قبل العـنـوان وبعـده
يقف العنوان عادة، في أعلى النص، وحيداً أو في صحبة مؤنسة. قد يأتي كلمة مفردة أو ضمن تركيب لغوي حاضن. وهو في كل ذلك، لا يقف معزولاً عما يحتدم في النص من تفاصيل، وتحولات، أو كتل وتشظّيات. وفي عنوان هذه القصيدة: «سيدة الأهـوار» تركيب خصب وذو إيحاءات جمة. إن هذه السيدة تنحدر من بيئة مائية موغلة في القدم. لذلك فهي رمز نموذجي في دلالته على العراقة، إضافة إلى تعدد أشكاله داخل القصيدة وتكاثر دلالاته. فيأخذ صيغة سيدة النهرين تارة، وواسعة العينين تارة أخرى، باعتبار أن العينين الواسعتين صفة في المرأة السومرية كما تظهر في التماثيل والرسوم القديمة.
ويكون لسيدة الأهوار اسم آخر في القصيدة يرسّخ من دلالات هذه الشخصية وعلو شأنها فهي تدعى: «تسواهـن». وهو اسم شعبي يشيع كثيراً بين نساء القرى العراقية، ويقصد به تلك المرأة التي تفوق النساء جميعاً، في جمال الجسد وحسن الخلق. وبذلك، يكون اسم سيدة الأهوار، أو تسـواهـن، أو سيدة النهرين، ملتقى لمجموعة مما تتحلى به المرأة النموذج من خصال في الجمال والتمنع وعمق الانتماء للأرض. وقد تتسع إيحاءات الاسم فتفيض عن دلالته الحالية. لنتأمل البيتين التاليين من القصيدة:
«صفّقْ يا سعفَ النخلِ،
أتتك بناتُ الهورْ».
إن في عبارة: «بنات الهور»، مقارنة بعبارة: «سـيدة الأهـوار»، ما يلفت الانتباه الى حالة الجمع أو الإفراد في المضاف والمضاف إليه في كل منهما. إذ جاء المضاف جمعاً والمضاف إليه مفرداً في الحالة الأولى، بينما أخذا صيغة مخالفة في المثال الثاني. وسيكون، في هذه المخالفة، ما يساعد على التأويل ربما. ففي الوقت الذي تجيء بنات الهور عديدات، من مكان مائي واحد، تأتي سيدة الأهوار من أكثر من مكان: الأهـوار. وبذلك تصبح المعادلة: متعددات يمثلن مفرداً، إزاء مفرد يجسد متعدداً. وهكذا فإن هذا المتعدد ينقل دلالة الأهوار من إيحائها البيئي القديم إلى دلالة عصرية، حيث تعدد المكان هو تنوع في الهوية، وهو تعدد في الخيارات أيضاً.
الحدث الدراميّ والحدث الشعريّ
لا يتوقف الحدث الدرامي، في قصائد يوسف الصائغ عامة، عند حدود التضاد أو الصراع بين الشخصيات، أو الأفعال المادية التي تؤدي الى تفجر المضمر من دوافع الفعل أو النوايا، وانبثاقها من الكمون الداخلي الى العلن. بل يتجاوز ذلك كله إلى انتقالات ثرية في أساليب القول وتشابك في الأوزان والإيقاعات. وقد يذهب أبعد من ذلك، حيث يكون غنى النص أحيانا في ما تحتشد به الحالة الوجدانية، التي تعبر عنها القصيدة من تحولات ونقلات مرهفة وهذا ما ينطبق إلى حدود بعيدة على قصيدة «سيـدة الأهـوار».
لا يكون اتصاف هذه القصيدة بالتموج الدرامي، ناجزاً ونهائياً كما سيتضح لاحقاً، بل يظل ذلك مشوباً إلى حد كبير، بما للشاعر من قدرة لغوية هائلة على الوصف والتأجيج والإثارة، وما ينتج عن ذلك من صعود وجداني يبلغ ذرى شديدة العلوّ. بعبارة أخرى، ومع أن الحركة الدرامية والهيجان اللغوي، كليهما، يسيران في قصيدة «سـيدة الأهـوار» بتوازنٍ محسوبٍ أحياناً، تظل هيمنة الحدث الشعري على مجريات القصيدة ومناخاتها بالغة الوضوح.
