الكتاب: جنة الرضا (3 اجزاء)
المؤلف: محمد بن عاصم الغرناطي
تحقيق: د. صلاح جرار
راجعه: محمد سلام جميعان
حيثما قلبت صفحات هذا الكتاب (جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى) ظفرت يدك بكلام نفيس، ووقعت عينك على ذخر عظيم. فقد اصطفاه محققه د. صلاح جرار، لا لاسباب ادبية فحسب، وانما لما وجده فيه من انطباق وموافقة بين حال نعيشه وحال قد تقضى، وكأن ناموس الأيام والأحوال يجري على سنة واحدة من اعتكار الاحوال وتجهم الظروف في وجه الأفراد والأمم، فهي رجع مأساة واحدة نعب غرابها على غرناطة وفلسطين، فاتخذ المحقق من موضوع الكتاب سبيلا للتسرية والتعزية عما ألم بهذه الأمة من محن ونوازل، وما لحق بابنائها من المكاره والمصائب.
وللدكتور صلاح جرار في حقل الاندلسيات بحوث ودراسات ابتدر الى السبق اليها، والكشف عن موضوعاتها الفريدة، والتماس النادر منها والطريف، فعلى صعيد التحقيق، نهز الى كتاب «المقنع في الفلاحة» لابن حجاج الاشبيلي، وكتاب «ادباء مالقة» لابن خميس و«الابانة» للعوتبي، وغيرها فضلا عن وفرة في الدراسات التي تكشف عن غزارة وحنكة وتجربة ودقة علمية، مفردا او بالاشتراك.
ويقع كتاب «جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى» من تأليف ابي يحيى محمد بن عاصم الغرناطي، في ثلاثة مجلدات، تقارب صفحاتها الالف صفحة. ولاختيار د. صلاح جرار هذا الكتاب دواع واسباب غير الذاتية، منها - بحسبه - ان المكتبة الاندلسية تفتقر الى مصادر ادبية وتاريخية تغطي الفترة الممتدة من القرن التاسع الهجري حتى منتصف العقد التاسع منه. فضلا عن انه يقدم معلومات تاريخية نادرة عن مملكة غرناطة النصرية في هذه الفترة، وهي الفترة التي اختص د. صلاح جرار في البحث فيها، ونال عنها شهادة الدكتوراة عام 1982.
وقيمة المعلومات التاريخية النادرة التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب، جاءت من كون كاتبها شاهد عيان للاحداث، بسبب مكانته السياسية، فقد تقلد ابن عاصم وظائف القضاء والوزارة والخطابة والافتاء والأمامة والتدريس، فهو ينتمي الى اسرة مرموقة في غرناطة، كان لها دور بارز في عصر بني الاحمر. ويظهر من الرسالة الطويلة التي وجهها ابن عاصم الى اهل غرناطة في عقب انتصارات سنة 582 على الاسبان، ان ابن عاصم عندما كان من خاصة السلطان الغرناطي الغالب بالله ابي عبدالله محمد بن نصر الايسر - قد اخذ على عاتقه دعوة المسلمين الى الاتحاد ونبذ الفرقة والتناحر، وطرح دعوات الصلح الماكرة، التي كان ينادي بها الاسبان.
ولكن ابن عاصم على اي حال قد ذبح على يد السلطان سعد بن الاحمر في فترة التقلبات السياسية سنة 858 تاركا لنا هذا الكتاب النفيس الذي «يندب بلاد الاندلس ويحرك عزائم الاسلام لنصرة الدين لما استولى العدو على غالب تلك البلاد». ويصح ان يسلك هذا الكتاب في ادب السيرة الذاتية، لاشتماله على رسائل واشعار لمؤلفه ابن عاصم، واحتوائه على نقول واقتباسات من كتب ورسائل داخلة في عداد الاعمال التراثية الضائعة، ومعلومات نادرة عن اعلام تلك الفترة التاريخية من سلاطين ووزراء وقادة وادباء، مما لا نقع عليه في اي مصدر عربي آخر.
