تحقيق - جهاد جبارة - «واذ أشرقت الشمس على الارض دخل لوط الى صُوغر، فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من عند الرب من السماء وقلب تلك المدن ونبات الارض. ونظرت امرأته من ورائه فصارت عمود ملح» الكتاب المقدس: سفر التكوين..
أما صوغر فمن المرجح ان تكون تلك القرية الصغيرة التي تقع في غور الصافي عند الحافة الجنوبية الشرقية للبحر الميت ولا يزال شاهداً من اطلالها الكهف المنحوت الذي آوى اليه لوط بالاضافة الى قنوات المياه المحيطة بالكهف.
وهناك الطريق التي تحتضنها آثار الخسف الظاهرة للعيان والصخور الهائلة ذات الاشكال الغرائبية التي توحي بصورة جلية بنتائج النقمة الالهية التي نزلت على قوم لوط رحنا نبحث عن عمود الملح الحقيقي.
وسلكنا طريقا صخريا صعبا بين الاودية والشعاب صعودا نحو التمثال الذي يعتقد البعض انه للسيدة «واهله» زوجة لوط..
يقول رئيس قسم علوم الارض والبيئة في الجامعة الهاشمية د. احمد ملاعبة الذي رافقنا في تلك الرحلة الاستكشافية «انه قبل ثلاثين مليون عام وبعد ان ترسبت صخور فوق الدرع العربي وهو جزء من الدرع العربي النوبي الذي يتكشف على طرفي البحر الاحمر الشرقي والغربي الشرقي الجزيرة العربية، اما الغربي فمصر والسودان والذي يمتد شمالا الى الشاطىء الجنوبي للبحر الميت الذي لم يكن قبل ذلك التاريخ قد تشكل بعد».
الخسف الارضي الاول
اما بعد ثلاثين مليون عام وبعد ان حدث الخسف الطبيعي الاكبر الذي ادى الى حدوث الانهدام الغوري الاردني،والممتد من خليج العقبة جنوبا ليصل الى بحيرة طبرية شمالا ويمتد حتى يصل الى جنوب تركيا وبامتداد يصل الى 1000 كم طوليا.
ويعتبر هذا الانهدام جزءا من الانهدام العربي الافريقي الذي يبدأ من بحيرة «فيكتوريا» في كينيا مرورا باثيوبيا والصومال ولغاية انهدام «عفار» في مضيق عدن مرورا بانهدام البحر الاحمر وحتى خليج العقبة وبطول كلي يتجاوز 6000 كم.
يقول د. ملاعبة «عندها بدأ البحر الميت بالظهور، ولم تكن ولادة هذا البحر يسيرة، بل جاءت بعد مخاض عسير لرحم الغلاف الصخري الارضي، حيث ولد الجزء الاول منه واستمر هذا المخاض لملايين الاعوام لم تهدأ خلالها حركة المولود الجديد فاستمر في تخبطه داخل الغلاف الصخري الى ان تروض جموحه نتيجة خسف عنيف مما ادى الى انخفاض مستواه عن كل شيء حتى عن مستوى سطح البحر الذي يساوي الصفر، ليظهر بصورته الحالية قبل عشرة آلاف عام، اذ تشكلت حفرة عميقة خاوية حنّت عليها الشعاب والاودية والصخور المتشكلة على دفتيها وعلى طول الانهدام الغوري بالماء ليخرج الى النور البحر الميت قبل اي استيطان او ظهور للبشرية على سطح الارض». ويضيف ملاعبة: «لقد كان للطبيعة الخلابة والتشكيلات التضاريسية الرائعة حول البحر دور فاعل في استيطان العديد من الحضارات التي فتنت بهذه الطبيعة باسماء عديدة منها «البحر النتن» وذلك لارتفاع ملوحته عن اي بحر مشابه له في العالم، اذ تبلغ نسبة الملوحة فيه اكثر من 350 غراما في اللتر الواحد، وسمي ايضا (ببحر سدوم) لان كتل الاسفلت كانت قد سُجلت تاريخيا وفي العصر الحديث ايضا وهي تطفو على سطحه وقد ارتبط هذا البحر ضمن تاريخ الحضارات القديمة والحديثة بالسدوميين او قرية «سدوم» والتي كان يسكنها نبي الله لوط عليه السلام.
الخسف الثاني
يقول ملاعبة «ويبدو ان الله كان يهيىء الطبيعة سابقا لانزال عقوبته واحداث الخسف الثاني بالاقوام التي عصت امره وخرجت عن النهج السليم القويم حيث اتخذ نبي الله لوط عن الضفة الشرقية من الحوض الجنوبي و على صخور تسمى بصخور «السرموج»، نسبة الى وادي السرموج الواقع في قرية الصافي، وهو تكوين صخري مكون من مجموعة من الكتل الصخرية المتراصة والتي تعلو صخور الدرع التي جئنا على ذكرها سابقا (والتي كانت قد تكسرت عبر السنين) مسكنا له على هيئة كهف محفور.
ولوط من انبياء الله الذي عايش سيدنا ابراهيم عليه السلام وامن برسالته وخرج معه الى الارض المقدسة قبل خمسة الاف سنة الى ان استقر به المقام داخل ذلك الكهف بعد ان هجر قومه الذين تمردوا على شريعة الله.. حيث خسف الله بهم الارض (والخسف معلوم، وكيفيته مذكورة في الكتب السماوية) اما الطبيعة فتؤكد وتشهد من خلال الصدوع والانخسافات والدمار الذي لا زالت شواهده ظاهرة للعيان (كما تبين الصورة).
قصة واهلة
وما بين الكهف المقدس القابع في صخور السرموج والتمثال الذي يُزعم انه «لواهلة» زوجة لوط القابع في الصخور الرملية (السليكاتية) ليس فقط مسافة تزيد عن الخمسين كيلو مترا، انما هناك ايضا فرق في التكوين الجيولوجي يزيد عن خمسين مليون عام حسب ملاعبة الذي يضيف «انه اذا قارنّا العمر الجيولوجي لصخور السرموج مع الصخور الرملية التي ينتصب عليها التمثال المزعوم علما «ان الصخور الرملية المتواجدة عليها ما يسمى بتمثال واهلة تعرف جيولوجيا بتكوين (ام عشرين)». والتي تعلوها رسوبيات من الصخور الجيرية المعروفة باسم (الترافرتين) وهي رسوبيات عادة ما تنتج من الينابيع والمياه المعدنية الحارة والباردة التي تكون مشبعة بالعناصر فاننا سنصل الى حقيقة ان النصب الذي يعتقده الكثيرون انه لواهلة ما هو الا عبارة عن احدى الظواهر التضاريسية الكلسية التي تشكلت طبيعيا، في العصور الجيولوجية الغابرة».
وخلال تجوالنا سجلت عدسة الكاميرا نُصبا كثيرة مشابهة لتمثال واهلة المزعوم!
وتكون اشكال النصوب في العادة على شكل أعمدة أو على شكل موائد تعرف جيولوجيا «بموائد الشيطان» وهي على هيئة عمود قطره أكبر وتعلوه قمة سطحها مستدير الشكل يشابه نبات الفطر.
وبعد..
اذا كانت هذه الظواهر التي تحدثنا عنها قد تشكلت بفعل الطبيعة فإن السؤال الكامن في الفكر والذي يحتاج الى اجابة هو: اين يقع النصب الملحي لواهلة؟!..
هل ذاب التمثال ؟
هل ان الرياح العاتية كانت اقتلعته وبعثرت ذراته على قمم الصخور وفي قيعان الاودية؟!
لقد بحثنا في الارجاء، وعلى الرغم من خطورة التنقل بين الصخور الحادة والملساء فلم نعثر الا على العديد من الانصاب والاعمدة التي لم تكن لـ«واهلة» اية علاقة بأي منها.