نزيه أبو نضال - يتابع عشاق الدراما التلفزيونية مجموعة من المسلسلات العربية على الشاشة الأردنية الصغيرة، كما على الفضائيات العربية، لعل من أبرزها «ليالي الصالحية» لبسام الملا الذي سبق لنا وقدمناه في هذه المتابعات. أما المسلسل الذي سنتناوله اليوم والجدير بالمشاهدة من وجهة نظرنا فهو فريسكا، لمجدي صابر تأليفاً ومجدي أحمد علي إخراجاً، واللذان انشغلا برصد التحولات العاصفة التي شهدها المجتمع المصري بالانتقال من التجربة الاشتراكية التي أرسى أركانها القائد الراحل جمال عبد الناصر وأطاح بها السادات باتجاه عوالم الخصخصة والانفتاح والمجتمع الاستهلاكي والقطط السمان.
ولكن العمل لا يغفل بالطبع عن توجيه الانتقادات الحادة للجوانب السلبية في التجربة الناصرية، وفي مقدمتها غياب الديمقراطية الشعبية واستشراء عناصر الفساد والانتهازية، كما بالنسبة لرئيس تحرير مجلة الأمل التي يعمل فيها الصحفي الجاد والنبيل رياض (توفيق عبد الحميد)، وكأن مجدي صابر من خلال رمزية اسم هذه المجلة ينبهنا مبكراً إلى أن العطب الذي أصاب الحلم/ التجربة إنما هو بسبب مثل هذا الانحراف والخراب.
تبدو الحكاية للوهلة الأولى مجرد حكاية بسيطة عن فتاة اسكندرانية جدعة وبنت بلد اسمها شمس (آثار الحكيم) التي تسعى، إلى جانب عملها في المصنع، إلى بيع الفريسكا، وهي نوع من الحلوى، للمصطافين والسائحين، لتامين حياة أسرتها وتعليم شقيقتها.
ولأن شمس لا يعجبها الحال المايل فهي تنتقد سلوك صديقتها إخلاص (الراقصة دينا) وطموحها غير المشروع للثراء الرخيص، كما تنتقد إدارة المصنع بسبب استمرار أعطال الماكنات، وما يلحقه ذلك من أذى على اقتصاد البلد. وهذه الشخصية الايجابية لا تتوانى عن تعريض حياتها للخطر دفاعاً عن إنسان كاد يقتل أمامها، بسبب ثأر صعيدي قديم.
هذا النموذج الشعبي الجدع يعجب الصحفي الجاد رياض فيسعى من خلال المجلة إلى تكريسه وإبرازه، بديلاً لاتجاه رئيس التحرير الباحث عن صورة غلاف لملكة جمال الشواطىء.
وهذا الصحفي يتحلى بأخلاقيات تربوية ومهنية نبيلة، رغم انحداره من أصول أسرية ارستقراطية ناقمة على الثورة، بسبب مصادرة أراضيها، وتوزيعها على الفلاحين المحرومين، وهي تتعالى على الناس، وترى نفسها فوق الجميع، ومن هنا يصاب الأب بسيوني (حسن عبد الحميد) بحالة هستيرية بسبب الأوضاع الجديدة، ولم تكن أمه ليلى فوزي في آخر أدوارها) أحسن حالا، وإن بدت أكثر تماسكاً.. فيما تسعى شقيقته المدللة نور (أميرة العايدي) إلى تدفيش (زوجها) لبيع كل ما يملك والهجرة إلى فرنسا.
وحده رياض يتعامل بجدية وإخلاص مع النظام الثوري الجديد، ويسعى كي يكون عنصراً نافعاً فيه، فيقف ضد سلوك شقيقته مع زوجها، لبيع مشاريعه الإنتاجية النافعة والهجرة إلى الخارج، ثم إنه يذهب بمشاعر إعجابه بشخصية شمس إلى مداها فيقدم على الزواج منها، رغم المعارضة الشديدة من أسرته الارستقراطية. ويمر هذان المكافحان بظروف قاسية، خاصة بعد فصل رياض من العمل فتضطر شمس للعودة إلى العمل وبيع الفريسكا. وهناك الكثير من الصدمات والمفاجآت الحزينة تنتظرها وتخيب آمالها بأقرب الناس إليها، ابنها وأختها وصديقتها. ولكننا لا نريد متابعة سرد تطورات الحكاية حتى لا نفسد على المشاهد متعة التلقي لأن هدفنا محاولة إضاءة جوانب العمل فنياً وليس تقديم حكايته.
هكذا تنفتح الحكاية البسيطة حول بائعة فريسكا وصحفي وراقصة على عالم من الإشارات والدلالات تطال المجتمع المصري ومساراته وخياراته اللاحقة، ويكاد العمل الفني يقول بأن الحركة الاجتماعية لا تسير وفق أقدار ميكانيكية، بل وفق قانون الاحتمالات وصراع البشر واختياراتهم.
