في عيادتها بالجزائر العاصمة، تمدّ الطبيبة عقيلة يدها نحو عينٍ عمياء، وتزرع فيها قرنية انتُزعت للتوّ من جثة في المشرحة وعلى طرف آخر من المدينة يجلس والدها في غرفة تحقيق، يُسأل عن خيانة وطنٍ قاتلَ من أجله يوماً في صفوف المقاومة. بين عينٍ تستعيد نورها من جسدٍ ميت ورجلٍ يُستدعى ماضيه القديم ليُحاسَب عليه اليوم تنطلق رواية سعيد خطيبي «أغالب مجرى النهر».
تُوّجت الرواية الصادرة عن دار نوفل-هاشيت أنطوان، بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) في دورتها لعام 2026، بعد أن اختارتها لجنة التحكيم التي يرعاها مركز أبو ظبي للغة العربية من بين مئة وسبع وثلاثين رواية تنافست على الجائزة هذا العام، بوصفها أفضل عمل روائي صدر بين يوليو 2024 ويونيو 2025. يمشي النص على خطّين متجاورين لا ينفصلان: خطّ الطبيبة المتهمة بقتل زوجها، وخطّ أبيها الذي يُستدعى ليُساءل عن خيانة وطنية قديمة ومن هذا التجاور يعيد خطيبي فتح ملفات حرب الاستقلال (1956-1962)، ثم يمضي بها عبر عقود لاحقة حتى يصل إلى عتبة العشرية السوداء.
وصف رئيس لجنة التحكيم الناقد التونسي محمد القاضي الرواية بأنها رحلة آسرة تسير عكس مجرى التاريخ. أما ياسر سليمان رئيس مجلس أمناء الجائزة، فرأى أنها تتقمص شكل الرواية البوليسية لتجعل منه أداة يسبر بها خطيبي التاريخ الجزائري الحديث عبر جيلين متعاقبين، مشيداً بحساسيتها المرهفة التي يتجاور فيها الهمّ الذاتي بالهمّ الجمعي، وبلغتها المتراوحة بين اليومي والأدبي، وبشخصياتها التي تلتقي فيها القسوة بالهشاشة. وليست هذه أول مرة يقف فيها خطيبي على منصة تتويج كبرى؛ ففي عام 2017 فازت روايته «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» بجائزة كتارا، ووصلت روايته «حطب سراييفو» (2018) إلى القائمة القصيرة للجائزة نفسها عام 2020.
حين فتحت صفحات الرواية للمرة الأولى، راودتني رغبة عارمة في إغلاقها وتركها؛ فقد سكنني شعور ثقيل ببطء الإيقاع وتكرار المشاهد وهشاشة الشخصيات بدت الرواية خالية من المقومات التي تجتذب القارئ إلى عالمها، لكنني تجلّدت وأكملتها حتى خاتمتها وظل شعوري الأول مرافقاً لي ما جعلني أتأمل نسبية الذائقة الجمالية وكيف أن ما أراه عيباً قد يراه غيري جمالاً ويستهويه. ومن هذا المنطلق، لا أنكر على جائزة البوكر العربية استحقاقها ولا أشكك في نزاهة لجان تحكيمها، فالتتويج يخضع لمعايير تنافسية دقيقة ومقارنات بين الأعمال المرشحة، غير أنني أتمسك بحقي في نقد النص عارياً من ظلال الجائزة.
فحتى وإن استحق التتويج، يظل النص مطالباً بالخضوع لمساءلة فنية صارمة؛ إذ عانى السرد من تكديس الأحداث وتراكم الوقائع بلا تكثيف دلالي يمنح الحبكة خفة وجدارة، فبدت عاجزة تحت ثقل الحمل عن خلق استثمار سردي مكافئ. وعلى صعيد اللغة، اختار الكاتب تطويع العامية الجزائرية في مفاصل عديدة؛ وهو خيار فني وإن منح المكان صدقه ودفئه، إلا أنه بنى جداراً إقصائياً حصيناً بين النص وقرائه في المشرق وسائر البقاع العربية، مما يضعنا أمام مفارقة عجيبة في عمل حاز جائزة بحجم «البوكر» التي يُفترض أن توسع آفاق التلقي لا أن توصد أبوابه.
