثل تلك التي تعمل بالنفط. يجب على الغرب أولا أن يستمع للمسلمين ومن ثم أن يحاول فهم الإسلام. وستصبح الرؤية واضحة إذا ركز الغرب على الديمقراطية والتعليم. وعلى الغرب أن يسيطر على الاسلامو فوبيا أو الخوف من الإسلام. وكذلك على الإعلام في الغرب أن يراعي حساسيات المجتمع الإسلامي حيث أن الإعلام الذي يحمل استياء عاماً من الإسلام يستفز المسلمين لمشاعر معادية للغرب ويضعف موقف الذين يدعون للحوار والاعتدال.
الخلاصة: أشار المؤلف إلى العلاقات بين العولمة وتفكك المجتمعات والتطرف من ناحية والعدوانية والولاء المفرط للجماعة ومفاهيم الشرف من ناحية أخرى . والملاحظ أن ضحايا عدم التسامح العرقي أو الديني في منطقة معينة من العالم هم أنفسهم المعتدون في أنحاء أخرى من العالم. و إن التطهير العرقي يتدرج من وحشية الاغتصاب والقتل إلى الضغوطات الاقتصادية والسياسية والثقافية ضد الاقليات.
ويقترح معادلة للألفية الجديدة: إذا عمت العدالة والرحمة في العالم الإسلامي ومارس المسلمون عقيدتهم بشرف عندها سيصبح الإسلام جاراً طيباً لمن حوله وبين ظهرانيه تسودها الرحمة لمن يعيش داخله. إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر بدت وكأنها تدفع العالم إلى فكرة صراع الحضارات، ولكنها أيضاً أكدت الحاجة الملحة للدعوة إلى الحوار. الدعوة لإيجاد حلول عالمية للمشاكل التي تواجه المجتمعات البشرية والسعي لنظام عادل وسلمي هذا سيكون التحدي الذي ستواجهه الحضارة الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. ولمواجهة هذا التحدي يجب تحقيق رؤية الله بمحبة جميع البشر وبهذا تعرف رحمة الله.