ويهدف ابن عاصم من تأليفه «جنة الرضا..» تقديم العظة والعبرة والتنبيه من الغفلة لأهل عصره، فيقول في مقدمته التي افاض فيها: «فان في حوادث الايام لأولي الافهام اعتبارا، وفي طوارق الليالي لارباب العوالي اختبارا، وفي مجاري الاقدار للذواق الشريفة الاقدار استبصارا..» ويفهم من مقدمة المؤلف ايضا انه كان في ضيق ومعاناة دفعته الى تأليف كتابه ليكون الكتاب مرشدا له ولمن هو في مثل حاله للصبر على مضض الحوادث «ارود منه انا ومن يكون في مثل حالي الوقتية روضا يجتني منه ثمرا ويقتطف منه زهرا ويسرح فيه ناطرة في حدائق ذات بهجة.. يرشده للصبر على مضض الحوادث، والرضا بما يأتي به القضاء من الخطوب والكوارث، والتفويض لله في مواقع اقداره، والتسليم له في ايراد كل امر واصداره».
وقد ابان المؤلف - ابن عاصم - عن رأيه في المحن التي تلحق بني البشر، والوسائل الشرعية لمواجهتها والتغلب عليها، و منافع الاعتبار بها فاورد الابتلاء في ست صور، اذ يذكر الصورة الرئيسة ثم يبين ما يندرج تحتها من انواع الابتلاءات والمحن، ويتحدث عن مصدر هذا الابتلاء وطرق مواجهته مستشهدا بذلك بآيات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، واقوال للسلف الصالح، و يورد الاشعار والقصص والحكايات التي تقع للناس في القديم والحديث. ولم يفت المؤلف ان يجعل لكل صورة من الصور الست خاتمة سماها «خاتمة الصورة» قصرها على سوق حوادث من عصره في غرناطة مما يلائم تلك الصورة، وكأنه - بحسب المحقق - «قصد من هذا الترتيب ان يضع خلاصة ما يصل اليه من عرض كل صورة في خدمة خاتمة الصورة».
وكشف د. صلاح جرار في مقدمة التحقيق، الصلة والمشابهة بين كتاب «جنة الرضا» وغيره من الكتب التي تدور على الموضوع نفسه - الابتلاءات والمحن - ومن هذه الكتب (الفرج بعد الشدة) للتنوخي، و«المحن» لمحمد بن احمد التميمي و«طوق الحمامة» لابن حزم.
ولا يخفى ما بذله د. صلاح جرار من جهد فيه استدامة العناية في ضبط نص المخطوط، واستكثاره من سد الخلل الحاصل فيه باندراس بعض الالفاظ او تقدم بعض المفردات وتأخرها، وتوافره على ايراد ترجمات مشفوعة بمصادرها للمغمورين من الاشخاص والاماكن، ونسبة الابيات المجهولة الى قائليها وغيرها من الفوائد العلمية التي قصرت الشقة بين القراء والكتاب، مما يعد من اللوازم الضرورية للتحقيقق. فجاء الكتاب بعد تحقيقه جامعا للمضيع، موفيا للمنقوص، متجافيا عن العيب، لا يقل فيه جهد محققه عن جهد مؤلفه، وما ذلك كله لتشاكل احوال الأمم والافراد من التخوف والاغتصاب، والقهر والاذلال، ومن الأمل والرجاء فيما تؤول اليه الاحوال بعد عسر وضيق. اذ الوشيجة النفسية بين عصرين وشخصين مرا بالمحن والابتلاءات مما يقرب العمل والادراك ويلاحم بين الحال والمآل، فكأنهما يصدران عن نبع واحد ويستصرخان من فزع مشابه، ويستنجدان بقدرة واحدة يسلمان امرهما اليها، في الشدة والفرج والمنشط والمكره. والعسر واليسر.
ومن التطلف في تفسير العبارات ما اورده المحقق د. صلاح جرار من معنى «للتسليم» اذ نبه الى ان المؤلف ابن عاصم قد ارشدنا الى وسائل مواجهة كل صورة من صور المحن والابتلاءات، وبهذا فهو يقيم كتابه على مبدأ العمل والتوكل وليس على اساس التواكل، وبهذا ايضا انقذ القارىء من ان الكتاب يميل الى التفسير القدري للتاريخ، فاستدفاع النقم واستدراك النعم قبل فواتها لا يقوم على مبدأ التسليم بل بالتنبه على الاسباب والاخذ بها. وحسبنا هنا ان نورد ابياتا لابي النجم المرعي رحمه الله:
هي الأيام من نعمى وبوس
وكرات السعور على النحوس
فلا يعظم عليك ذهاب مال
وخيل او رقيق او لبوس
فكل المال محقور يسير
اذا سلمت حشاشات النفوس