صور القهر الاجتماعي في قصص »حرائق حلم« لـ انتصار عباس

تاريخ النشر : الجمعة 12:23 30-10-2026
No Image

تتعدد صور القهر، وتتباين أدواته، لكن آثاره تتشابه في النفوس التي تتلقاه؛ فالجوع يجرح كرامة الإنسان، والفقر يُضيّق عليه خيارات الحياة، والحروب تقتلع جذوره، والسلطة، حين تفقد إنسانيتها، تتحوّل إلى عبء على الضعفاء. وفي مجموعة «حرائق حلم» للقاصة الأردنية انتصار عباس، تتجسد هذه المعاناة في شخصيات تطاردها الخسارات، وتجد نفسها أمام واقع تتفاوت فيه فرص النّجاة، حتى يغدو الحلم أحيانًا آخر ما تملكه للدفاع عن وجودها.

تتحرك القاصة بين المشهد الواقعي والتصوير الرمزي، وتلتقط لحظات إنسانية شديدة الحساسيّة، مستعينة بالتكثيف والمفارقة والصورة الشعرية. ويتجاوز اهتمامها تسجيل الوقائع المؤلمة إلى الكشف عن أثرها في الوجدان، وعن التحوّلات التي تُصيب الإنسان حين تتكاثر عليه المحن. وتبرز في المجموعة قضايا الفقر والجوع واللجوء والعنف والاغتراب، إلى جانب هشاشة العلاقات الإنسانية وتناقضات المجتمع، في عالم تتجاور فيه القسوة والرغبة العنيدة في الحياة.

تبديد الأمان العائلي

في قصة «عطر الجوري»، يتمثل القهر في العنف الذي يقتحم حياة الأسرة ويدمر استقرارها. تبدأ الحكاية في أجواء منزلية حميمة، حيث الورد والياسمين وشراب الورد، وحيث يتأمل الأب علاقة الحياة بالموت والفرح بالألم. لكن هذه الألفة تُخفي مأساة تتكشف تدريجيًا من خلال ظهور رجل غريب يشبه الأب الراحل.

يروي الرجل كيف تعرض مع أسرته لهجوم قطاع طرق على طريق صحراوي، أطلقوا النار عليهم وسلبوهم أموالهم. وبعد غيبوبة طويلة، أُخبر بوفاة زوجته وابنته، بينما بقيت رصاصة مستقرة في رأسه، تسببت له بآلام متكررة واضطرابات صحيّة.

تتجاوز الجريمة هنا لحظة وقوعها؛ فالعنف يستمر في جسد الناجي وذاكرته، ويحرمه الاطمئنان إلى حقيقة ما جرى. وتصبح العودة إلى المنزل محاولة لاستعادة حياة انقطعت، بينما تتنازع الشخصيات مشاعر الحنين والشك والخوف.

ويؤدي الورد الأحمر والأبيض وظيفة رمزية تتصل بثنائية الألم والرجاء، وتبلغ دلالتها ذروتها في النهاية، حين يترك الرجل وردتين على النافذة، وتظهر بينهما «شقوق النور».

تفتح هذه الخاتمة مجالًا للأمل وسط الالتباس، وتُوحي بأنّ العنف، مهما امتدت آثاره، يعجز عن محو الحاجة الإنسانية إلى الحب والانتماء.

القهر الخفي

يتحوّل الخاتم في قصة «عويل الخواتم» إلى مركز تتجمع حوله الذكريات والرغبات والالتباسات العاطفية. يبدأ السارد بالبحث عن خاتم يشبه خاتم أبيه، ثم يشتري خاتمًا لزميلته، فتثير الهدية أسئلة متبادلة حول دلالتها وحدود العلاقة بينهما.

وتتسع القصة لتلامس القضايا الاقتصادية من خلال نقاش الموظفين حول ارتفاع الأسعار والإيجارات والرواتب، حيث يصبح الخاتم موضع سخرية في سياق الحديث عن الغلاء.

لكن الدلالة الاجتماعية الأبرز تتجلّى في اختلاف نظرة الرجل والمرأة إلى الهدية؛ فبينما ينتظر الرجل أن يرى الخاتم في إصبع زميلته، تتساءل هي عن دوافعه، وتستعيد خواتم سابقة ارتبطت بأسماء رجال مختلفين، قبل أن تتكاثر الخواتم في مشهد غرائبي يملأ المكان.

