رحلة الى صحراء البادية الشمالية وحقول الحجارة البركانية

رحلة الى صحراء البادية الشمالية وحقول الحجارة البركانية

تاريخ النشر : الأربعاء 12:00 23-2-2005
No Image
رحلة الى صحراء البادية الشمالية وحقول الحجارة البركانية

 كتب: جهاد جبارة - لعل هذه الرحلة الاستكشافية التي بدأت منذ مطلع الصباح لتنتهي في ساعات الليل الاخيرة من يوم الجمعة داخل الحقول البركانية في منطقة البادية الشمالية الشرقية تستحق عن جدارة وصفها بالقاسية والخطرة.. فقد تعرضنا خلالها الى العديد من المفاجآت بدءا بنضب الماء فجفت حلوقنا عطشا، مرورا بالجوع واستنزاف قدرة بطاريات الكاميرات اضافة الى رفض اجهزتنا الخلوية استقبال اي بث كان في بعض المواقع، وانتهاء باقساها حين نضب خزّان السيارة من الوقود ثم اصابة مرافقنا البدوي الصقر احمد العظمات بتشنج في ظهره داخل صحراء قفراء لا تحرس، ولا تحمي عابرها سوى عين الله جلت قدرته.
ولعل الاستاذ في الجامعة الهاشمية احمد ملاعبة الذي تعرض خلال عشرين عاما قضاها يزرع حرة الجبان للعديد من المخاطر يوافقني الرأي في ان اوجاع وآلام هذه الرحلة الجسدية والنفسية معاً ستزيدنا اصراراً على اتمام ما عزمت «الرأي» على تبنيه الا وهو كشف المستور من مواقع صحراوية لم يعبر غيرها اي اعلام من قبل.
سير الرحلة
وصلنا «الصفاوي» لنعبر منه الى «قاع شبيكة» الذي كنا قد تناولناه في تقرير مفصل سابق، ومنه اتجهنا ناحية حقل الاشقف البركاني، وهو واحد من ثلاثة حقول بركانية موجودة في منطقة (البادية الشمالية الشرقية الاردنية).. اما الحقلان الآخران فهما حقل «رماح» وحقل «الذروة».
ان حقل الاشقف البركاني موضوع الاهتمام في هذا البحث فانه يمتد (حسب دراسة اجراها د. ملاعبة رئيس قسم علوم الارض والبيئة في الجامعة الهاشمية) على مساحة تزيد عن المائة كيلومتر مربع وتتكون مما يقارب الاربعين مركزا انفجاريا بركانيا والتي اعطت لهيبها المستعر قبل ما يقارب (خمسة ملايين عام).. فاعطت ما يسميها اهل البادية بالتلال والجبال والتي اشهرها جبال الاشقف الاربعة التي ترى على طريق الصفاوي - رويشد، وهي اشقف «العنون» او «العمد»، واشقف «عيرة»، واشقف «طعيمس»، واشقف «عصيفر».
وهناك في حقل الاشقف البركاني كان المكان هادئا لكنه مليء بالرهبة والسكون ولا تكاد تلتقط الاذن الا ذلك الهمس الخارج جراء حفيف جناح طائر بمقدمة ريح.. لقد كانت القطع التي نفثتها هذه البراكين قبل ملايين من الاعوام تتناثر باشكال تأخذ الالباب دهشة وهي القطع المسماة بـ «القنابل البركانية».
وانطلقنا من هناك بينما «الحرة» كانت ترتحل معنا ملتصقة بنا كجلودنا، وبالمناسبة فان كلمة «الحرة» مأخوذة من كلمة اصلها آرامي وتعني حارة او حامية نتيجة للونها الاسود الداكن ومنها جاء الجمع في تسمية «حوران».
وبعد مسير متعب طويل وصلنا الى «مقاط» وواديها الشهير المسمى بوادي «مقاط».. و«مقاط» تقع على مفرق «الحرة البازلتية السوداء» و«الهضبة الجيرية البيضاء» وبين سهل شرقانا ووعر غربا، اما على الضفة الشرقية لوادي مقاط فتجد ان قاع «الخوميات» الذهبي يوسد جناحه بمنتهى الاستواء والامتداد لعشاق الصحراء العابرين.
