د. زياد الزعبي - قصة الحب بين نمر بن عدوان( ت. 1823) وزوجته وضحا قصة استثنائية تحولت بمرور الزمن إلى حكاية شعبية ذائعة الصيت يتمازج فيها الخيال بالواقع، قصة حفظتها أشعار نمر البدوية التي ظلت متداولة شفويا لفترة طويلة قبل أن تكتب وتنشر في صيغ وروايات متباينة تباينا شديدا كما القصة نفسها التي جاءت في روايات مختلفة وهذا أمر مألوف في قصص الحب والبطولة التي تتناقل شفويا وتتحول بمرور الزمن إلى حكايات شعبية لها أصولها وشخصياتها وأحداثها الواقعية لكن الخيال الشعبي المغرم بالغرابة والتشويق والإثارة أشبع القصة بكثير من الإضافات التي جعلت منها نموذجا لقصص الحب الشعبية التي تتداخل فيها العناصر الواقعية والخيالية ويعاد بناء عناصرها حين تنتقل من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى أخرى وهذا ما يجعل عملية توثيقها أو التحقق من صحة الرواية أو النصوص الشعرية أمرا عسيرا وهذا أصاب قصص العشاق وأشعارهم في التراث العربي .
دون قصائده بنفسه
قراءة النصوص والدراسات المتوافرة بين أيدينا عن قصة نمر بن عدوان وقصائده لا تشير إلى مصدر مكتوب بل إلى روايات شفوية كما هي الحال عند بولس سلمان الذي أورد في كتابه «خمسة أعوام في شرقي الأردن» الصادر في عشرينات القرن العشرين قصيدة في رثاء زوجته وضحا وكما هي الحال في كتاب روكس العزيزي « نمر العدوان شاعر الحب والوفاء» الصادر عام 1991 وكذلك في « معلمة للتراث الأردني» الصادر عام 1983 اذ لم يشر إلى أي نص مكتوب لقصة نمر وقصائده، بل اعتمد كما يبدو على روايات شفوية، وإن أشار إلى أن الشيخ خلف الفهد النمر العدوان قد عني بتدوين أخبار نمر وروى بعض أشعاره، وأشار كذلك إلى نصين طبعا في دمشق وبيروت في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي وصف ما جاء فيهما بالخلط والهذيان وأنهما لا علاقة لهما بنمر بن عدوان. وهذه النصوص وغيرها وضعت بعد زمن طويل من وفاة نمر. ومن الطريف أن لا يكون لنمر نص مخطوط على الرغم من كونه متعلما، وإشارته العديدة إلى رسائل شعرية مكتوبة (سار القلم ، والكاغذ أي الورق) .
وأشار العزيزي إلى اهتمام المستشرقين بنمر العدوان وذكر Wetzstein قنصل بروسيا في دمشق في الفترة من 1849 إلى 1861، والأميركي سبور ٍSpoer وفالن Wallin الفنلندي ( ذكر العزيزي أنه ألماني، ربما لأنه يكتب بالألمانية)، لكن الأمر المحير أنه لم يبين أين وكيف اطلع على أعمال هؤلاء المستشرقين، فهو يكتب دون توثيق، وواضح أنه لم ير أو يطلع على النصوص التي كتبها هؤلاء المستشرقون.
مادة توثيقية
لا أريد أن أقوم بدراسة توثيقية لقصة نمر أو أشعاره، ولكني أريد أن أضع المادة التي جمعها المستشرقون ونشروها في مجلات عالمية معروفة، وهي مادة وافرة لها قيمة وثائقية مهمة تتعلق بقصة نمر وأشعاره، وتضيف جديدا إلى الروايات المتداولة منها، بين أيدي الباحثين والمهتمين.
