نزيه أبو نضال - نادرة هي المسلسلات الكوميدية التلفزيونية المبنية على وحدة درامية واحدة، ومن 30 حلقة متصلة.. فمثل هذا الانجاز يحتاج إلى كاتب عبقري ساخر مثل التركي عزيز نسين الذي قدم له دريد لحام مسلسل «الدوغري»، أو مثل أسامة عكاشة الذي قدم له العملاقان محمود مرسي ويحي الفخراني مسلسل «لما الثعلب فات».
ولهذا يتم اللجوء عادة إلى تقديم الدراما الكوميدية عبر مشاهد منفصلة، تجمعها عادة شخصية بطل أو أبطال العمل، أو الإطار العام للأحداث، ولكن في حكايات متنوعة ومختلفة مثل: «مقالب غوار»، «معقول يا ناس»، «مرايا»، «عيلة خمس نجوم»، «يوميات مدير عام»، «طاش ما طاش»، «يوميات زوج معاصر»، «بقعة ضوء»، «أهلا»، «كولاج».. الخ..
إن الكتابة الساخرة أو الكوميدية هي واحدة من أصعب الكتابات على الإطلاق،ولهذا قلنا ذات مرة ونحن نقدم محمد طمليه ويوسف غيشان بأن على الشعب أن يحتفل عند ولادة كاتب ساخر.. تماماً كما كانت العرب قديماً تحتفل عند نبوغ شاعر، رغم أن لديها ألف شاعر عادي.
ومسلسل «نقطة سطر جديد»، الذي نحن بصدد الحديث عنه اليوم، يتشكل كذلك من مجموعة كبيرة من المشاهد واللوحات المنفصلة، ويقول مخرج العمل أحمد دعيبس بأنه قد تم استقطاب مجموعة كبيرة من اللوحات وصلت إلى خمسمائة لوحة تم انتقاء مائة وثمانون لوحة فقط منها، مجندين نخبة متميزة مـن الكتاب الذين قدموا للشاشة العربية العديد من الأعمال الدرامية والكوميدية، لتكوين «نقطة وسطر جديد».. فقد باتت الكوميديا العربية على حد قوله، أكثر ضحايا هذا الوضع القاتم، وأضحت الابتسامة عصية على المشاهد العربي، رغم الساعات الطويلة التي يقضيها مقلبا القنوات، وباحثا عن المشهد الكوميدي الضاحك، الذي يزيح هموم اليوم، وضغوط الحياة، وكآبة الأخبار والأحداث.
ولكي ينجح دعيبس في الوصول الى هذا الهدف أشرك في المسلسل أبرز نجوم الكوميديا الأردنية: هشام يانس، أمل الدباس ، وحسين طبيشات، ومحمود صايمة، وحسن سبايلة، الى جانب زهير النوباني، ونادرة عمران ونجلاء عبد الله وعلي عبد العزيز وإبراهيم أبو الخير ومحمد المجالي، وتامر بشتو، وليث شبول، ورنا أبو غالي وغيرهم وغيرهم.. وقد حاول دعيبس وورشة الاضحاك المصاحبة له تقديم ذلك على شكل حلقات درامية كوميدية تتضمن كل حلقة منها ست لوحات كل لوحة عبارة عن سكتش صغير لا تتجاوز مدته الثمان دقائق، وهي منفصلة عما بعدها وما قبلها، من حيث الموضوع والشخصيات والمكان، وذلك «لتحقيق الإيقاع السريع تماشيا مع إيقاع العصر»، كما يقول دعيبس.