ان هذا القاع اي «الخوميات» هو قاع فسيح يكاد يكون الاكبر مساحة داخل ارض الحرة، اذ يبلغ امتداد محوره الاكبر ما يربو عن الثلاثين كيلومترا باتجاه الشمال ويتكون من الطين والغرين والطمي الناعم .. وقد سمي بهذا الاسم نسبة الى الخوم أو الخيام حيث كان الساكنون قديما ينصبون خيامهم البيضاء على ارض هذا القاع. انه لحري بنا ان نطلق على هذا القاع اسم «قاع الشيح» لكثرة ما ينبت فيه وعلى شكل شجيرات كبيرة.
اما وادي مقاط فقد سمي بهذا الاسم لأنه مقط اي أخذ الاودية القادمة من الشمال الى الجنوب كمثيلاته في الحرة مثل وادي الصفاء ووادي الرقبان ووادي الكثبان الواقعة الى الشرق منه وجرها نحوه ثم اعادها مرة اخرى لتصب شمالا بدلا من الجنوب. وينسب الى العرب قولهم «ان مقاط» مقط ميت واد وواد تعبيرا عن انبهارهم بهذه الظاهرة التضاريسية.
ومن مقاط سرنا فوق ارض قاع الخريمات الذهبي مسافة لا تقل عن عشرين كيلومترا داخل محمية «برقع» حيث شاهدنا آثار الحراثة المنسوبية «الكنتورية» المائية والتي حرثت على ارض المحمية لهدف الحصاد المائي اذ تعمل هذه الحراثة على بقاء الماء لفترة طويلة بدل انسيابه السريع باتجاه وادي مقاط وذلك لإتاحة الفرصة لبذور النباتات وخاصة الشيح كي تستفيد من هذا الماء.
ان مسارنا الذي كان يتجه الى الشمال الغربي من مقاط اوصلنا الى حيث قصر «برقع» وهو قصر انشئ على امتداد وادي مقاط والى الجانب الشرقي من غدير «برقع» .. وبالمناسبة فقد شاهدنا خلال رحلتنا العديد من الغدران لكن لا غدير منها يرقى في حجمه الى حجم غدير برقع.
يقول الدكتور أحمد ملاعبة رئيس قسم علوم الارض والبيئة في الجامعة الهاشمية «إن غدير برقع شكل عامل جذب واستقطاب للانسان ومنذ العصر الحجري القديم للاستيطان في المنطقة بحيث يعتبر هذا الغدير بحق حاضنة تعاقب الحضارات البشرية عبر التاريخ ويضيف ان ما يؤكد ذلك الآثار الباقية في الموقع مثل قطع الصوان العائدة للعصر الحجري القديم والحديث، وكسر الفخار العائدة للعصور البرونزية ، والرومانية، والاموية  وغيرها ، بالاضافة الى النقوش «الصفوية» و«الثمودية».
ولقد قام الرومان الذين شيدوا هذا القصر كما  تشير النقوش الموجودة بانشاء سد يبعد خمسين متراً الى الشمال من القصر لا تزال اطلالة (السد) تظهر للعيان عندما تنحسر المياه في فترات الجفاف.
* القصر
يتكون القصر من بناء مستطيل داخلي بني من حجارة مهذبة كانت قد اقتلعت من مقلعين يقعان الى الجنوب الشرقي من موقع القصر في بعد لا يتجاوز عشرين متراَ ، وهي مقالع اخذت شكل النصف  دائري.
ويعود سبب اقتلاع الحجارة حسب «ملاعبة» الى ان حجارة الحرة المنتشرة على جانبي الغدير لا تتجاوز اقطارها ثلاثين سنتمتراً، وهي بالتالي لا تصلح لاعمدة التسقيف التي يتجاوز طولها المتر والنصف احياناً.
وهذا القصر  مقسم داخلياً الى غرف صغيرة، كما بني على طرفه الجنوبي الشرقي برج للمراقبة يزيد ارتفاعه على ثمانية امتار تقريباً، ويعتقد ملاعبة ان  وضعه في هذه الجهة لان الاتجاه المقابل هو عبارة عن وعر والخطر منه سيكون بالتالي قليلاً.
ولقد احيط هذا البناء ببناء آخر مقسم الى غرف اخذت شكل نصف دائرة، ان هذا القصر كان قد جدد على قواعد بعد ان دمر بسبب  الزلزال الذي ضرب المنطقة عام 551م في العصر الاموي حسب ملاعبة، مضيفاً انهم قاموا باعادة بنائه واضافة سور خارجي آخر يقع الى الغرب من القصر، اضافة الى مداخل الغرف الشمالية والتي يعتقد انها بنيت في عهد الوليد بن عبدالملك عندما كان لا يزال اميراً، ويعتقد بأن الامويين كانوا يستخدمون  هذا القصر  لاغراض التنزه والصيد ويقول ملاعبة ان اسم برقع يعود للامويين اذ كانوا  يستخدمون الصقور المدربة في صيدهم اذ كانوا يظللون عيون  صقورهم بالبراقع والتي مفردها برقع وهو من الجلد حيث ان الغدير كانت تأمه العديد من الطرائد والفرائس والطيور .