يمكن قراءة هذا التكاثر بوصفه تجسيدًا رمزيًا لتراكم العلاقات والأسئلة والذكريات. وتكشف القصة عن هشاشة التواصل الإنساني، وعن المسافة بين النيات والتأويلات، حيث تتحوّل الهدية من علامة محتملة على المودة إلى مصدر للقلق والارتياب.

مأساة اللجوء

تنتقل القاصة في قصة «يوميات لاجئ» من القهر الاقتصادي إلى مأساة الاقتلاع، حيث يفقد الإنسان بيته وأوراقه ومكانه في العالم.

يبدأ السارد باعتراف مكثف: «أسكن الفراغ، أداري وحدتي بتعشّق شجر الكلام، أسافر بين تيه وتيه، أجلس في المسافة المحظورة، أحمل الذاكرة وجسد ينهشه الجوع والخراب، مسافر بلا متاع»، ويكشف هذا الاستهلال عن مفارقة وجودية؛ فالإنسان الذي فقد وطنه يجد نفسه مقيمًا في فراغ لا يمنحه شعورًا بالاستقرار أو الانتماء، يُعاني وحدة موحشة، ضائع في التيه بذاكرة مُثقلة وجوع صارخ وخراب، صفر اليدين من أي متاع.

وتكتسب الوثائق الشخصية دلالة لافتة حين يذكر السارد أنّ شهادة ميلاده وجواز سفره دُفنا في فناء بيته. فالوثيقتان اللتان تثبتان هويته وحركته في العالم بقيتا في المكان الذي اضطر إلى مغادرته، وكأنّ اقتلاعه من أرضه صاحبه اقتلاع من الاعتراف الرسمي بوجوده.

ويؤكد السارد أنّ الهاربين من القتل والدمار تجمعهم الرغبة في حماية أطفالهم. لكن الطريق إلى النّجاة ينتهي أمام بوابة تمنع الدخول والاقتراب، وبندقية موجهة نحوهم.

هنا تتجسد الحدود بوصفها أداة قهر، ويتحوّل اللاجئ إلى إنسان مُعلّق بين خطر تركه وراءه وخطر يتربص به. وتبلغ المأساة ذروتها حين تخترق رصاصة المكان، فيرى الأب وجه ابنته مغمورًا بالدم، بينما تفلت دميتها الصغيرة من صدرها.

اختيار الدمية يمنح المشهد قسوته الخاصة؛ فهي العلامة الأخيرة على طفولة كان ينبغي أن تعيش بعيدًا عن البنادق. وبهذا تنتقل القاصة من المأساة الجماعية إلى تفصيل صغير يختصر حجم الفاجعة، ويمنح الضحية ملامح إنسانية تتجاوز الأرقام والأخبار.

الطفولة والجوع

تبلغ مأساة الحرمان إحدى ذراها في قصة «جوع» التي تتوزع على مشهدين يكشفان وجهين من وجوه القهر الاقتصادي والاجتماعي؛ في المشهد الأول، يقف جائع أمام المخبز، مأخوذًا برائحة الأرغفة، بينما تحول جيوبه الفارغة بينه وبين الحصول على الخبز. وتتكثف المفارقة في تحوّل أبسط حاجات الإنسان إلى رغبة بعيدة المنال، وحين يرى امرأة وطفلها، تستيقظ ذاكرته، ويستعيد صورة أمه وأخيه الصغير، قبل أن تنتهي اللحظة بحادث دهس مأساوي.

تربط القاصة الجوع بالموت من خلال تداخل الحاضر والذاكرة؛ فالجسد المنهك بالحرمان يستدعي ماضيه العائلي في لحظة تنقطع فيها صلته بالحياة. وتكتسب رائحة الخبز دلالة مضاعفة، إذ تستحضر دفء البيت والأمومة والأمان، بينما ينتهي المشهد في الشارع الذي يبتلع الإنسان دون اكتراث.

أما المشهد الثاني فينقل المأساة إلى المدرسة، حيث يعجز طفل جائع عن ترديد نشيد الطابور الصباحي، فيتعرض لتوبيخ المعلم وصفعاته. تقول القاصة: «وما درى أنّ الجوع كان يطحن لسان الصغير، وأنّ معدته الخاوية التهمت ما تبقى فيه من ذاكرة.»

تفضح هذه الصورة عجز المؤسسة التربوية عن فهم الظروف الإنسانية للطفل، حين يُفسَّر العجز الناجم عن الجوع باعتباره تقصيرًا يستحق العقاب. ويكتسب المشهد بعدًا نقديًا أعمق حين يردد الأطفال النشيد في اليوم التالي وقد استبد بهم الخوف، وتنتهي القصة بعبارة: «وردد الوطن: آه كم أنا حزين!»