الاستطراد السلبي وتشتت الحبكة
هذا التردد الاستهلالي لم يكن سوى انعكاس لخلل بنيوي أعمق رافق النص في مواضع عديدة؛ إذ بدت الرواية محكومة بهاجس «الاستعراض الشامل» أكثر من انحيازها إلى «التكثيف الفني».
ويتجلى ذلك في تتبّع مشاهد وتفاصيل جانبية لا تضيف، في كثير من الأحيان، جديدًا إلى تطور الحبكة ولا تدفعها نحو تحول نوعي، فالخط السردي الذي يفتحه الكاتب حول اتهام الأب بالعمالة للاستعمار، وحكاية الغانمين من رفاق المقاومة، يعود عبر أكثر من موضع من خلال أصوات وشخصيات مختلفة من غير أن يكتسب في كل مرة إضافة درامية تبرر هذا التكرار، وهكذا لا يتطور الحدث بقدر ما يُعاد تدويره من زوايا متعددة، فيتسع حجم الحكاية بينما يظل عائدها الدرامي محدودًا.
ويمتد هذا الإفراط إلى وصف الأمكنة؛ ففي مقاطع بوسعادة لا يكتفي السرد بمنح المدينة حضورًا يحدد المجال الجغرافي والاجتماعي للأحداث فالتوسع في استحضار تفاصيلها حتى تكاد المدينة تتحول إلى موضوع مستقل يستأثر بانتباه السارد، والوصف في ذاته ليس زائدًا متى أسهم في بناء المكان أو تكثيف دلالته غير أن المشكلة تنشأ حين يتجاوز الوصف وظيفته الإيحائية ليصبح غاية قائمة بذاتها، فيتقدم المكان على الحدث، ويصبح القارئ أمام تراكم معلومات أكثر مما هو أمام توظيف فني للمكان داخل الحكاية.
والشيء نفسه يمكن ملاحظته في مشاهد بيوت الهوى، إذ تُمنح هذه المشاهد مساحة سردية واسعة قياسًا إلى أثرها الفعلي في المسار الحكائي، فلا تتشكل منها في كل مواضعها تحولات حاسمة في مصائر الشخصيات ولا تُستثمر تفاصيلها بما يكفي لإحداث نقلة في الصراع، الأمر الذي يجعل حضورها أقرب إلى تسجيل جانب من الواقع الاجتماعي منه إلى ضرورة تفرضها البنية الروائية. ومن هنا لا يصبح السؤال: هل كان ينبغي حذفها؟ بقدر ما يصبح: هل احتاجت فعلًا إلى كل هذه المساحة كي تؤدي وظيفتها؟
ويبلغ هذا الميل إلى الاستفاضة درجة أوضح في استعادة الساردة تاريخ صداقتها بسلوى عديلي منذ سنوات الدراسة؛ إذ يتوقف السرد عند تفاصيل متلاحقة من العلاقة، تبدأ من سرقة نقود الأب لشراء حمّالة صدر خلسة، وتمتد إلى مقارنات الجسد والغيرة من تفاصيل بشرة الصديقة وشامتها وصولًا إلى اللمسات الحميمة في الطفولة ورغبة كل منهما في أن تكون الأخرى أختًا لها. وتستهلك هذه الاستعادة صفحات في بناء علاقة يمكن أن يكون لها أثر مهم في تشكيل شخصية الساردة لكن المساحة التي خصصت لها تبدو أكبر من حاجتها المباشرة داخل المسار الحكائي. فوظيفتها الأبرز في الحاضر الروائي والمتصلة بكون سلوى قد أصبحت عديلة الساردة وطبيبتها النسائية التي تابعت فحوصها قبل الزواج وأثناء الحمل، كان يمكن الإيحاء بها أو اختزال قدر كبير من مقدماتها دون أن تفقد العلاقة معناها الأساسي.