لقد وقفت عليها حين كنت أبحث عن الدراسات التي كتبت عن الأدب العربي في الأعداد الأولى من « مجلة الجمعية الشرقية الألمانية»( Zeitschrift der Deutschen Morgenlaendischen Geselschaft) التي صدر العدد الأول منها عام 1847 وما زالت تصدر حتى يومنا هذا ، فكان أن وجدت في العدد الخامس الصادر عام 1851 دراسة للمستشرق الفنلندي Georg August Wallin بعنوان «نماذج مختارة من القصائد العربية الحديثة جمعت من الصحراء «، استكملها في العدد السادس الصادر عام 1852 وفيه أورد قصيدة نمر في رثاء زوجته وضحا التي مطلعها :
يا خالقي بجاه تسع وعشرين حرف وما بهن نطق من لغاتي
وقد أوردها بنصها العربي، وأتبعها بكتابتها بالحرف اللاتيني( كتابة صوتية) على نحو يجعل قراءتها ممكنة ، ثم قدم ترجمة لها إلى اللغة الألمانية. ثم أتبع هذا كله بملاحظات تتعلق بالشاعر والشعر واللغة البدوية. يقول إنه حصل على هذه النصوص من أحد سكان الجوف واسمه سليمان الذي كان تلميذ ابن عدوان في الشعر، وقد قرأ له القصائد وقام خطيب وهابي وهو ( المستشرق) بتدوينها.
قيم أخلاقية
ينقل فالن عن سليمان أن الشيخ ( نمر) كان يتقن القراءة والكتابة اتقانا تاما، وأنه كان الشاعر البدوي الأكبر في عصره، و كان نشيطا جدا يستعمل القاموس ليستخرج منه الكلمات الجميلة التي يزين بها قصائده... ووضحا هو اسم حبيبته التي تغنى بها كثيرا في شعره وقد كانت مثالا للمرأة الممدوحة ومن فضائلها انها ما أدرات ظهرها لزوجها ... وهذه علامة في الشرق على القيم الأخلاقية، وعلى التقاليد التي تنظر لهذا السلوك بوصفه فضيلة أخلاقية في تعامل المرأة مع زوجها. وبعد هذا يمضي المستشرق فالن إلى قراءة لغوية للنص يتوقف فيها عند المفردات وطريقة نطقها عند البدو ودلالاتها، ويقارنها باللغة الفصحى، ويربطها بما يتعلق بها من القضايا الاجتماعية والثقافية مقارنا بينها وبين ما يشابهها في اللغة الفصحى وفي لغة الفلاحين. ويورد بعد هذا مقطوعة أخرى، وهي رسالة إلى زوجته مطلعها»
يا حمود اركب يم هاك القبيلة وقل لها ربيع بلادنا مثل ما كان
هذا النص من أقدم النصوص المكتوبة والمنشورة عن نمر العدوان، ، فقد قال فالن إنه التقى الراوي في رحلته إلى الجوف عام 1845 مشيرا إلى أن نمر كان قد توفي قبل وصوله ببضع سنوات. وهو ما يمنح النص أهمية وثائقية. ويعد فالن بعمله هذا أول المستشرقين الذين جمعوا الشعر لغايات فهم اللغة العربية في ذلك العصر.
أكثر من مئة قصيدة
لكن النص الأول الذي يتحدث عن نمر بن عدوان يعود إلى المستشرق Ulrich Jasper Seetzen الذي زار مضارب نمر العدوان يومي 15 و 16 كانون الثاني عام 1807 والتقى بعض أفراد عائلته، لأن نمر كان غائبا عن الديار ، وهو ما جعل زيتسن يعبر عن عظيم الأسف لعدم تمكنه من لقاء نمر وضياع متعة لقاء هذه الشخصية الذائعة الصيت لكونه شاعرا كبيرا .
يضيف زيتسن قائلا: اسم والد نمر قبلان، واسم ابنه فارس ولذلك يدعى نمر بن قبلان أبو فارس ، وأن عمره كان بين الأربعين والخمسين (هذا ما يتناقض مع المعلومات التي أوردها العزيزي). ويذكر انه أكد له أن نمر قال أكثر من مئة قصيدة قام الشاعر نفسه بتدوينها ، إذ كان يعرف القراءة والكتابة.
قصائد الحب والحرب
موضوعات قصائده فكانت الحب والحرب. ويمضي المتشرق زيتسن قائلا: بناء على طلبي كتب لي ابن عمه قصيدتين كنموذجين من شعره واحدة منهما يتحدث عن حملة ضد عرب السرحان، وفي الثانية يتغزل بفتاة جميلة.
ويعرب زيتسن عن أمنيته أن يحصل الرحالة اللاحقون على نسخة من قصائده ليستطيع المرء من خلالها تكوين فكرة صحيحة عن الروح الشعرية الجديدة عند البدو .
يذكر زيتسن غير مرة شخصا اسمه أحمد من أقارب نمر كان مضيفه ومحدثه عن نمر، وقد قال له: إن نمر لم يحتكر فن القول(الشعر) بل هناك قريب له وهو شاعر معروف اسمه عباس.
ومن الطريف أن زيتسن لم يشر إلى قصة نمر مع وضحا، ولم يذكرها، بل ذكر أن لنمر خمس زوجات، وأنه أنجب ثمانية أولاد وتسع بنات ، لكن لم يبق منهم على قيد الحياة سوى نصفهم. وأن إحدى بناته تزوجت أحد كبار الشيوخ وهو أبو غوش الذي يقيم في korrieh el onnip (قرية العنب أبو غوش) غرب مدينة القدس .
رأيت أشعار بن عدوان في حوران
اكتفى زيتسن بنقل الرواية التي تقول: إن نمر قد دون قصائده ، لكن المفاجأة تقع حين نقرأ في كتاب المستشرق والرحالة السويسري ألبرت سوسين Albert Socin (زار المنطقة العربية ما بين 1868- 1871) الذي عنونه:» ديوان من وسط الجزيرة العربية» Diwan aus centralarabien) ) قوله في سياق حديثه عن المخطوات الشعرية التي اعتمد عليها في جمع الشعر ج3 / ص 9 : « لقد رأيت في حوران مجموع قصائد نمر بن عدوان» ، لكنه للاسف لم يقدم وصفا له أو للمادة التي يضمها ، وإن كان قد أورد في كتابه عددا من قصائد نمر وأشار إلى بعض منها وردت في مصادر أخرى، وهو حين يورد قصائد نمر يقوم بمقابلة نصوصها على غير مصدر مخطوط، ويشير إلى الاختلافات في الروايات، وهذا عمل توثيقي تحقيقي . ولعل هذا ما يثير لدينا تساؤلات أين ديوان نمر المخطوط، ولماذا اكتفي بالحديث عن الروايات الشفوية؟ ولَم لا نجد دراسة علمية واحدة بالعربية عن نمر وشعره وعن تاريخ الشعر الشعبي في الأردن، أو في منطقة بلاد الشام ؟ ولِم لًم نقف على جهود المستشرقين والرحالة الغربيين في توثيق هذا الشعر ودراسته التي تمثل وثائق خاصة به ؟
ازدهار الشعر
أسئلة تنتظر أجوبة من المختصين والمهتمي بهذا الحقل. والأمر الذي يحتاج بالضرورة إلى دراسة أولا هو هذه النصوص الاستشراقية بكل ما تقدمه من مادة و تثيره من أسئلة وتساؤلات.
ويستمر اهتمام المستشرقين بنمر وشعره فقد تحدث فتسشتاين Wetzstein قنصل بروسيا في دمشق من عام 1849 غالى 1861 عن نمر ابن عدوان وشعره وأشار إلى أعمال المستشرقين الذين سبقوه المذكورين أعلاه، وقد قال: إن فالن لم يكن أول من جمع الشعر فقد أعلمني أمين مكتبة غوتا أن هناك مجموع قصائد عربية جديدة جمعها زيتسن، وقد وضعت كما لا أشك في شرق الأردن، ويؤكد ذلك اهتمام زيتسن الشديد بالشعر هناك الملاحظات التي ترد في ثنايا رحلته إضافة إلى رحلته إلى البلقاء، إلى السلط ... حيث ازدهار الشعر، وحيث دونت تلك الأشعار في .(انظر دراسته ملامح لغوية من مضارب الصحراء السورية).
قصائد بالحروف اللاتينية
استنادا إلى كل ما سبق من نصوص ودراسات عن نمر بن عدوان وشعره يقدم المستشرق Hans H. Spoer أربع دراسات متخصصة بقصة نمر وشعره ينشر أولها عام 1912 وهي بعنوان «أربع قصائد لنمر بن عدوان كما غناها عودة أبو سليمان، حققها مانس سبور» ، وهو يورد نصوص هذه القصائد مكتوبة بالحروف اللاتينية، ثم يردفها بالنص العربي، ويتبعها بترجمتها إلى اللغة الإنجليزية. ويلحق بها ملاحظات شارحة للقصائد ولغتها.
نشر سبور عام 1923 مقالاً بعنوان خمس قصائد لنمر بن عدوان بالاشتراك مع زميله نصر الله الحداد في مجلة: «Journal of the American Oriental Society» . وأتبع هذا بنشر النص العربي لقصة نمر مع محبوبته وضحا ومجموعة القصائد المتعلقة بها مع تذييلها بملاحظات لغوية شارحة، وذلك عام 1929 تحت عنوان: «قصائد نمر بن عدوان ، جمعها هانس سبور والياس نصر الله الحداد» .
واستكمل سبور عام 1932 هذا النص بترجمته إلى اللغة الإنجليزية بالتعاون مع نصر الله الحداد مشفوعاً بملاحظات تاريخية ولغوية شارحة.
وبمجموع هذة الأعمال يغدو سبور أكثر المستشرقين معرفة بقصة نمر وشعره، فقد كتب ما نحو مئة وخمسين صفحة عن نمر وشعره، جمع مادتها كما يقول في مقدمة مقالته التي نشره في 1912 أثناء زياراته البدو في فلسطين والأردن، وأن الفرصة الطيبة قد أتيحت له لجمع ستين قصيدة لشاعرهم المفضل نمر بن عدوان “about sixty 0f songs of their favourite poet Nimr Ibn Adwan“
ويضيف سبور: في حدود علمي فقد جمع فالن وسوسين ست قصائد فقط ونشراها. والقصائد الأربع الأولى التي نشرها عام 1912 كما يقول: اختارها من القصائد التي جمعها هو. ( وكلامه هنا غير دقيق فالقصيدة الثانية التي تبدأ بـ «يا يا خال بجاه تسعة وعشرين ...» نشرها في رواية أوفى وربما أدق.
جمع شعر نمر وأخباره
عاد سبور للحديث عن رحلته إلى شرق الأردن وجمعه شعر نمر وأخباره في مقالته التي نشرها في مجلة الجمعية الشرقية الأمريكية عام 1923 حيث يقول: في عام 1904 كنت محظوظا بزيارة شرق الأردن بصحبة اويتنق وفي هذه الرحلة كانت المرة الأولى التي أطلع فيها على قصائد نمر ... وقد قمت برحلات عديدة في بلاد العدوان وقد نجحت في جمع عدد كبير من قصائد نمر والتراث الشفوي. وفي رحلات أخرى للمنطقة نفسها وما يتاخمها بصحبة صديقي نصر الله الحداد حيث تم جمع ضعف عدد القصائد السابقة . وفي هذه المقالة يتحدث عن عائلة نمر وبعض أطراف من قصته مع وضحا .
مدونات تاريخية وعلمية
إن مجموع النصوص التي جمعها المستشرقون والرحالة عن نمر بن عدوان وشعره لتمثل مدونات ذات قيمة تاريخية وعلمية مهمة تستحق أن ينظر إليها بكثير من الاهتمام فهي تضع بين أيدي الباحثين مادة وافرة تستدعي القراءة والتحليل والنقد فهي تشكل نماذج أولية للحياة الأدبية في البادية الأردنية منذ بدايات القرن التاسع عشر. ولذا فإني سأعمل على تقديمها للباحثين والمهتمين في صورة وثائق تنشر كما هي بنصوصها العربية والألمانية والإنجليزية، مع تقديم تفصيلي يعرف بها ويحدد مصادرها والقضايا التي تعالجها.
*أستاذ الأدب العربي/ جامعة اليرموك