من أوراق مدينة الزرقاء
في حي «الغويرية» بالزرقاء، المزدحم بالبيوت والذكريات وأمسيات السهر الطفولي البعيدة، وفوق سطح منزل المرحوم والد الصديق الدكتور عطا الله الزيود تحديداً، كانت البداية.
قال لي وهو يضع صندوقه الأسطوري أمامي على النضَد: «إنه عبق الطين المجبول بالقش». ثم أخذ شهيقه كاملاً، وكأنه يعبُّ من فوح عبقه الأثري شيئاً من روائح الماضي.
«صندوق الشيخ حمد»، هكذا أسماه.
كان محفورا على غطائه الخشبي: «حين تتغلب حكمة الشيوخ على دسائس البشر وخرافات الأمكنة، تولد الحياة وتنهض بأهلها، ليكون مثل هذا الحي، حي الغويرية، وهذه المدينة، الزرقاء».
صندوق خشبي داكن، بدا وكأنه من زمن آخر، حواف متآكلة، وحبل خشن مفتت يشده عند المنتصف. نفض عنه الغبار وهو يقول: «عمرُه من عمر هذه المدينة، وتحديداً حي الغويرية». وأشار بيده إلى الوسط المزدحم بالبيوت المتلاصقة والأزقة والناس وفورة الصخب المسائي في شارع «الحسبة»، أمام بيت والده.
ثم واصل: «ولا تسألني كيف وصل الصندوق إلى جدي ووالدي، ثم انتهى منسياً في قبونا الرطب.. فأنا لا أعرف». حدق في وجهي، وأضاف: «كان يعنيني وحدي، ربما لذخائره القيمة التي تحكي عن الحي ومراحل نشأته».
بدا الأمر مشوقاً وغريباً.
مدّ يده وأخرج من جوفه قطعة صلبة من الطين مجبولة بالقش، وقال: «هذه من أول بيت شيّده الشيخ». ثم أخرج سبحة طويلة زرقاء، خرزاتها ملساء، وناولني عمامة رمادية تفوح منها روائح الماضي، وقطعة قماش خضراء زيتية سميكة من المخمل التركي.
فتح يديه وقال: «هذه الأشياء تلخص الحكاية، كلها..!».
الورقة الأولى: بيوت من الطين والقصب
فوق ذروة المطلّ، في جبل المغيّر، وبعد خمس سنوات على اقتلاع الشجرة العملاقة المخيفة، وردم المغائر والكهوف بين تلة الحاووز وهذا المطل، كان الشيخ «حمد الغويري» يقف حزيناً وحائراً، يسرح بصره ذلك المساء عبر (مفازة الفلوات) الخالية المقفرة، وكثيبها الرملي الممتد حتى حدود حارتي «المعانية» و«العمامرة» البعيدتين، والبيوت المتناثرة على طرفيهما.
قال لولد عمه ورفيقه الدائم «رشود»: «نجحنا في ردم المغائر واقتلاع الشجرة، ولكننا لم نفلح في اقتلاع الرهبة من صدور الناس».
هز رأسه في أسى وواصل: «لن يأتي أحد.. من يجرؤ أصلاً؟»
ردّ رشود: «الخرافات تمكنت من الناس، وقد يحتاجون إلى وقت أطول لنسيانها».
أجابه الشيخ بحدة: «لم تكن خرافات، وإنما دسائس وإشاعات مغرضة».
ثم التفت إلى رفيقه وقال بحزم: «حتى الربيع القادم، إن لم يأت أحد ليعمر المكان، فسوف أذهب أنا».
في الربيع، هبط الشيخ وأشقاؤه وبعض أبناء العمومة نحو (مفازة الفلوات) المنخفضة وكثيبها الرملي، بعد أن تخطوا خربة البتراوي وجبل المغير وتلة «برّخ» المشرفة، وشيّد كل واحد منهم بيتاً واسعاً من طين وقصب.
كان ظلام الليلة الأولى في تلك الفلوات حاداً ومختلفاً.
كسرت قليلاً من حدته أضواء المعسكرات الشحيحة وانعكاس الشريط المعدني لسكة الحديد شرقي المفازة.
كانت تلة الحاووز المجاورة ببرجها المائي تبعث على الطمأنينة، وهي تحجب عنهم غروب ذلك النهار وتطل عليهم برفق.
أما الجنوب فكان مشتتاً بأضوائه الكهربائية الشاحبة، بين حارتي المعانية والعمامرة البعيدتين نسبياً من جهة، وأطلال السوق المعتمة وحارتي الشوام والشيشان من جهة أخرى.
مرّت أسابيع قليلة قبل أن يلحق بهم بعض أبناء العشيرة، ليشيدوا بيوتاً مماثلة وفسحات متباعدة، لتكون أول الأزقة الرملية الواسعة في ذلك التجمع السكني الضئيل.
