«ليالي الصالحية».. مسلسل يحتفي بعبقرية المكان الدمشقي

«ليالي الصالحية».. مسلسل يحتفي بعبقرية المكان الدمشقي

تاريخ النشر : الاثنين 12:00 21-2-2005
No Image
«ليالي الصالحية».. مسلسل يحتفي بعبقرية المكان الدمشقي

نزيه أبو نضال - يتابع مشاهدو الأرضية والفضائية الأردنية بانتباه وقائع المسلسل العربي السوري «ليالي الصالحية»، في عرضه الثاني، وحتى أولئك الذين شاهدوه في عرضه الأول، في زحمة رمضان، راحوا يستعيدون جمالياته الفنية المدهشة للمرة الثانية، ودائماً فإن الفن الحقيقي يمكن مشاهدته أكثر من مرة.
ولقد سبق لنا وتناولنا هذا المسلسل على عجالة عند الحديث عن أزمة الدراما السورية، حيث وجدنا فيه، سواء من حيث المضمون أو الشكل إحدى وسائل تجاوز هذه الأزمة.
ولقد لاحظنا عبر متابعاتنا للدراما العربية، كيف اشتد الاتجاه، في الآونة الاخيرة، نحو الدراما الاجتماعية والسياسية المباشرة التي تمس حياتنا العربية، بعيدا عن الفانتازيات اللاتاريخية، والهذر الكوميدياني، والموضوعات التي لا تهم إلاّ القلة.. ذلك أن الناس يريدون، إلى جانب الفرجة والمتعة، معرفة ما يدور حولهم، وكيف يمكن مواجهة هذا الطاغوت الذي يحتلنا جنوداً وعولمة، ومن الداخل والخارج معا.. والأهم من كل ذلك السؤال الكبير الذي تطرحه هذه الدراما وهو: لماذا أصبحنا جميعاً هكذا غير مبالين؟! ليس بالنسبة لما يحدث حولنا في العراق وفلسطين وأفغانستان والسودان ولبنان فحسب.. بل لما يحدث حتى داخل بيوتنا وفي دواخل نفوسنا أيضا؟!
ثم أين اختفت منظومة القيم والسلوكيات الأصيلة التي كانت تسند الروح وتحيل الجسد العربي إلى لبنة فاعلة في بنيان مرصوص؟!
ولعل هذا السؤال الكبير هو ما تحاول بعض الأعمال الدرامية العظيمة الإجابة عليه: «ضمير أبله حكمت»، «ليالي الحلمية»، «أيام شامية»، «رجل في زمن العولمة»، «نهاية رجل شجاع»، «هجرة القلوب إلى القلوب»، «الأصدقاء»، «خان الحرير»، «عباس الأبيض»، «التغريبة»، «فريسكا»، ثم «ليالي الصالحية»، وهو المسلسل الذي سنعرض له اليوم.
* * *
 يقال دائماً وبحق «المغنّي لا الأغنية».. ذلك أن الأعمال الفنية عموماً تذهب باتجاه قيم الخير والعدل والجمال، وتسعى لطرح القضايا التي تحمل هذه المضامين.. غير أن النوايا الخيّرة لا تصنع وحدها الفن العظيم الذي يؤثر ويغير، ولا بد أن يمتلك العمل الفني شروط نجاحه الأساسية كي يتمكن من لعب دوره في الحياة.
في «ليالي الصالحية» توفرت مجموعة طيبة من شروط النجاح.. مما أهله للفوز بجائزة الجمهور التي تمنحها لجنة ادونيا للدراما السورية التي كان يرأسها الراحل ممدوح عدوان، وتضم نخبة متميزة من أهل الاختصاص. كما فازت كاريس بشار بلقب أفضل ممثلة،عن دور سعدية،  وبجائزة أفضل ممثل للفنان بسام كوسا، عن دور المخرز، وقد عاد ونال نفس الجائزة من مهرجان القاهرة للأعمال الدرامية التلفزيونية.
 ومن بين عناصر نجاح المسلسل :
* النص المكتوب للقاصة سلمى اللحام التي سبق وقدمت مسلسلي «غيوم صيفية» و«الربيع الأصفر»، وهي تشتغل الآن على المرحلة الثانية من ليالي الصالحية والتي تمتد من عشرينات القرن الماضي إلى الخمسينات. ولسلمى اللحام مجموعتان قصصيتان: «أعواد الثقاب» و«الانتظار».
* كاتب السيناريو والحوار أحمد حامد، وقد سبق له وقدم: «سفر»، «آخر أيام التوت»، «الجمل»، «شام شريف»،  «الخوالي»، «تمرحنه»، «سكان الأرض زوار».
*  المخرج بسام الملا صاحب البصمة الشعبية المتميزة في الدراما السورية منذ قدم «أيام شامية» و«الخوالي» الذي استعاد فيه المقاومة السورية ضد الاحتلال العثماني. كما قدم «الخشخاش» و«العبابيد» و«زمن المجد» وغيرها.
* أما الفنانون الذي أختارهم للعمل ويبلغ عددهم حوالي تسعين شخصية فمثلوا ثلاثة أجيال واضحة الملامح: جيل المختار (رفيق السبيعي) ومعه منى واصف وهالة شوكت وسامية الجزائري ونبيلة النابلسي، وسليم كلاس وتحسين خير بك وعصام عبه جي وحسن دكاك وقيس الشيخ نجيب، ومعهم مجموعة وجهاء الصالحية ورجالها. 
ثم الجيل الثاني المتمثل بالنجم المتميز عباس النوري (عمر) وزوجته سعدية (كاريس بشار) والفنان بسام كوسا، (المخرز)، ومع هؤلاء يتقدم الجيل الثالث: شقيق عمر وابني المخرز والمختار، وغيرهم من صبايا وشباب الحارة.
