حسن ناجي - هذا الحوار هو مكالمات هاتفية متخيلة بين أنا وهي، كُتبت في العام 1982 أثناء الغارات الوحشية الصهيونية على بيروت، ومجازر صبرا وشتيلا..
أنا الذي أنتسب إلى أي مدينة عربية ما عدا بيروت، وهي التي تعيش في بيروت، ومن أجل بيروت، وتنتسب إلى كل المدن العربية..
لم أرغب يوماً في نشر مضمون هذه المكالمات، لكن ما جرى وما يجري في العواصم العربية ومدنها من مجازر أكثر وحشية، أعادني إلى تلك الأيام الجميلة.. أتذكرها بفخر لأنها كانت مقاومة شريفة.. كنا يومها نواجه عدواً شرساً، وقلت مخاطباً نفسي: «كيف ستتذكر الشعوب العربية بعد ثلاثين سنة مجازر عواصمها، ومدنها؟ ما الذي تغير بعد أكثر من ثلاثين سنة؟».. وأترك الإجابة للقارئ.
مكالمة (1)
أنا: وأخيراً قررت.
هي: عظيم، هل ستحضر إلى بيروت للمشاركة بالمقاومة؟
أنا: لا، بل قررت الاعتصام أمام سفارتكم هنا، من أجلكم.
هي: إذن ابحثْ عن ملهى للاختباء.
أنا: لماذا؟
هي: لقد بدأتْ غارة جديدة الآن.
مكالمة (2)
أنا: أحبك.. أحبك.
هي: ماذا ينفع الحب في هذا الزمن الغاضب؟
أنا: إن في الحب تضحية.
هي: وأي تضحية قدمت؟
أنا: لقد سهرت الليالي في سماع أخباركم.
هي: هل أزعجك سحق المخيمات؟
أنا: بل أفرحني صمودكم.
هي: آآآآآه هكذا أنتم؛ أبلغ منا كلاماً.
مكالمة (3)
أنا: ماذا تفعلين الآن؟
هي: أصنع الأخبار.. وأنتم؟
أنا: نستمع إلى الأخبار.
مكالمة (4)
أنا: لقد انتظرت خمس ساعات.
هي: لماذا؟
أنا: حتى أكلّمك.
هي: لقد انتظرنا نحن أكثر.
أنا: لماذا؟
هي: حتى تأتوا.
أنا: هناك حدود بيننا.
هي: وستبقى هذه الحدود..
مكالمة (5)
أنا: أسرعي.. أسرعي، أنقذيني، أرجوك.
هي: ماذا بك.
أنا: إنني في مشكلة.
هي: أنت المشكلة؟
أنا: إنني لا أمزح.
هي: وأنا جادة.
أنا: أرجوك، استمعي إلي.
هي: تكلم، فأنت لا تحْسن سوى الكلام.
أنا: بأمس طلبت من طفلي أن يرسم صورة رجل.
هي: وماذا بعد؟
أنا: لقد أخذ بالبكاء، ولم يكف حتى الآن.
هي: معه حق.
أنا: لماذا؟
هي: كيف تطلب منه أن يرسم شيئاً لم يره في بلاده؟
مكالمة (6)
أنا: لقد انقطعت مكالمتنا ليلة أمس.
هي: أشياء كثيرة انقطعت.
أنا: هل أنتم بخير.
هي: لك أن تحزن.. نعم نحن بخير.
مكالمة (7)
أنا: هل سقطت قلعة الشقيف؟
هي: نعم، ولكن واقفة.
أنا: والرجال!
هي: يتناسلون كما الشجر.
مكالمة (8)
أنا: هل سمعت الأخبار؟
هي: ليس لدي وقت.
أنا: تقول الأخبار إنكم تدافعون عن شرف الأمة العربية.
هي: وكيف حال الأمة العربية؟
أنا: بخير.
هي: وشرفها؟؟
أنا: .........
مكالمة (9)
أنا: هل تعلمين؟
هي: ماذا عندك؟
أنا: لقد شاهدت فيلماً تلفزيونياً عنكم.
هي: هل تخللته الدعايات؟
أنا: لا، إنه فيلم جاد كما قال المذيع.
هي: وأنتم، هل تحبون الأفلام الجادة؟
أنا: بعضنا.
هي: إذن سنحاول أن نرضي الجميع.
أنا: وكيف ذلك؟
هي: سنرسل لكم أفلاماً هزلية.
أنا: وهل لديكم أفلام هزلية؟
هي: نعم، إنها تحكي صمودكم الصحفي وانتصاراتكم الإذاعية.
مكالمة (10)
أنا: الحمد لله لقد وجدتك.
هي: إنني دائماً موجودة.
أنا: عندي ما أقوله لك.
هي: دائماً عندك ما تقوله.
أنا: إن أموراً كثيرة قد حدثت.
هي: وأمور أكثر لم تحدث.
أنا: إن الوضع خطير عندنا.
هي: ومريح عندي.
أنا: لقد تآمرت ألمانيا والنمسا في كأس العالم ضد الجزائر.
هي: ....................
أنا: وفازت إيطاليا على البرازيل.
هي: .....................
أنا: أنتِ غير رياضية.
هي: ....................
أنا: ألم تهزك هذه الأمور الخطيرة، التي هزت العالم العربي؟
هي: ....................
أنا: ماذا تعرفين عن كرة القدم؟
هي: أعرف أنني يجب أن أكون القدم، والآخرون الكرة.
مكالمة (11)
أنا: الحمد لله، استطعت أن أتكلم معك.
هي: ولماذا كل هذه اللهفة؟
أنا: حتى أخبرك بقدوم رمضان.
هي: ظننتك تقول: قدومكم.
أنا: لقد ظهر هلال رمضان.
هي: وغابت شمسكم.
أنا: اليوم سحور، يجب أن تصحي باكرة.
هي: أنا لا أنام.
أنا: لكننا ننام.
هي: ولا تصحون.
أنا: سوف نصحو للسحور.
هي: لا تصحون إلا لتأكلوا!
مكالمة (12)
أنا: يقولون إن أكل التمر سُنّة على الفطور.
هي: قد جف التمر.
أنا: تستطيعين أن تأكليه جافاً.
هي: لقد ذوت أشجار النخيل.
أنا: تستطيعين زراعتها ثانية.
هي: لم تنبت شجرة نخيل في أرضنا منذ زمن طويل.
أنا: حاولي.
هي: حاولت، ولكن هناك من يقطعها.
أنا: اقطعي يد قاطعها.
هي: لا داعي، فالشجر هو الفاعل.
مكالمة (13)
أنا: هل تسمعينني.
هي: أسمعك ولا أراك.
أنا: لقد جاءتني فكرة.
هي: ما دمت في مأمن، فالأفكار كثيرة.
أنا: قررت أن أتبنى طفلاً عربياً خرج من تحت الأنقاض
هي: لك ثواب لو لم تقتل أباه.
أنا: لكني لم أفعل شيئاً.
هي: ألم أقل لك إنك قد قتلت أباه!
مكالمة (14)
أنا: اليوم هو العيد، لقد اشتريت لك ثوب زفاف.
هي: وأنا اشتريت لك كفناً.
مكالمة (15)
أنا: لقد وقع الفاس بالراس.
هي: كنت أتمنى أن تكونَ الخوذةَ للراس.
أنا: لم أستطع.
هي: واستطعتَ أن تكون الفاس!