والحلقات أو اللوحات الاجتماعية القصيرة الساخرة في المسلسل من تأليف مجموعة من الأدباء والفنانين منهم الكاتب الساخر يوسف غيشان والقاص هزاع البراري والكاتب محمد البطوش وهشام يانس وحسن السبايلة ومازن عجاوي وغيرهم وتحت عناوين داخلية منفصلة مثل «لو دامت لغيرك» و«ما بتستغني عني» و«الباشا ما غيره» و«للبيع بداعي المرض» و«بطاقة تأمين». والآن هل يكرر المسلسل الأردني «نقطة سطر جديد» ما سبق وشاهدناه من كوميديات عربية مشابهة مثل «يوميات زوج معاصر» المصري و«بقعة ضوء» السوري و«طاش ما طاش» السعودي «فريج عبيد» الكويتي؟
يقول زهير النوباني رداً على هذا الاتهام «إن الدراما الأردنية هي أول من قدم هذا النوع من اللوحات الفنية عام 1984 وعبر مسلسل «معقول يا ناس» مع المخرج عزمي مصطفى الذي قدمنا من خلاله الكثير من اللوحات وكانت كل لوحة منه لا تتعدى 10 دقائق وحقق شعبية كبيرة»، ويضيف «إن إنتاج نقطة سطر جديد يتم برؤية أردنية عربية، ولا يعتبر في نظري تكراراً، لأن المعالجة فيه مختلفة والحياة ثرية جدا بالقصص والمآسي والمواقف التي لا تنتهي».
لكن ورغم كل هذا الكلام وكل هذه الحشود، لتقديم كوميديا ناجحة، فإن النتيجة، وباستثناءات قليلة، لم تكن تسر أو تضحك.. فقد كان الأداء العام يتم على طريقة (زغزغني وانا زغزغته). فالعمل بمجمله والمبني على توجيه انتقادات ساخرة، على طريقة الكاريكاتير، أي بتضخيم الجوانب والظواهر المتفشية المراد كشفها ومعالجتها، قد بالغ كثيراً في تصوير المكوّنات السلبية للظاهرة، وفي أحيان كثيرة على نحو تهريجي لا يضحك البتة.. ذلك أن الكوميديا شديدة الحساسية.. فهي إما ان تفرح او تغم، فتصبح مصدر نكد بدل أن تكون سبب متعة، ويتحول المشهد الى أداء فني هابط بديلاً للابداع الراقي في عرض المشاكل ومعالجتها.
ويقول محمد البطوش الذي شارك بكتابة بعض لوحات المسلسل بأنه قد تفاجأ بما شاهد، وقد سجل عدة ملاحظات انتقادية للعمل يمكن ايجازها بما يلي: 1- الشخصيات التي تم تجسيدها لتحاكي الشخصية الاردنية، جرى تصويرها بصورة متحجرة متخلفة بلهاء بليدة 2- اللوحات التي قدمت كانت مبتورة من حيث النص ومشوهة من حيث السيناريو وبدائية من حيث الاضاءة والملابس والديكور والموسيقى. 3- الاخراج الهابط الذي خرج به العمل مملا ذا وتيرة واحدة وبلقطات ثابتة مطولة باهتة، وأبدى البطوش استغرابه لما أقدم المخرج عليه من بتر النص الاصلي وشطب السيناريو وتبديل لهجة الحوار. وللأسباب سالفة الذكر تقدم البطوش بالاعتذار للمشاهد الاردني عما شاهد.
هذه النتيجة تطرح السؤال مرة ثانية: لماذا نفشل في تقديم دراما تلفزيونية متقدمة رغم توفر العديد من عناصر النجاح في هذا المسلسل، تأليفاً واخراجاً وتمثيلاً؟! حتى كاد يصل في بعض الأحيان الى مستوى السكتشات المدرسية الساخرة التي يقدمها الهواة من الطلاب في حفل نهاية العام الدراسي.
والجواب مرة أخرى يكمن في درج الانتاج وحيث المخرج مستنزف في البحث عن دول نفطية خليجية ينتج لها اعمالاً شبه دعائية، لأنه لا يجد في بلده الفرصة الانتاجية التي تحقق طموحه الفني، وهو نفس السبب الذي جعلنا نخسر من قبل مخرجاً متميزاً مثل نجدت أنزور.
كما نلحظ في نفس الوقت كيف ينصرف كتابنا الكبار وفنانوننا الكبار الى تقديم ابداعاتهم خارج بلدهم، لغياب جهة الانتاج الوطنية التي تستثمر هذه المواهب باعتبارها ثروة وطنية لا يجوز التفريط بها.. فهل تتحرك الدولة قبل فوات الأوان، وقبل أن تزداد الفجوة بيننا وبين مل يقدم من المسلسلات العربية، ليس المصرية والسورية فقط بل والخليجية أيضاً!
[email protected]