والشاعر يثري هذه الحالة دائماً بأشكال من الاستعارات والإيماءات الى أعمال أخرى، بنوع من التّعالق النصّي، أو ارتباط النصوص ببعضها بعضاً، كما يتجلى في الكثير من إشارات الشاعر وإحالاته الى الأغاني، الموروث الديني، والشعر القديم، والتراث الشعبي.
لا شك أن للشاعر مقدرة كبيرة على تجسيد أفكاره وهواجسه ومنحها أشكالا حسية مؤثرة. فالحوار، والمناجاة، والحوار الداخلي، والحلم، والذكرى، والمشهد السينمائي، واللوحة. إن كل ذلك كان يمثل وسائل عميقة الأثر في التعبير عن تجربة القصيدة الطويلة بطريقة درامية كما يتجسد في قصيدته التي نحن بصددها الآن، أعني قصيدة «سيدة الأهوار» التي تبدأ بهذا المشهد الشعائريّ الداميّ:
«بدم امـرأةٍ،
من أهـل الهـورِ،
غمستُ يـدي».
عناصر الحـدث الشعريّ
تتأسس بنية النص، في هذه القصيدة، على مقتل سـيدة الأهـوار، ومع أنه حدث محدد ومحدود، لا يتمدد كثيراً في مدياته المكانية أو الزمانية، إلا أن الشاعر ظل يناوره ويحاوره، ويضيف الى وقدته الوجدانية، وتفاصيله الواقعية ما يخرجه من إطار الممكن الواقعي الى الممكن التخيلي. أعني يحوله من كونه حدثاً ذا جذر واقعي الى حدث ذي هالة شعرية: ينزاح من دائرة التاريخ الى فضاء الأسطورة، فلا يذهب الى الحدث الواقعي مباشرة، حتى لا يكون حدثاً محكوماً بلحظة ظرفية مغلقة، وهكذا كان انتماؤه الى فضاء اللغة واحتمالية التخيل.
هناك سيدة واحدة وطفلان، عنصران من عناصر الحدث الشعري أو الدرامي في هذه القصيدة. وهناك شخصية السارد التي تمثل نقطة ارتكاز مهمة في هذا النص، تؤدي دوراً حاسماً في تصور الحدث، والربط بين انتقالات حركته ونمو سياقاته. وإذا أضفنا إلى ذلك عناصر أخرى لا تقل عنهما قوة، سنتحدث عنها لاحقاً، نكون إزاء مجموعة من الركائز الدرامية التي تستند من خلال صلتهما بركائز أخرى تتكاتف جميعاً، للوصول بالحدث الى ذروته الدرامية والشعرية الأخيرة.
ومن الطبيعي أن هذه الشخصيات والعناصر هي وسائل درامية اختارها الشاعر لتقوم بهذا الدور المركب. فشخصية الراوي هنا تتسع لتعني، ضمناً، قوة التاريخ أو ضميره وهو يشهد على بطولة امرأة خارقة. لا يقتصر دورها على الربط بين الأحداث أو التعليق عليها، ولا يقتصر أيضاً على كونها فضاء مفتوحاً تندلع من خلاله الأحداث والتفاصيل على أهمية هذا الدور وحيويته. بل يبلغ تأثيرها مدى أبعد من ذلك كما سنرى. أستثمر الشاعر هذه الشخصيات والعناصر الأخرى، على أروع وجه، لدفع الحدث في مساره النامي حتى الذروة، منها اللوحة، عناصر الطبيعة كالريح، والمطر، والقصب، والليل.
السارد والشرارة الأولى
تبدأ القصيدة بمشهد افتراضي، أو مشهد يعيد فيه السارد رسم حادثة فعلية، إذ يقوم، وهو رسام أيضاً، برسم هذا المشهد بدم امرأة قتيلة، تلك هي الشرارة الأولى. ثم يشرك الآخرين، جمهوراً أو قراءً، ليضيفوا بعض التفاصيل التي يكملون بها المشهد الدرامي ليغدو أكثر شعرية. ومن الممتع أن نلاحظ هنا، أن دور الراوي يشبه كثيراً دوره في المسرح الملحمي حيث تتم رواية الحدث، في التوّ واللحظة، على الخشبة، وحيث يقوم المتفرجون بالمساهمة في تطوير العرض المسرحي وتنميته.