وترى آثار الحكيم التي جسدت شخصية شمس بائعة الفريسكا أن ما جذبها إلى هذا المسلسل قصة الكفاح التي عاشتها البطلة ونجاحها في العمل والاجتهاد فـي أن تصـعد درجات السلم الاجتماعي وتحقق ثروة طائلة وتصبح شخصية مرموقة في المجتمع، كما أن الدور يحمل تفاصيلَ ومراحل متعددة بما يتيح للفنان إبراز مواهبه وإمكاناته.
أما صديقتها الفنانة إخلاص فهي النموذج النقيض لشمس فهي تجسد دور البنت الاسكندرانية الفقيرة التي تمر بظروف مادية صعبة، مثل شمس ولكنها تدفعها بدل طريق العمل والكفاح إلى هجر أسرتها واحتراف الرقص البلدي في الملاهي الليلية. ولعل ما أسهم في نجاح دينا هنا أن الدور قريب من شخصيتها الحقيقية كراقصة، ولكنه يحتوي على الكثير من المواقف المتباينة التي أبرزت قدراتها كممثلة، لتنضم الى قائمة الراقصات الممثلات: تحية كاريوكا، سامية جمال، نجوى فؤاد، لوسي، فيفي عبده.
إلى جانب آثار الحكيم ودينا يقف الفنان الذي يزداد حضوراً وتألقاً توفيق عبد الحميد ، منذ أوان الورد وملك من الجنوب إلى المسلسل الذي أطلق شهرته أميرة في عابدين، وبعده أين قلبي، ولكن بأداء متميز، برهن عليه في دور الشيطان القاسي ذي الجبروت في كناريا وشركاه.
في فريسكا يعيد توفيق عبد الحميد من خلال تقديم شخصية الصحفي رياض الدور النبيل الطيب المتفهم الحساس القريب من القلب،الذي عرف به، ولكن ليصطدم في كل خطوة بنقيض ما يمثله من قيم وسلوك.
هذه الثنائيات المتصارعة تطرح أسئلة الحياة: لمن تكون الغلبة في نهاية المطاف لشمس، بائعة الفريسكا وعاملة المصنع الطموحة، أم لصديقتها إخلاص التي تصبح راقصة مشهورة؟.. للصحفي المخلص، أم لرئيس التحرير الانتهازي؟.. للبقاء في الوطن والمساهمة ببنائه أم للهجرة وتهريب الأموال؟..
إن مثل هذه الأسئلة الكبيرة تحتاج إلى قلم قدير وشجاع ليجيب عليها، ومجدي صابر جدير بذلك، بعد سلسلة طويلة من الأعمال المتميزة: «أين قلبي»، «يا ورد مين يشتريك»، «أحلام البنات»، «الشهد المر»، «حرس سلاح»، «للعدالة وجوه كثيرة»، «مشوار» ثم «الرجل الآخر» لنور الشريف الذي يعرض في هذه الأيام على شاشة التلفزيون الاردني. وحول رؤيته الفكرية لهذا العمل يقول مجدي صابر: «كانت تؤرقني فكرة تأثير فترة الانفتاح التي مرت بها مصر على طبقات المجتمع حتى الآن فسعيت لتقديمها في عمل درامي استغرقتُ في كتابته عاماً ونصف العام كي يخرج بالشكل الذي أرتضيه». وهو يعتبر «فريسكا» مرحلة جديدة في حياته ككاتب دراما.
أما المخرج السينمائي المتمكن مجدي أحمد علي فإن فريسكا هو اول مسلسل درامي له، ولكن أعماله حصدت العديد من الجوائز وكان آخرها فيلم «أسرار البنات» الذي أثار ما يشبه الزلزال في الحياة الثقافية والاجتماعية المصرية، نظراً للجرأة الشديدة التي تناول فيها أخطر المسائل الخاصة بالبنت وأكثرها حساسية. وكان قد قدم في البدايات أفلاماً تسجيلية ثم قدم تجربته السينمائية الأولى «يا دنيا يا غرامي» التي أعلنته مخرجا متميزا و مهدت له الطريق للسينما الروائية، وهو يستعد الآن لإخراج فيلم «العندليب الأسمر» عن حياة عبد الحليم حافظ، وهو من تأليف محفوظ عبد الرحمن (صاحب مسلسل أم كلثوم) والبطولة للفنان احمد زكي.
لقد توفرت لفريسكا ما يحتاجه الفن الجميل من عناصر النجاح والتأثير.. مما يجذبك لمتابعته، على العكس من الكثير من الأعمال التي تعرض هذه الأيام، وتدفعك نحو الروموت كونترول للبحث عما يستحق المشاهدة، قبل أن تتورط لمتابعة ما لا يستحق إضاعة الوقت، وإنما فقط لمعرفة بقية الحكاية!
[email protected]