يتحوّل الوطن هنا إلى ضمير شاهد على اختلال القيم؛ فالكلمات التي يفترض أن تُعبر عن الانتماء تصدر عن أطفال أُهينت كرامتهم داخل المؤسسة التي يُنتظر منها حمايتهم.

من الفرد إلى المجتمع

في قصة «الحب في زمن كورونا»، تستحضر الكاتبة تجربة الجائحة وما رافقها من عزلة وقيود ومخاوف، وتستثمر المواقف الساخرة للكشف عن سلوكيات اجتماعية متناقضة.

وتكتسب إحدى الحكايات دلالة إنسانية خاصة حين يختار شاب حلق رأسه بدل السجن عقوبةً لمخالفة إجراءات الحظر، ثم يكشف أنّه فقد شعره بسبب العلاج الكيميائي، وأنّ أسرته تجهل مرضه. ويفاجئه القاضي باعتراف مماثل عن تجربته مع المرض.

تضع هذه المواجهة الإنسان أمام إنسان آخر، بعد أن كان كل منهما محصورًا في موقعه القانوني، ويصبح الاعتراف بالألم المشترك مدخلًا للتعاطف، فتخف حدّة العلاقة بين السلطة والفرد، وتبرز إمكانية حضور الرحمة في تطبيق القانون.

وتشير هذه الحكاية إلى جانب مهم في رؤية انتصار عباس؛ فالقسوة لا تستنفد العالم القصصي، إذ تترك الكاتبة أحيانًا نافذة للتفاهم الإنساني، حتى في أكثر الظروف اضطرابًا.

القهر في مرآة السرد

تتفاوت القصص في طرائق معالجتها للقهر؛ فبعضها يعتمد مشاهد واقعية مباشرة، كما في قصة «جوع»، وبعضها يستثمر الرمز والتداعي والغرابة، كما في قصة «عويل الخواتم» وقصة «عطر الجوري». أما قصة «يوميات لاجئ» فتقوم على صوت المتكلم الذي يمنح التجربة طابع الشهادة الشخصية.

ويلاحَظ أنّ القاصة تميل إلى استثمار التفاصيل الحسيّة في تكثيف المعاناة: رائحة الخبز، والدمية، والرصاصة، والخاتم، والوردة. وتتحوّل الأشياء المألوفة إلى علامات على الحرمان أو الفقد أو التعلق بالحياة.

ومع ذلك، تتفاوت قدرة النصوص على ضبط انفعالاتها؛ فحين تترك الكاتبة المشهد يتحدث بتفاصيله، كما في صورة الطفل الجائع أمام المعلم، تبلغ الدلالة قوتها دون حاجة إلى تفسير. وفي مواضع أخرى تتدخل اللغة الوجدانية لتوجيه استجابة القارئ، فتقترب من التصريح بما كان يمكن أن يستخلصه من الحدث.

الإنسان قبل الحكاية

وبعد؛ تكشف قصص «حرائق حلم» عن حساسية واضحة تجاه الإنسان حين تتخلّى عنه شروط الحياة العادلة؛ فالجائع الذي يعجز عن شراء الخبز، والطفل الذي يُعاقب على جوعه، واللاجئ الذي يُمنع من عبور الحدود، والناجي الذي تطارده آثار الرصاص، جميعهم شخصيات تواجه صورًا مختلفة من الحرمان والتهديد.

وتنبع أهمية هذه التجارب من قدرة القاصة على نقل القضايا العامة إلى تفاصيل شخصية تمنحها حضورًا وجدانيًا؛ فالجوع يصبح طفلًا عاجزًا عن الإنشاد، واللجوء يصبح دمية تفلت من صدر طفلة، والعنف يصبح رصاصة تستقر في رأس أب، وتستمر معه سنوات طويلة.

هكذا تضع انتصار عباس القارئ أمام سؤال أخلاقي يتردد في ثنايا مجموعتها: ما قيمة الحياة حين يفقد الإنسان حقه في الأمان والكرامة؟ وتظل بعض شخصياتها، رغم الخسارات، تتشبث بما تبقى من الذكريات والمحبة والأمل، كأنّها تحاول إنقاذ شيء من إنسانيتها قبل أن تمتد إليه الحرائق.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }