أبو ظبي ـ محمود اسماعيل بدر- مادة الحناء التي تبدع للنساء نقوشا جميلة، لتصبح مصدرا مهما من مصادر تزيينها وتجميلها لا سيما في دول الخليج، هي نتاج نباتات شجيرية من العائلة الحنائية، تحتوي على مادة صبغية، وتعمل على بروز النقش او الزخرف الحنائي على اليدين او الاقدام بألوان بديعة أهمها: الأحمر ويليه العنابي ومن ثم الاسود، وفي الوقت الحاضر ادخل عليها البعض مسحة من الصبغيات الملونة لكي تعطي اللون الازرق .. او لون «الموضة» وهو خارج عما هو مألوف ضمن ما هو متوارث.
الحناء مادة تقليدية، عرفها العرب منذ مئات السنين، واستخدمت في مناح عدة في حياة الانسان بواسطة الخبرات المتوارثة، حيث تحرص النساء فيها على اقتنائها والتزين بها والتفنن في استخدامها، وفق طقوس في غاية من الجمال والروعة.
وسجل الطب النبوي ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد اوصى باستخدامها خصوصا في علاج حالات الصداع والحكة وارتفاع درجة الحرارة، وهو الأمر الذي اكده اطباء العصر الحديث عندما تم لهم اكتشاف ان الحناء تحتوي على مادة مهدئة للاعصاب وتسكن الآلام، ولا تزال بعض البوادي العربية تستعملها لتسكين آلام الاسنان وفي حالات خلع الضروس، أما في احدث استخدام لها من جانب الرياضيين وخاصة لاعبي كرة القدم والقوى فقد أكد بعضهم انهم تألقوا في منافسات ومباريات عالمية بعد ما «خضبوا» أقدامهم بالحناء من اجل جعلها سميكة حيث ثمة رأي مفاده أن الحناء تقوي الطبقة العليا من الجلد وتساعد على الجري وتحمل المسافات الطويلة والارهاق الناجم عن ممارسة مثل هذه الرياضات الشاقة.
ويذكر العاملون في حقلي الطب الشعبي والحديث، ان الحناء فيها غذاء ولون وعلاج معا، نظرا لغناها بالمواد الغذائية والطبية، ومن جملة ما قالوه انها تعمل على تقوية الشعر من خلال تغذيتها لفروة الرأس.
وفي الاعياد كما في المناسبات السعيدة كالافراح والاعراس العائلية يزداد اقبال النساء على استعمال مادة الحناء، وتكون حفلات الزواج عادة مناسبة ثمينة تتهافت فيها النساء على التفنن في ابراز ألوانها ونقوشها على الايدي التي تتحول الى لوحات تشكيلية انسانية بديعة ومن النقوش المعروفة زخرفة الورود على الرسغين، بينما تنقش راحات الايدي بزخارف نباتية وهندسية جميلة، وتمتد هذه النقوش عند بعض النساء الى الاقدام والرقبة وحديثا بدأت تصل الى الاكتاف.
ويعود ارتباط المرأة بالحناء الى مئات السنين، فقد كانت قديما هي المادة الوحيدة المتوافرة وبكلفة بسيطة للاستخدام التجميلي، ومع ظهور احدث وسائل التزيين ومستحضرات التجميل العصرية ما زالت هذه المادة محافظة بقوة على موقعها الريادي والتراثي، حتى اصبحت طقسا وجزءا مهما من العادات والتقاليد، إذ يكثر اليوم اقبال النساء على النقش بالحناء لتميزها بتشكيلات رائعة مستمدة اساسا من رونق وبهاء الطبيعة والصحراء بسحرها وغموضها الشرقي البديع حيث تمثل الصحراء رمزا لروح الحضارة العربية الاصيلة.
ولم يوقف التفنن في التزيين بالحناء على استعمالها للشعر او تزيين الاطراف، اذ نرى في الكثير من المدن والبلدان خصوصا في الخليج العربي نساء يطلق عليهن اسم «الحنايات» يعملن في تزيين ونقش الايدي بهذه المادة السحرية المستخرجة من عشبة أصبحت اليوم مثار اهتمام المختبرات الطبية والعاملين في حقل المستحضرات والعلاج بالاعشاب.
ومن طقوس ليلة الحناء الخليجية، انها توضع في الليلة المخصصة على يدي العروس واقدامها، وهي تجلس في مكان مرتفع، تقوم «الحناية» وهي امرأة متخصصة بنقوش الحناء ولها دراية في تزيين العرائس، توضع المادة «الخلطة» بأشكال بسيطة ونقوش معروفة تعرف بت «مدغبش» وتسعد بها العروس دون ان تبدي اي اعتراض، فالعروس في إطار العادات يردها حياؤها عن رفض اي شيء يتعلق بليلة تجميلها او عرسها، فهي لا تشترط وتقبل بما تصنعه الحناية لها بعد وضع الحناء تلف اليدين في «دسمال اخضر» وهو نوع من القماش، اما وضع الحناء فتختار الحناية يوما تكون فيه الاجواء دافئة لسرعة جفاف مادة الحناء ويتم هذا الطقس ضمن مناخات من الفرح والغناء وترديد الصلاة على النبي، كما تنثر النساء النقود على الحاضرات لا سيما الفتيات الصغيرات، ومن بعد امسية مليئة بالفرح والابتهاج تذهب العروس لتنال قسطا من الراحة منتظرة على عجل ظهور شمس الصباح لكي تقوم بغسل يديها واقدامها لترى نقوش الحناء البديعة.
ما تحدثنا عنه من طقوس الحناء كان في الماضي، اما في الحاضر فقد اختلفت عملية الحناء قليلا فتبعا للتطور الحديث الذي دخل على المجتمع الخليجي وخصوصا دخول الفتاة مجال التعليم اصبحت ألام هي التي تعد «خلطة الحناء» وهي ايضا التي تحدد وتختار «الحناية»، وتتفق معها على نوعية الاشكال والنقوش المطلوب وضعها على يدي وقدمي ابنتها، واحيانا توزع الحناء في الاعراس مجانا لكي «تتحنى» النساء والفتيات الحاضرات، وتزف العروس وسط تردد الاغاني والاهازيج الشعبية وتسمى هذه الليلة بـ «الجلوة» وفيها يقومون بنثر الزعفران على العروس، وبعد الانتهاء من هذه الليلة تغادر العروس المكان استعدادا لليوم التالي الذي عادة ما يكون يوم الزواج او ليلة العرس كما يسمونها، وفي بعض الاحيان تزف العروس بمفردها وتقابلها احدى الفتيات بالمصحف الشريف والبخور، وذلك بقصد التحرز من العين والحسد، وتصل الى المكان المخصص لها، ثم تؤدي «الحناية» دورها، والعروس أثناء ذلك مغطاة الوجه لا يراها أحد، وبعد الانتهاء من الحناء تنتظر لكي تجف او توضع «المنقلة» او «مجمرة الفحم» لتجف الحناء بأسرع وقت وهناك اشكال اخرى بديعة من نقوش وزخارف والوان الحناء ومنها: الغمسة او الغمصة، وهي طلاء اليد كلها حتى الرسغ، وهناك القصعة وهي تخطيط الاصابع بالحناء حتى الكف، والروايد وهي طلاء مفصل واحد من كل اصبع ومد خط الكف الى المنتصف ومن ثم «بو البيطان» وهو عمل نقوش على شكل مثلثات صغيرة في اليد كلها ويسميها البعض هنا «بيارج».
وتتوافر في الحناء مادة «اللوز ون» التي تعد البديل الصحي للمواد الكيماوية الخطرة بالطبع على البشرة والجلد والمستخدمة حاليا في عملية «صباغة الشعر» اما الحناء الطبيعية الخالية من أية مواد صناعية، فتستخدم كعلاج في حالة اصابة الاصابع بالفطريات حيث ان وضع عجينتها المتخمرة بين الاصابع يقلل من افرازات العرق لاحتوائها على مواد قابضة مما يساعد على الشفاء دون اضرار جانبية، كما تؤدي عجينة الحناء دورا مهما في تقوية الاظافر وزيادة صلابتها وتساعد على سرعة التئام الجروح المتقرحة، كما أنها وفق الوصفات الشعبية المنتشرة عربيا تنفع في الشفاء من البثور العارضة في الساقين والقدمين وسائر البدن وتعالج العديد من الامراض الجلدية المزمنة.
وتؤكد دراسات حديثة لبعض الباحثين ان الحناء تشفي من أمراض المعدة وتقوي الطبقة العليا للجلد، وتحمي يدي المرأة من تأثيرات أشعة الشمس الجانبية او الاستعمالات المتكررة واليومية للماء، كما تتوافر الحناء على مواد مطهرة تهاجم الميكروبات والجراثيم ومن الملاحظ في اوساط الفلاحين والعاملين في بعض المهن اليدوية الشاقة مثل الحفر والبناء وطلاء الجدران، ان الحناء استخدمت بنجاح منذ عقود طويلة على الايدي المتقرحة او المتشققة ولا يتوانى اي عامل بعد عدة ايام من العمل المضني من تسليم يده الى زوجته او شقيقته او امه داخل المنزل لوضع خلطة الحناء عليها طلبا للعلاج من الآلام.
الحناء اليوم ليست مادة مجردة للزينة والعلاج فقط، فقد صارت ايضا وسيلة هامة للكسب، حيث يشهد تسويق هذه المادة رواجا ملحوظا خصوصا وانها باتت مرتبطة بمجالات صناعية اخرى كالدباغة والصباغة وغيرهما.