وبالمناسبة لقد شاهدنا عند غروب ذلك النهار قطيعاً من الاوز الابيض يعوم على سطح الغدير لكننا لم نتمكن من اصطياده بعد ساتنا نظراً لغياب قدرة البطاريات اللازمة للتصوير.
الاستيطان في برقع
يلاحظ الباحث ان العديد من المقابر الرجميه او ما تعرف «بالتيمولي» (Tumuli) تنتشر هناك، وهي مقابر تعود الى العصور البرونزية المتوسطة، وهنالك ايضاً مقابر رجمية تعود لقبائل عربية حيث تظهر بنمط يشير حجمها الكبير الى رفات شيخ القبيلة، اما تلك الصغيرة فهي بالعادة تضم رفات افراد القبيلة.
* الاكتشاف
وخلال تجوالنا على الجانب الشرقي من الغدير عثرنا على مجارش وادوات لطحن الحبوب والتي صنعت من نوعين من الحجارة احدها لونه بني يميل الى الحمرة ذات حبيبات خشنة نسبياً وهو عبارة عن صخر رملي اما الاخر فهو بازلتي اسود. ويعتقد ملاعبة ان الادوات الرملية قد تم الاستغناء عنها في فترات لاحقة لانها كانت خلال عمليات الجرش فإن حباتها المكونة من معدن الكوارتز ذات الصلابة العالية تختلط مع دقيق الحبوب مما كانت تؤدي الى ايذاء فكي الانسان من خلال تحطيم الاسنان وكسرها، وقد سجل علماء الاسنان العديد من الجماجم التي عانت من كسور في الاسنان..
هذا السبب دعاهم للاستعاضة عن المجارش الرملية بالمجارش البازلتية والتي تعرف حتى عصرنا هذا وتسمى بالرحا.
«الرأي» قامت بالاتصال مع د. زيدون المحيسن استاذ الاثار الكلاسيكية في جامعة اليرموك في محاولة لمعرفة المزيد عن قصر برقع.
يقول المحيسن ان القصر يقع على بعد حوالي عشرين كيلومترا الى الشمال الغربي من الرويشد معتقداً بأنه سمي بهذا الاسم بسبب موقعه المشهور المتعلق بصيد الحيوانات منذ العصور القديمة، حيث تم العثور على ادوات تعود الى العصور الحجرية ومنها الفؤوس، ورؤوس الرماح، التي كانت تستعمل لصيد الحيوانات بالاضافة الى ما عثر عليه من مصائد الحيوانات التي كانت ترد الى الغدير للاستسقاء، اما البرقع فيقول المحيسن فهو مصنوع في العادة من جلد الحيوان وعلى الاغلب الماعز البري اذ كان الصياد يضعه على ظهره ويمشي منحنياً باتجاه الفريسة في عملية للتمويه ويضيف ان البرقع يسمى في بعض المناطق الاردنية مثل معان والطفيلة «بالبيرق» كما يعتقد المحيسن بأن التسمية الصحيحة لاسم القصر فإنها تعود لمكان الصيد، ويضيف بأن الدراسات المختلفة التي ظهرت على السطح من خلال المسح الاثري فإنها دلت على ان بناء القصر قد تم خلال الفترة الرومانية المتأخرة وقد سكن هذه المنطقة العرب الغساسنة الذين هم اول من بنى هذا القصر ووضعوا عليه برجاً للدفاع والمراقبة وذلك خلال الفترة الممتدة بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين.
مضيفاً أنه من المؤكد ان موقع القصر كان ليراقب الطريق الرابطة بين العراق وايران وخاصة خلال الفترة الساسانية «اي في العصر البيزنطي المتأخر» وقد استعمل هذا القصر في خلال الفترة البيزنطية وسكنه مجموعة من رجال الدين المسيحي ويعتقد انه استعمل في بعض الاحيان كدير حسب المحيسن، مؤكداً أن هذا القصر كان قد اعيد استعماله خلال الفترة الاموية زمن الامير الوليد بن عبدالملك عام 700 للميلاد تقريباً.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }