عمان - وليد سليمان - تعتبر منطقة (نبع عين غزال) التي تقع في الطرف الشمالي الشرقي لمدينة عمان من أهم المواقع الاثرية والتاريخية في منطقة الشرق الادنى!! حيث يعود تاريخها الانساني الى الالف الثامن قبل الميلاد.
وقصة اكتشاف هذا المكان وتماثيله المدهشة تعود الى ما قبل ثلاثين عاما اثناء شق الطريق الجديد (الاوتوستراد) السريع الواصل ما بين مدينتي عمان والزرقاء.. حيث اتضح من التنقيب والدراسات ان منطقة عين غزال من اكبر الاماكن ومن أهم التجمعات البشرية الزراعية في العالم التي تعود الى العصر الحجري الحديث.
ويذكر الدكتور زيدان كفافي من جامعة اليرموك في دراسة حول اثار عين غزال «أن مساحة هذا الموقع او التجمع او القرية عند نهاية الالف السابع قبل الميلاد جاءت تضاهي اربعة اضعاف مساحة موقع اريحا في ذلك الوقت القديم جدا (على اعتبار ان اريحا في فلسطين هي من اقدم المدن في العالم). وحول نبع عين غزال في مساحة لا تتجاوز العشرين دونما استقرت مجموعة قليلة من الناس للعيش، ومع مرور الزمن تزايد عدد السكان واتسعت مساحة المكان حيث شملت نهر الزرقاء في نفس المنطقة».
هذا وقد قدر الباحثون وعلماء الاثار بان مساحة عين غزال مع نهاية الالف السابع قبل الميلاد قد زادت لتصل الى (150) دونما وان عدد سكانها كانوا يقدرون بألفي نسمة في ذلك الوقت.
وقد تم العثور مؤخرا عند بدء اكتشاف ومتابعة التنقيب لموقع عين غزال على الكثير من بقايا العظام الحيوانية وكذلك النباتية.. فقد زرع سكانها الحبوب مثل القمح بانواعه والشعير كذلك والبقوليات كالعدس والحمص والبازيلاء.
اما عن البقايا الاثرية المكتشفة في بلدة عين غزال فقد تنوعت في انواعها واشكالها ومادتها.. ففي مجال العمارة عثر على المباني المدنية والمساكن، وحفر خاصة بالتخزين، ومبان اخرى للعبادة ومدافن وتماثيل ودمى آدمية وحيوانية، واوان فخارية وادوات للزينة.
وعن اهم الاكتشافات غير العادية منطقة اثارت انتباه المهتمين في اواسط الثمانينات اثناء متابعة عمليات التنقيب في هذا المكان هو اكتشاف مجموعة من التماثيل البشرية الجبصية مدفونة داخل حفرة في بيت لم يعد يستعمل في تلك الفترة الضاحقة في عمق التاريخ.. وكانت تلك التماثل يتراوح طول بعضها ما بين (80-90) سم، وبعضها الآخر ما بين (30 - 45) سم.
وقد صنعت بعض هذه التماثيل الآدمية من الجبص (الجبصين) فوق هيكل من القصب ، حيث يرتكز الرأس الآدمي على رقبة طويلة مستقيمة.
وسابقاً اشار الخبير الدكتور صفوان التل قبيل عرض بعض هذه التماثيل في متحف الآثار الاردني القائم على قمة جبل القلعة في عمان الى «ان هذه التماثيل تشبه الى حد كبير تلك التي اكتشفت في (اريحا) والتي يعود تاريخها الى الألف الخامس قبل الميلاد... الا ان تماثيل عين عزال اقدم عهداً!! مما يدل على ان هنالك ارتباطاً دينياً واجتماعياً بين ضفتي نهر الاردن.
ومن المحتمل ان تكون هذه التماثيل رموزاً دينية مرتبطة بالتقاليد الدينية لابناء هذه المنطقة ... وتكمن اهمية ذلك ان هذه التماثيل تعتبر من اندر واقدم التماثيل الفنية المكتشفة في العالم، والتي تدل على المستوى الرفيع الذي وصل اليه الانسان في هذا الوطن قبل الوف السنين».
وعندما تابع المتخصصون في اعمال التنقيب اعمالهم في موقع عين غزال فقد كشفت حفرياتهم عن سبق اثري آخر وهو (اقدم شارع في تاريخ البشرية) يبلغ عرضه حوالي (5ر2) متر، ويوجد لهذا الشارع ممر يتألف من درجات يبلغ ارتفاعها وطولها بين 25 - 30 سم بنيت من حجارة كبيرة.
وهكذا فقد ظلت منطقة عين غزال مأهولة بالسكان، ومزروعة بسبب توفر المياه والينابيع ونهر عمان والزرقاء، لمدة قد تصل الى ثلاثة آلاف سنة... الى ان هجرها سكانها الى مناطق اخرى مثل منطقة وسط مدينة عمان، وذلك ربما يكون بسبب الزلازل والفيضانات ، او الحروب لأن منطقة عين غزال ليست محصنة بقلعة متينة ومرتفعة عن الوادي كما هي قلعة عمان او ربة عمون.