نزيه أبو نضال - في إطار سياسة التلفزيون الأردني إعادة بث الدراما الأردنية القديمة.. فإن بعض هذه الأعمال فقط يستحق إعادة المشاهدة، ومنها بالطبع مسلسل «الكف والمخرز»، .
منذ حلقاته الأولى تجلت القدرة الفنية على تحويل النص الورقي المتميز الذي وقعه الفنان جميل عواد إلى بنية درامية نابضة بالحياة، علي يد المخرج نجدت أنزور. هذا الثنائي لم يلبث أن التقى من جديد عام 2005 في مسلسل «الحور العين» الذي سجل واقعة التفجيرات التي شهدتها بناية المحيا في الرياض بالسعودية في تشرين أول 2003، وما ألحقته من قتل وأذى بمواطنين أبرياء.. حيث أودى هذا الاعتداء التفجيري البشع، بحياة 17 وإصابة 122 آخرين غالبيتهم من العرب، وبينهم العديد من الأطفال والنساء.
يقدم مسلسل «الكف والمخرز» متواليات مشهدية عن الحياة الريفية في الأردن، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وقد صيغت بلغة سينمائية متقدمة لم تكن متوفرة آنذاك وعلى هذا النحو حتى في الدراما المصرية، فهذا العمل لعله كان من بواكير المسلسلات التلفزيونية العربية التي قدمت نموذجا فنيا ناضجا، في الانتقال من لغة الحوار الإذاعي إلى لغة الصورة التلفزيونية، وهو الذي ما لبث أن قدمه نجدت أنزور لاحقا، ووفق إمكانات إنتاجية كبيرة في مسلسل «نهاية رجل شجاع» عام .1993
«الكف والمخرز» يحكي وقائع الحياة في قرية أردنية تكاد تكون معزولة عن العالم، وحيث الفلاحين الكادحين لا يعرفون شيئا مما يدور حولهم، لولا ما يلتقطونه من فتات أخبار غامضة عن حرب تدور بين الألمان والانجليز، من خلال زيارات نادرة يقوم بها ضابط الدرك ومعه بعض عسكر الدولة، ثم من خلال «نواف» ابن خطيب القرية ومعلمها(ماهر الخماش)، وهو الطالب الوحيد الذي أتيح له الانتقال إلى المدينة، والتعلم في مدارسها، ومعرفة ما يدور في عالمنا من تطورات، ونقلها إلى سكان قريته، لعل أخطرها ضرورة الثورة على القمع والاستبداد الذي يمارسه سيد القرية الأوحد ومالكها غزوان أبو صفوح (جميل عواد)، وضرورة الانتقال من زمن السخرة (الطعام واللباس مقابل العمل) الذي كان سائدا في القرية إلى نظام العمل المأجور (المال مقابل العمل).. فقد انتهى، في البلاد زمن السخرة وبدأت تخضع لقوانين السوق المعاصر.
غير أن عناصر هذا التغيير الثوري الذي حمله معه وعي الطالب المديني نواف كان كامنا بصورته الجنينية العفوية في أحشاء القرية وتطلعها غير الواعي للثورة والتغيير، وذلك عبر نموذجين:
الأول: من خلال تمرد شلاش (هشام حمادة) على تحكم أبو صفوح بمقدرات الناس.. حيث راح يسطو على حظيرة أغنام سيد القرية.. ليوزعها على الفقراء، وكلهم فقراء لا يعرفون طعم اللحم إلا في الأعياد والمناسبات.. مكررا بذلك صورة صعاليك الصحراء في التراث العربي القديم أو صورة روبن هود المعاصر.. شلاش كان يرفض أن تلد زوجته عزه (شفيقة الطل) ابنا يعيد انتاج شقاء أبيه رق الأرض أو بنتا تكرر صورة أمها العاملة في بيت غزوان.
الثاني: بالوعي الغريزي الذي تمثله الزوجة عزه حين أدركت بفطرتها القوية أن خلاص القرية لا يكون إلا حين يتلقى كل من يعمل عند أبو صفوح أجرا نقديا عما يستحقه، وعزة هذه سبق لها وتمردت على إرادة أبو صفوح حين رغب بها زوجة ثانية له، فزوجته ميثا (نجاح العبد الله) لم تنجب له ابنا، فأعلنت عزه رفضها لسيد القرية ومالكها واختارت حبيبها شلاش، الفلاح الفقير زوجا لها. وهذه المرأة الجسورة هي التي انقضت بعد ذلك على أبو صفوح بعمود خشبي مهددة إياه بالقتل، إن لم يفرج عن زوجها المعتقل.. فخضع.
هذا الثنائي المتمرد على واقع القرية كان مجرد الشرارة فالسهل قد بدأ يتخمر بعوامل الحريق والثورة: باجس (بسام كوسا) وجد بصديقه شلاش المثل الأعلى.. فراح ينحو حذوه، بل قام بسرقة بعض الأغنام خلال اعتقال صفوان لشلاش.. مما نفى عن صديقه تهمة السطو على أغنام صفوان.
ثم أحد حراس صفوان وأعوانه، أبو عوف (عبد الرحمن القاسم) الذي بات سندا لشلاش رغم موقعه الحساس.. هكذا أصبح الواحد المتمرد ثلاثة.. باتوا خلية ثورة.. ومع هذا وذاك بذرة الثورة القادمة وقد تمثلت بالصبي وضاح (الان المخرج زيد خليل) ومع هؤلاء نواف المتعلم القادم من المدينة... هكذا تمضي الحياة هكذا تتغير وتتطور.
غير أن القرية هم عدا هؤلاء تلك الأكثرية الصامتة التي تمشي الحيط الحيط وتقول يا رب الستيرة، ولا تريد من دنياها سوى السلامة ورزق يومها، وهؤلاء جميعا يتمحورون كعمال سخرة في قرية غزوان أبو صفوح والتي ورثها كما تقول زوجته ميثا عن أبيه الذي تعب كثيرا واشتغل عند العثمانلي حتى حصل عليها. من هنا ربما لا نلحظ وجود عزوة عشائرية من ذوي القربى تسند سطوة غزوان سوى تملكه للأرض وما عليها.. بل إنه يفتقد حتى للأبناء ولذلك سعت زوجته ميثا لتزويجه من زهور (جولييت عواد) الملقبة بابنة أبو التبن، نسبة لعمل والدها.. فليس هناك نساء من نوع بنات الشيوخ مثلا يتزوج منهن، وحتى حين يرغب بالزواج من ثالثة فلا يجد سوى نورا (سمر سامي) التي تعمل خادمة في بيته وهي كذلك ابنة حارس حظيرته أبو وضاح (زهير حسن).
هكذا نجد خيوط العمل الدرامي تتقاطع جميعها عند شخصية غزوان سيد القرية.. فالرجال يعملون بالسخرة في زراعة الأرض وبناء السناسل والرعي والحراسة،أما النساء فيعملن كخادمات في بيوته أو ينسجن له البسط والسجاجيد.
هذه الشبكة من التقاطعات الدرامية في مركز أساسي ثابت (غزوان) حقق وحدة فنية متماسكة، تسهل على المتلقي متابعة خطوطها السردية الداخلية، وقد أسهم في تحقيق ذلك قدرة النص الكتابي المخرج على بناء شخصيات العمل وفق خصوصياتها وتمايزاتها شديدة التباين، وقد أنجز كل منهم دورة بكفاءة استثنائية عالية تتجلى فيها قدرات أنزور المدهشة وبصماته الواضحة في صياغة وتصميم العمل.
وقد حقق أبطال المسلسل أدوارهم بإعجاز لافت سواء بالنسبة للصف الأول: جميل وجولييت عواد وشفيقة الطل وهشام حمادة وسمر سامي وبسام كوسا وعبد الرحمن القاسم أو ضيوف الشرف: داود جلاجل (المحامي)، علي عبد العزيز (المدعي العام)، أو بقية الفنانين:
أنور خليل، ماهر الخماش، زهير حسن، رشيدة الدجاني، نجاح العبد الله، حابس حسين، سهيل الجباعي، نجوى صدقي، عبد الكامل الخلايله، عايد علقم، تحسين الخوالده، محمد عبود. وحقق الموسيقى التصويرية للعمل نصير (شما).
بعد سنوات من انتاج هذا العمل قال نجدت انزور بأن الكف والمخرز «لا زال يعيش بين الناس، لأنه نفد (بحب)، وكان الانسجام كبيرا بيني وبين المؤلف والشركة المنتجة، فالغاية كانت إنتاج «مسلسل مهم»، وليس مسلسل «يباع في المحطات»، فنجح العمل» ..وأضاف أنزور: «أعتقد أنه لو يعرض اليوم سيتفوق على الكثير مما تعرضه الفضائيات، رغم أنه انتج قبل 15 عاما».
ولعلي أضيف، لماذا تتقدم كل الدراميات التلفزيونية العربية إلا نحن لا زلنا منذ سنوات نسير على الوراء، ورغم امتلاكنا الشروط الفنية لانجاز دراما أردنية متقدمة.. فقط نحن بحاجة إلى صاحب قرار وإلى القليل من المال! والدليل «الكف والمخرز»! فتابعوه هذه الأيام على الشاشة الصغيرة الاردنية.. تجدون الجواب.