ذات ليلة من ليالي الحصاد المعتمة، تحرّك ظل شفيف، وصفه البعض بالتائه أول الأمر، ثم توالت حوله الحكايا المفزعة وهم يرونه يتمرغ بين البيوت والفسحات.
قال البعض: «نحن من جلب الظلّ إلينا بهذه الأزقة».
الظلّ الواقف عند أطراف الرمل ينشر الذعر، لا يتحرك ولا يتكلم، كأنه حارس لسرّ دفين.
كان الشيخ حمد يرى قتامة الظلّ كل مساء، فيظن أنه انعكاسه، حتى أدرك أن الظلّ لا يتبع خطواته، بل يسبقه. أخرج سبحته الحجازية الزرقاء، وراح يسبح الله بين البيوت الهاجعة القليلة، وكان يعكف على التسبيح بعد كل غروب حتى صباح اليوم التالي.
لم يمض سوى يومان حتى تلاشى الظل، ثم توارى واندحر، ولم يره أحد بعدها.
الورقة الثانية: الوافدون الجدد
اتسع المكان وهو يستقبل وجوهاً جديدة؛ شيشاناً حملوا معهم صلابة الجبال، وفلسطينيين حملوا وجع الرحيل، ورجالاً جاء بهم شرف الخدمة العسكرية من شمال البلاد وجنوبها.
فرح الشيخ حمد الغويري بهذا التوسع النسبي كثيراً، رغم البطء، وتمنى لو يغدو المكان شبه حارة، على الأقل. وكان يرى تشكل بعض الأزقة الحقيقية المتربة، والشارع الرملي الوحيد والقصير الذي يسند المضافة، قبل أن تصب نهايته في بحيرة الرمل الواسعة على بعد أمتار من عريش المضافة.
واظب الشيخ حمد على مروره المتمهل بين حارات العمامرة والمعانية، وحتى السوق وحارة الشوام، دون أن يشتري شيئاً. ربما كان الشيخ يضمر أمراً، وهو ما أفضى به رفيقه وابن عمه رشود لولدي الشيخ ذات مساء.
وكان يرى في كل حارة دكاكين طينية متلاصقة، أبواباً خشبية مطلية بلون أزرق، باهت، وصناديق تمر، وأكياس قمح، وقَهوة، وهيل، وصوف، وحبال، وموازين نحاسية تتدلى من المسامير.
رجال من «معان» و"الكرك»، ربما عادوا من الخدمة العسكرية، يجلسون باسترخاء على مصاطب الدكاكين، وجوههم سمراء لوحتها الشمس، وبنادق بعضهم مسنودة إلى الجدار. رأى تجاراً يساومون البدو القادمين من السهل: سمن، جميد، زبدة، صوف.. مقابل قهوة وحناء ومسابح. وأطفال شبه حفاة يركضون، والغبار يتطاير خلفهم كذيل ضوء.
انتشرت حكاية غريبة، عن امرأة بدون قدمين، تظهر فجأة في الأزقة الضيقة، ترتدي ثوباً أسود طويلاً، وتنزلق على الطريق الترابي دون مشي.
وكانوا يقولون إنها تظهر فقط لمن يسير وحده، وإنها لا تتقن فن الكلام، وإنها مجرد «روح امرأة ماتت وهي تبحث عن ابنها».
لم يكن أمام الشيخ حمد إلا أن يفرش نصف المضافة -في الشارع الرملي- بسجاد جديد، ويكسو سقفها وجدرانها بقماش أخضر زيتي من المخمل التركي، ليجعل منها مصلى. استعان الشيخ حمد في إتمام المصلى بأحد جيرانه الكرام في الشارع الرملي القصير، وهو شيخ شيشاني جليل يكنى بالشيخ «نور»، يحفظ القرآن ويتقن حرفة الخشب وأعمال الحدادة وغيرها.
بعد أيام قليلة من رفع الآذان والتهليل الجماعي، تبخر سواد المرأة المرعبة، ولم يعد يرها أحد وهي تهيم بين الأزقة وفسحات البيوت مرة أخرى.
الورقة الثالثة: النهضة والتطور
هبط الليل باكراً ذلك النهار، وأرخى سدوله القاتمة على «مفازة الفلوات» سريعاً.
الشيخ حمد باغتته العتمة عند منتصف الطريق الخالية، وهو يعود وحيداً من تلك الحارات ماشياً بعد مشواره اليومي المعتاد. كان سعيداً يقلب فكرة ما في رأسه.
آن له بعد أشهر طويلة من البحث والتقصي أن يجدها الآن وقد اكتملت، ولم يبقَ سوى تنفيذها.
لم ينتظر للصباح، خفّ إلى رفيقه وابن عمه رشود وصديقه الشيخ نور فور وصوله. على وهج مصباح نفطي بدد العتمة في المضافة، أفضى لهما بما لديه من تصور عميق حول مستقبل الحارة وهذا المكان.
بعد أسابيع قليلة، كان الشارع الرملي القصير الهادئ يندفع بمحاله الحرفية الجديدة الموزعة على جانبيه، ليعبر واحة الرمل المترامية بقوة وصخب غير مألوف: ثلاثة محال يدوية لنجارة الخشب (أبواب، أثاث، وأخشاب بناء)، وحانوت واسع للحدادة، وثلاثة محال أخرى تنوء أرففها وفسحاتها بمستلزمات البناء الضرورية (دوامر سقفية، قضبان وأسلاك ربط خرسانية، أكياس شيد أبيض، عبوات طلاء وغيرها).
لم يعد الشيخ حمد إلى تلك الحارات المجاورة.. أبداً.
غدت «مفازة الفلوات» هذه مقصداً للبلدة بأكملها، بعد أن أدرك الشيخ أن ما تفتقد إليه بلدة الزرقاء في حاراتها وأحيائها هو الجانب الحرفي.
انفجرت حيوات أخرى جديدة ومختلفة في ذلك الشارع الرملي: زبائن، وتجار، ومركبات نقل متعددة، اتسعت على وقع صداها حدود «المفازة».
هذا التحوّل السريع من تجمع سكني صغير ومنسي إلى مركز حرفي كبير وجاذب، أفرز طبقات عديدة ومتباينة اقتصادية واجتماعية من الناس، غيّرت وجه المكان.
تحولت بموجبه «مفازة الفلوات الخالية» إلى حي هام مخدوم بالكهرباء والماء بين عشية وضحاها، ودون مروره بطور «الحارة»، أطلق عليه أغلب الناس في بلدة الزرقاء آنذاك «حي الغويرية» الكرام.
تناقل الناس في ليالي السمر، فوق أسطح البيوت ومقهى الشيخ موسى الصغير، عند ناصية الشارع الرملي، حكايا مخيفة حول نيران تشتعل وتعلو كبركان بعد منتصف الليل، يراها الناس في المساحات الشرقية الخالية من مفازة الحي.
قال يومها الشيخ رشود لابن عمه الشيخ حمد الغويري في مضافة المجلس البلدي: «يبدو بأن الدسائس لا تموت..!».
ردّ عليه الشيخ حمد بارتياح وابتسامة صافية: «الأمر مختلف، ليست دسائس مغرضة، هي مجرد خرافات يبثها المكان بين ساكنيه.. هذا كل شيء». لم يكتف الشيخ حمد بهذه التفاسير.
في المساء وفي مضافة الحي، قال للشيخ الشيشاني الجليل نور: «نهدم المضافة والمصلى القديم، ونبني جامعاً كبيراً بمئذنة، أسوة بالأحياء الأخرى: حي الشيشان والشوام والعرب».
بعد أسابيع قليلة، كان الشيخ نور يرفع الأذان بصوته الرخيم وعمامته الرمادية، بينما تشير اللافتة المعدنية الخضراء على مدخل الجامع الجديد: «جامع الإمام علي بن أبي طالب» كرم الله وجهه.
لم يعد للنار البركانية وجود، شرقي الحي.
باختصار، لم يعد يرها أو يسمع بها أحد بعد ذلك.
خاتمة
أعاد الدكتور عطا الله الزيود العمامة الرمادية العتيقة إلى جوف الصندوق.
نظر إلى المدينة المترامية وفورة الضجيج المسائية المتصاعدة من كل شبر فيها على امتداد البصر، ومن كل الجهات. قال لي ببعض الأسى، وهو يرسم قوساً بانورامياً واسعاً: «الشيخ حمد الغويري مات قبل أن يرى كل هذا.. قبل أن يرى (مفازة الفلوات الرملية الخالية) وقد تحولت إلى حي كبير وضخم، ترامت أطرافه لتشمل كل شبر فيه. مات ولم ير كيف تخطى بنيان المدينة شمالاً: مفازة الفلوات، وجبل المغيّر، وحي المصفاة، وحتى تخوم الهاشمية».
صافحتُ الدكتور تلك الليلة بين مفترق شارع «الحسبة» وشارع «الحاووز» في حي الغويرية.
عاد هو إلى بيته وعمله في العاصمة، وأنا إلى منفاي الطوعي، البعيد.
تصافحنا على أمل اللقاء، ثم افترقنا دون وداع.. تماماً مثلما اعتدنا أن نفعل
منذ خمس وثلاثين سنة ونيف، في المكان نفسه.