عمان - وليد سليمان - حنين عظيم وألم شفيف لفردوس ارضي هو الوطن وذكريات حارة اللوعة لايام الصبا والرفاق والاماكن ومواسم الاخراج: كان هو الجوهر المحرك لحكايات واسفار ومقالات الصحفي المخضرم فوز الدين البسومي التي سردها علينا في اجواء جعلتنا نتفاعل بها عبر المفارقة واللهفة والاسى والدموع المكبوتة!!! «وراح يضع رأسه بين راحتيه ويبكي» عبارة تكررت في نهاية الكثير من حكايات كتابه الجديد (النحت في الذاكرة) الذي صدر في عمان مؤخرا بعد ان نشر للمؤلف كتابان من قبل، حيث ينهج فيهما نفس هذا النوع من التأليف الادبي والصحفي، حتى ان البسومي اصبح متميزا بهذا النوع من الابداع وفريدا في ساحة الثقافة الاردنية.
وتنطلق احداث ومواقف فوز الدين عبر كتابه هذا من صور بسيطة او من ومضات عابرة او من مشهد سريع أو من لقاء حميم خلال اسفاره الصحفية المتعددة وحراكه الدؤوب في اكثر المساحات التي وطأتها قدماه في الدول العربية والاجنبية حتي شوارع عمان الشعبية.. والتي من مشهد يلاحظه او لقاء او صدفة يحدث فيها ما يجعله يتذكر مواقف اثيرة الى روحه في (اللد) وما حولها من مدن وافراح.. فهذا الصبي الصغير الذي يعرض على المؤلف شراء قرقوشة بالسمسم في شارع فيصل في عمان يجعله يعود بلوعة ولهفة الى ماض رائع عاشه قبل عقود قديمة حيث مواسم البهجة في منطقة اللد... اذ كان يقعد موسم النبي صالح وموسم النبي روبين سنويا في مهرجان عز نظيره فيأخذنا المؤلف لتلك الفترة بشغف ملح وذلك انه اثناء محاضرة له في احدى مدارس البنات في الزرقاء تسأله طالبة عن معنى (المواسم)! ولسبب آخر ان سيارة صاحبنا تعطلت فجأة في شارع المدينة الرياضية فجاءه شخص عابر يساعده وينظر كل منهما للآخر بشيء من التساؤل ليتعارفا بدهشة ان هذا الرجل هو ابن الرجل الذي كان يقدم العابا بهلوانية مفرحة في موسم النبي صالح قديما في الرملة!!! لذلك يسرد علينا الكاتب حول هذا المهرجان العظيم فيتحدث قائلا «ها هي الدنيا تخرج من شتاء ماطر الى صيف خفيف رطب حيث تبدأ الرحلة بالتحضير لاستقبال هذا الموسم اذ انه وقع فيه مقام النبي صالح عليه السلام محاطا بمسجد كبير يعرف باسم المسجد الابيض وبناؤه يشبه بناء الابراج العالية، وحول المسجد والمقام مقبرة الشهداء وبجانب هذا ساحة كانت تتحول خلال ايام الموسم الى مهرجان سياسي ووطني وديني واجتماعي وفلكلوري وتجاري حيث يشهد المقام الاحتفال بادخال البيرق وسط حفل حاشد بدءا من الرملة واللد وانتهاء بحيفا ويافا ثم يقام سوق كبير تباع فيه مختلف المنتوجات التي تصدرها المدن والقرى الفلسطينية اضافة الى حلويات الموسم الشهيرة وملابسه الشعبية البهية.
وفي موسم النبي روبين هذه المرة في يافا فان كبار الممثلين المصريين كانوا يأتون خصيصا من القاهرة الى يافا لحضور هذا الموسم المفرح وايامه الحلوة وايضا لاحياء الحفلات واقامة المسرحيات .. فقد كان يرى مثلا كل من يوسف وهبي ونجيب الريحاني وامينة رزق واسماعيل ياسين عاملين في تلك المسرحيات .. وايضا مصطفى باشا النحاس رئيس وزراء مصر آنذاك متفرجا ويستقر به المقام على رمال مقهى البلور في الرحلة التي كان يحبها ويعشق المجيء اليها، كذلك محمود عزمي باشا مندوب مصر في الامم المتحدة، وشخصيات اخرى كلها تأتي لتحضر هذه المواسم الاثيرة والمهرجانات العامة التي تضم كل شيء ممتع وساحر.
وتتقاطع الاحداث عبر محتويات كتاب (النحت في الذاكرة) الواقعية لنستمتع بتلك الصدف المدهشة التي تستفز الشجى والذكرى ودفء الروح لما كان قديما من افراح وهناء على تلك الارض والوطن الأليف بناسه وبيئته الطيبة.. ففي الأماكن التي سافر اليها صاحبنا كانت تجري بعض المواقف والصور الانسانية مرتبطة بعلاقة عفوية وبدون قصد بجذور الوطن وطفولة المؤلف في اللد وما جاورها من المدن والقرى والأماكن والمحلات التي يذكرها الكاتب بكثرة ملفتة.
ومن البلدان التي سافر اليها المؤلف الصحفي نذكر: بلغاريا وألمانيا وطشقند والصومال وسوريا ولبنان والمغرب ودول اخرى.. اما الأماكن الاردنية التي استدعته لسرد بعض قصصه الواقعية وربطها بالأماكن القديمة فهي مثلا: السلط والازرق وناعور والحمة الاردنية ووادي شعيب والشميساني وشارع المهاجرين وحي المحطة وجبل النظيف وجبل الجوفة وابو نصير والساحة الهاشمية ومجمع العبدلي ومجمع رغدان وسوق السكر ومقهى الجامعة العربية ومقهى البرازيل (أزيل) ومحلات الفيومي للقهوة وجريدة الدستور وغير ذلك.
وكثيرا ما كانت تستهوي مؤلفنا الكاتب مشاهدات ذاهبة من خلال برنامج تلفزيوني او كتاب يقرأه في منتصف الليل او ندوة او زيارة او حفل او تجوال في الاماكن.. واخرى ثابتة في الذات والعقل الذي تحول الى عاصفة من الاحاسيس والهيام الشديد الى بيئة الصبا ما قبل نكبة التشريد عام 1948 ومن تلك الاشياء ذات الاهمية البالغة والتي كل مفردة منها يسرد عنها المؤلف حكاية انسانية مليئة بالادهاش واللوعة والامل نذكر مفردات منها هي: وردة الليلك، رائحة المطر، طيور الفري، الحلوى اللذيذة، المشمش المستكاوي، طائر الزرزو، شجر الجميز، ظلال الزيزفون، حبات البرتقال، ثمر العناب، يوم الجمع، ابريق الفخار، مفتاح البيت، صورة فوتوغرافية قديمة، شهر رمضان، غياب الشمس، الاطفال. اما عن الاشخاص الذين وردت اسماؤهم ضمن حكايات وقصص البسومي فهي كثيرة جدا ولا يعرفها القارئ العادي... لكن الشخصيات العامة الشهيرة والتي ورد التعامل معها وعنها ضمن سرد حكاياته فنذكر منها مثلا: الصوفي ابو يزيد البسطامي، عزالدين القسام، اكرم زعيتر، ارسلان رمضان، سميرة عزام، لانا مامكغ، فدوى طوقان، خليل السكاكيني، حنا مينا، جبرا ابراهيم جبرا، الفلكي عماد مجاهد، كامل الكيلاني، اميلي نصرالله، زكي مبارك، ديانا الافرنجي، واسماء اخرى كثيرة.