وهنا تحديدًا يتجاوز الأمر مجرد «كثرة التفاصيل» إلى مسألة تتعلق باقتصاد السرد؛ فالتفصيل لا يكتسب قيمته من مجرد حضوره، قيمته الحقيقية في قدرته على إنتاج معنى أو تغيير في الشخصية أو دفع في الحدث. وحين تتراكم التفاصيل من غير أن يتغير وضع الشخصية أو يتقدم الصراع، يتحول السرد من البناء إلى التكديس ومن الكشف إلى الاستعراض، وهذا ما يجعل بعض المقاطع تبدو وكأنها تريد الاحتفاظ بكل ما تعرفه الشخصية عن ماضيها بدل أن تختار من هذا الماضي ما يحتاجه القارئ لفهم حاضرها.
والمفارقة أن الرواية في الوقت الذي تبسط فيه هذا القدر من التفاصيل حول وقائع جانبية وذكريات بعيدة، لا تمنح بعض اللحظات الأكثر قابلية للتوتر النفسي والدرامي القدر نفسه من التعمق، فالجسد الذي يُستباح كرهًا تحت غطاء العرف، والقرنية التي تُغرس من جثة والأب الذي يُستدعى ليُحاسَب على ماضٍ قاتل من أجله؛ كلها لحظات تحمل إمكانات عالية للكشف عن الخوف والعار والذنب والذاكرة والجسد، لكنها لا تستثمر دائمًا هذه الإمكانات بالعمق الذي يوحي به ثقلها داخل التجربة الروائية. وهنا تنشأ مفارقة لافتة: النص يطيل الوقوف أمام تفاصيل يمكن اختزالها لكنه يمر أحيانًا سريعًا أمام لحظات كان يمكن أن يتعمق فيها.
وتبعًا لذلك، مشكلة الرواية لا تعود إلى وفرة المادة الحكائية، تعود إلى غياب التمييز الكافي بين ما يحتاج إلى أن يُروى وما يكفي أن يُلمح إليه وما يستحق أن يُمنح زمنًا سرديًا أطول لأنه يحمل في داخله تحولًا نفسيًا، فحين يتساوى التفصيل الهامشي مع اللحظة المفصلية في مقدار العناية السردية، يفقد التكثيف وظيفته، ويصبح النص في بعض مواضعه أقرب إلى استنفاد الذاكرة بكل ما تختزنه من جزئيات.
اختلال الزمن الروائي: تسارع مقابل بطء دلالي
لا تكمن المشكلة الزمنية في رواية «أغالب مجرى النهر» في انتقال السرد بين الحاضر والماضي، فالتداخل بين الأزمنة اختيار بنائي مقصود والاسترجاع يؤدي وظيفة أساسية في الكشف عن الخلفيات الشخصية والتاريخية التي شكّلت مصائر الشخصيات. أما الملاحظة هنا فتتصل بطريقة توزيع المساحة السردية بين هذه الأزمنة؛ إذ لا تتناسب المساحة التي يمنحها السرد لبعض الوقائع دائمًا مع ثقلها في البناء الحكائي فتُختزل بعض اللحظات ذات الأهمية الدرامية في حين تتسع مساحة أخرى لتفاصيل ومراحل زمنية كان يمكن تقديمها بقدر أكبر من التكثيف.
يظهر ذلك منذ الخط الذي تُفتتح به الرواية والمتمثل في مقتل مخلوف وما يترتب عليه من اتهام عقيلة والتحقيق معها، فالحدث يحمل مقومات واضحة لتوجيه حركة الحكاية؛ إذ يثير سؤالًا مركزيًا ويفتح باب الترقب والكشف. إلا أن السرد لا يحافظ طويلًا على هذا التركيز؛ سرعان ما ينفتح على أزمنة سابقة تمتد إلى عقود بعيدة، فتتراجع اللحظة الراهنة أمام امتداد الذاكرة، ويتحول الحدث الذي كان يُفترض أن يدفع الحكاية إلى الأمام إلى مجرد نقطة عبور نحو حكايات ماضية أكثر اتساعًا. وهذا لا يعني أن الاسترجاع في حد ذاته غير مبرر، فهو مبرر فعلًا، لكن كثافته تجعل الحاضر أقل قدرة على الاحتفاظ بمركزيته التي منحها له افتتاح الرواية.
وفي المقابل، تمنح الرواية ماضي عزوز مساحة سردية واسعة، فتتبع حياته منذ طفولته وانتقاله من القرية، مرورًا بالحرب العالمية الثانية وحرب التحرير وعلاقته بالحركيين، وصولًا إلى ما لحق به من اتهام بالخيانة. وتكمن أهمية هذه المادة في أنها تمنح الشخصية تاريخًا يفسر مواقفها ومصائرها غير أن هذا الامتداد يتجاوز أحيانًا وظيفة الخلفية إلى بناء حكاية موازية ذات تفاصيل ومسارات خاصة بها. ومع اتساع هذه الحكاية، يتأخر استئناف المسار المرتبط بالحاضر، فيصبح الماضي أكثر حضورًا من كونه مجرد مفتاح لتفسير الشخصية.
وتظهر الملاحظة نفسها بصورة مختلفة في الاسترجاعات المتعلقة بعقيلة وعلاقتها بسلوى عديلي؛ إذ لا يكتفي السرد بتقديم إشارات مكثفة إلى الماضي، فكان يتتبع مراحل متعاقبة من طفولتها ومراهقتها وصولًا إلى زواجها. وتساعد هذه التفاصيل في تشكيل الشخصية والكشف عن بعض دوافعها وعلاقاتها لكن امتدادها الزمني لا يبدو متساويًا في ضرورته؛ فبعض المراحل يمكن اختزالها دون أن تفقد الشخصية ملامحها الأساسية أو وظيفتها في الحكاية. وهنا تصبح المشكلة متصلة بكمية التفاصيل الممنوحة للماضي أكثر من اتصالها بمبدأ الاسترجاع نفسه.
ومن المهم التمييز هنا بين هذه الملاحظة وبين الاستطراد، فالاستطراد يتعلق بخروج السرد إلى تفاصيل يمكن الاستغناء عنها أو تقليصها من دون أثر جوهري في مسار الحكاية، أما الملاحظة الزمنية فتتعلق بنسبة المساحة السردية إلى المدة والأهمية؛ فقد يغطي حدث قصير زمنًا محدودًا مساحة ضيقة بينما تُمنح سنوات من حياة شخصية مساحة واسعة من السرد. لذلك، المسألة هنا ليست في حذف الاسترجاعات. المسألة في مقدار ما تحتاجه كل استرجاعة كي تؤدي وظيفتها، من دون أن تتحول إلى مسار يزاحم الحدث الذي انطلقت منه الرواية أصلًا.
وبهذا، تعدد الأزمنة في الرواية لا يمثل مأخذًا في ذاته؛ قيمته تتوقف على كيفية إدارة الانتقال بينها وعلى مقدار ما يضيفه كل استرجاع إلى الحاضر، وعندما تتسع بعض الاسترجاعات إلى حد تصبح معه الحكاية الماضية أكثر تفصيلًا من اللحظة التي جاءت لتفسيرها، تتراجع فاعلية الحدث الآني، وتضعف الصلة المباشرة بين الاسترجاع والمسار الذي بدأته الرواية أصلًا.
وتبعًا لذلك، تبرز الحاجة إلى قدر أكبر من التكثيف في بعض المواضع، وإلى منح اللحظات المركزية مساحة تليق بقدرتها على إنتاج التوتر والكشف.
التأرجح الأسلوبي بين الفصحى واللهجة المحلية
يتأرجح الخطاب اللغوي في «أغالب مجرى النهر» بين فصحى السرد ولهجة الشخصيات في حركة تستمد مشروعيتها من طبيعة البيئة الجزائرية ومن رغبة النص في منح شخوصه أصواتًا تنتمي إلى فضائها الاجتماعي، غير أن هذا التداخل لا يحافظ دائمًا على توازنه الفني؛ إذ تتسلل إلى بعض المقاطع مفردات وتراكيب محلية شديدة الخصوصية، تجعل اللغة أقل انفتاحًا على القارئ غير المألوف باللهجة الجزائرية، ولا سيما حين لا ينهض السياق بتفسير دلالتها أو الإيحاء بها. ويظهر ذلك في تعبير «ناس الغيوان» ص38، وفي العبارة: «طاغو على الناس بالعجوب وسمايا عامرة اليوم» ص143، إلى جانب «شهلة الخاملة» في الصفحة نفسها، و«السبولة عطشانة» ص148. فتتحول الخصوصية اللهجية من أداة لبناء صوت الشخصية إلى عائق جزئي أمام انسياب القراءة، لأن القارئ يجد نفسه معنيًا بفك شفرة اللفظ بقدر انشغاله بالدلالة التي يحملها المشهد.
ويضاف إلى ذلك ورود بعض الألفاظ البذيئة والصريحة في مواضع من النص، وهو حضور لا يبدو في جميع المواضع مرتبطًا بضرورة فنية تتجاوز واقعية اللغة اليومية. فواقعية الحوار لا تستلزم بالضرورة نقل كل مفرداته بحرفيتها ولا سيما حين لا يؤدي اللفظ دورًا واضحًا في الكشف عن الشخصية أو تعميق الموقف. وكان يمكن في بعض المواضع الاكتفاء بتعبير أقل مباشرة مع الحفاظ على دلالة المشهد بما يحقق قدرًا أكبر من الاقتصاد اللغوي دون أن يفقد الحوار صدقه أو طابعه الواقعي.
وبذلك، الملاحظة لا تتعلق بمجرد استخدام اللهجة أو اللغة اليومية؛ هي تتعلق بالوظيفة الفنية التي تؤديها داخل النص. فاللهجة حين تُسهم في تشييد هوية الشخصية وإبراز انتمائها تصبح مكوّنًا جماليًا في السرد، أما حين تتكاثر المفردات المحلية أو المباشرة من دون أن يوازي حضورها أثرٌ في بناء الشخصية أو دفع الحدث أو تعميق الدلالة، فإنها تثقل النسيج اللغوي وتحدّ من سلاسة التلقي. وتبعًا لذلك، تبدو الحاجة إلى قدر من الانتقاء يوازن بين أمانة الصوت المحلي واقتصاد التعبير، بحيث تظل اللغة جزءًا من بناء الرواية لا عبئًا زائدًا على مسارها.
انتهيتُ من «أغالب مجرى النهر» على الانطباع نفسه الذي بدأتُ به. لا أطعن في التتويج، فلجان الجوائز ترى ما لا أراه، والذائقة تختلف من قارئ إلى آخر. غير أن عملي ناقدةً أن أحاسب النص على ما وُضع أمامي، وقد وُضعت أمامي مادة تستحق معالجة أفضل مما نالت.
قرنية تُزرع من جثة في عين عمياء، وأب يُستجوب اليوم عن ماضٍ بعيد، وخلفهما حرب تحرير ما زالت ملفاتها مفتوحة. كان أحد هذه الخيوط يكفي لعمل كامل. غير أن السرد صرف رصيده في مشاهد جانبية، وترك الحاضر الذي انطلقت منه الحكاية يتراجع أمام ماضٍ يتمدد، ثم جاءت اللغة فحجبت شيئًا من المعنى عن قارئ لا يعرف اللهجة، وتساهلت في ألفاظ لا يطلبها الموقف دائمًا.
ما علق بذهني، في النهاية، لم يكن الرواية، بل الفكرة التي قامت عليها: ماضٍ يُستدعى ليُحاسَب عليه. أما الرواية نفسها فظلت على مسافة مني.
ومن هنا جاء عنوان هذه القراءة: «سَردٌ يَغرق في نهره».. نهرٌ واسع من الحكايات والأزمنة والأصوات، كان مجراه أقوى من أن تحتمله ضفتاه، فابتلع الحكاية التي حمله في الأصل.