إضافة الى ذلك، فإن الشاعر قد استخدم تقنية غاية في البراعة في قصيدته هذه هي اللوحة. إن يوسف الصائغ شاعراً، يبدو مزحوماً على الدوام بشخصية الصائغ رساماً، لذلك فان قصيدته، يشارك في كتابتها اثنان في الغالب: الشاعر والرسام. لقد استطاع، في هذه القصيدة، وببراعة واضحة أن يخلق مناخاً درامياً حياً من خلال نمط من التزاوج الحي بين الشعر والرسم:
«وسـأرسمُ سـيدةً،
رمزاً لعراقٍ منصورٍ،
فاقترحوا، أنتـم..
ومضة عينيها..
وأضيفوا ضحكة طفلينِ صغيرينِ.. إليها».
المشهد هنا يموج بالتفاصيل والألوان والشخصيات. يرسمه الشاعر بمهارة عالية وانتماء عراقي عميق، كما أن القصيدة عامة تحتشد بكل ما يعزز قوة الفرح وانتصار الحلم. وليس فيها الكثير الذي يذكّر بالموت، وما يمثله من رموز ودلالات. فهي كما قلنا تحتفي بالحياة وتنتصر على ما يتهددها من عناصر الهلاك والتلاشي. حتى أن هذه السيدة التي يقوم الشاعر برسمها تمثل «رمزاً لعراقٍ منصور».
وكأننا بالشاعر يفتح إطار اللوحة المرسومة، ويحررها من خطوطها الخارجية، فتنهمر محتوياتها: تهشم الشخصيات إطارها المرسوم، ويتدفق الحدث على الأرض، فيتناثر الدم المر والشظايا. لنتأمل تكملة المشهد الافتتاحي:
«وأنيروا عشرة أقمـارْ..
بعد قليلٍ،
تُقبل سيدة الأهوارْ..
طافيةًً.. كالشمعة فوق الماء..
تحمل في يدها اليمنى
أرغفةًً حمراءْ..
وفي اليسرى.. فاكهةً من نـارْ».
تقنيـاتٌ لتنمية الحـدث
وبعد أن أكمل السارد رسم اللوحة، يبدو الآن جاهزاً لكسر إطارها وتحريك محتوياتها على أرضية واقعية، بما تتضمنه من طفولة وأنوثة دامية وشظايا. وفي المشهد التالي يتعرض السارد نفسه الى التحول بطريقة ما. فبعد أن كان، في المشهد الافتتاحي من القصيدة، أعزل لا يحمل شيئاً يمكّنه من الدفاع عن نفسه، أو رسم صورة السيدة، نجده في المشهد الجديد يحمل سيفاً ذا حدّ «إني بدمائكِ أغمس حدّ السيف»، وقد أوكل إلى الحضور، في المشهد الأول، إضافة ضحكة طفلين الى السيدة، كما أوكل إليهم أيضا إنارة الأقمار العشرة. أما الآن فهو يؤكد قدرته على الفعل:
«إني بدمائكِ أغمس حدّ السيفِ،
وأرسـم سيدةً،
فوق جدار الدارْ..
أرسم طفلينِ،
وعشرة أقمـارْ
أرسم هذا البلد الآمنْ..
وأقصّ على الأطفالِ،
حكاية (تسواهـنْ)».
وبعد أن يكمل السارد صورة السيدة، والطفلين، والأقمار العشرة، والبلد الآمن، فإنه يقص على الأطفال حكاية هذه السيدة العجيبة: «تسواهـن». وإذا كان الشاعر قد استخدم، في مفتتح القصيدة، الفعل الماضي «غمستُ» فإنه، هنا، يستخدم الفعل المضارع، «أغمسُ»، ولهذا الاستخدام المغاير دلالة واضحة. فالفعل الماضي يجسد زمناً منقطعاً، وعلاقة منتهية لا امتداد لها. كما أن في عبارة «بدم امرأةٍ»، تعميماً لم يعط المشهد خصوصية أو ألفة، أما الآن فإن الفعل المضارع يعبر عن صلة حارة يقوم سداها ولحمتها على التفاعل والمشاركة. كما أن المرأة ما عادت نكرة بعد أن ربطت بينها وبين الراوي رابطة الصلة وخطاب المعرفة اليقظة.