عبقرية المكان الدمشقي
والخلفيات الموسيقية والتراثية
ليس أيسر من تقديم حكاية ما من خلال مسلسل تدور وقائعة داخل الغرف الإسمنتية والمكاتب الباردة، والأصعب أن تنزل الكاميرا إلى الشوارع والحواري.. حيث نبض الحياة والناس. وهذا بالضبط ما حدث في ليالي الصالحية.. فكان أن أصبح المكان الدمشقي أحد الأبطال الأساسيين للعمل الدرامي. وفي داخل المكان البيوت العتيقة بحيشانها وبحراتها ونوافيرها وزهورها وأشجارها ونباتاتها، ولكي يتم استكمال المشهد الدمشقي بمكوناته ونمنماته الشامية اشتغل خبراء الديكور والأزياء والإكسسوارات على كل التفاصيل الصغيرة كي يبدو كل كادر أو لقطة  ابن شرعي أصيل لذلك الزمان، من نهايات القرن التاسع عشر.
ومع المكان بمكوناته العبقرية الذي شكل اللون التأسيسي للوحة الصالحية كانت تنطلق، في الأوقات المناسبة، الأغنيات الشعبية والألحان التراثية التي تمنح الزمن طعمه ورائحته، ووقف خلف هذا الانجاز الموسيقي سعد الحسيني أما الأغاني التراثية التي أداها ينال طاهر فهي من انجاز المتفوق في كل الفنون تحسين خير بك. ويستكمل المشهد الصالحي عوالمه الصوتية مع تقافز قبقاب الصبية الشامية (سعدية) فوق رخام الحوش الدمشقي ومع دق الكبة وعجين الحلويات الشامية، تحت عرائش الياسمين وقطوف الدوالي وحبات النارنج.
وفي ظل هذه الأجواء يدور الحوار بلهجته ومفرداته الشامية، ووفق مكونات ومصطلحات وعلاقات وأجواء ذلك الزمان.. فتكتمل شحنة الإقناع والتأثير بما نتابع من أحداث وتطورات، فيصبح المقطع الزمني القديم عبر جمالياته المشهدية والسمعية شديد الحضور والفاعلية في لحظتنا الراهنة، بما هو منظومة قيم وعلاقات إنسانية جديرة بالبعث والإحياء والتمثل..
وهنا فإن هذه الدراما السورية المتميزة تشتغل، كما سبق ولاحظنا، على ذات الهاجس الذي بدأ يؤرق الدراما المصرية عموماً، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، بعد أن تغوّل الفساد وعم الاميركان والخراب.. فكان أن اندفع مبدعو الدراما العربية إلى إعادة الاعتبار والحياة لمنظومة القيم والسلوكيات العربية الشعبية الأصيلة التي تكاد تنقرض في زمن الانفتاح والعولمة، وزمن الخضوع أمام منوعات الاحتلال، ومنوعات الثقافة الاستهلاكية الرائجة.
مثل هذه الأعمال الدرامية تكاد تطرح المسألة وتجيب عليها: لماذا؟ وكيف نواجه غيلان زمن العولمة بآلياتها التقنية الهائلة التقدم؟!
والجواب، أمام الهوة الهائلة التي تحول دون الوصول إلى مثل هذه المنجزات، أو قل إلى أن نردمها في يوم ما، فليس أمامنا سوى أن نعود مع «ليالي الصالحية» إلى عوالم المجتمع الدمشقي، في منطقة الصالحية،  قبل قرن من الزمن، ليرسم لنا حيوات الناس البسطاء وأخلاقيات ابن البلد (الزغرتي) أو القبضاي المعلم عمر الذي يقف إلى جانب الصديق والجار والمظلوم والملهوف، ويواجه الظلم والظالم، ويتصدى لتصرفات ابن عمه (المخرز) غير الأخلاقية ويحاربها بقوة، ولكن بنبل وكبرياء المطعون الحريص على صلة الدم. كما يرصد المسلسل يوميات أهالي الصالحية البسطاء، وما تتسم به حياتهم من تمسك  بالقيم، وفي مقدمتها الإخلاص ومقاومة الظلم والأمانة التي تشكل الثيمة الأساسية في هذا العمل، كما في أيام شامية، حيث يوضح حرص أهالي الحارة على تأدية الأمانة والتضحية من أجلها، والوفاء بالوعد. ويبرز المسلسل ما كان يتصف به الناس من محبة وتآخي، ويضيء صورة العلاقات الاجتماعية والأسرية الحميمة التي كانت سائدة في الحارة الدمشقية، من خلال حكايات ومحاور درامية متعددة لحيوات بعض الأسر الشامية وعلى وجه الخصوص عائلة المعلم عمر أحد أصحاب المزارع الأغنياء والذي يعيش في حسرة عدم إنجاب زوجته للأولاد، وعائلة ابن العم المخرز ثم عائلة المختار الذي يفجع بوفاة ابنه الشاب.
ولا تغفل دراما ليالي الصالحية وهي تقدم هذه الوجبة الإبداعية المدهشة أن تحفظ درجة عالية من التوتر والانفعال لدى الجمهور المشاهد الذي لا يكاد يلتقط أنفاسه، وهو يتابع بشغف، مع أهالي حارة الصالحية، وقائع لغز الأمانة ومجيء العلامة! التي تكاد في مغازيها تستعيد حكاية السموأل الذي  فضل التضحية بابنه على التفريط بالأمانة. 
[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }