منذ بدايات الوعي البشري، كان الفن أحد الأنشطة الإنسانية الأكثر صعوبة على القياس بسبب ارتباط الوسيلة بمشاعر الأفراد وخبراتهم ومعارفهم، ومع أن الناس قد يتفقون ويجمعون على جمال مشهد طبيعي أو قصيدة، إلا أنهم نادرًا ما يتفقون على لوحة أو منحوتة أو عمل تجريدي.
إن الطبيعة اللامحدودة للفن جعلت النقاش حول قيمته مفتوحة بلا نهاية، وجعلت كل جيل يعيد طرح السؤال ذاته وكأن الأمر يُطرح لأول مرة.
والسؤال الذي يبرز هنا، هل تُقاس الأعمال الفنية من خلال جودتها وفرادتها وطاقتها الروحية؟
أم أن الأمر يرتبط بأسماء الفنانين، وتاريخهم، ومدى نفوذهم، وجندرهم أحيانًا؟
هذه الإشكالية تبرز اليوم أكثر من أي وقت مضى، فلم يعد العالم الفني قائمًا على الإبداع وحده، بل أدخلت عليه عناصر معقدة لمجالات أخرى تتصل بالتسويق، والموضة، والسرديات الإعلامية، ليتحوّل الفن إلى سلعة، والفنان إلى علامة تجارية.
وفي ظل هذه التحولات، يظهر السؤال المهم: لماذا تُباع أعمال متواضعة الجودة بأسعار فلكية لمجرد أنها تحمل توقيع فنان شهير؟
ولماذا تُهمل أعمال عميقة وجديدة لفنانين لا يملكون تاريخًا طويلًا أو شهرة مسبقة؟ بل لماذا يواصل الجمهور والمؤسسات الاحتفاء ببعض الفنانين، رغم أن أعمالهم الراهنة لم تعد تعكس جودة عطائهم السابق؟
• الاسم والعمل الفني
في هذا السياق علينا أن ندرك أن الأسماء الكبرى لم تُخلق بين ليلة وضحاها، وأن كثيرًا منهم ذاقوا مرارة الرفض والجوع، ولكن المفارقة أن هؤلاء، وبمجرد أن تتجذر أسماؤهم في الذاكرة الثقافية، تبدأ رحلة مختلفة؛ لم يعودوا بحاجة لتقديم أي إثبات، ويصبح السوق متعطشاً لأعمالهم، وتتهافت المتاحف على اقتناء إنتاجهم، ويتعامل النقاد بحذر شديد معهم خوفاً من ارتكاب خطأ تاريخي.
هنا تبرز مشكلة قيمة الاسم/ التوقيع مقابل قيمة العمل.
تزيد المشكلة تعقيداً، عندما يتعلق الأمر بفنانة أو فنان حين تقدم/ يقدم تجربة مبتكرة في بداياته وتحظى بالاستحسان، ثم يستنزفها مع الزمن دون تطوير، حيث تتحول التجربة إلى قيد، والأسلوب إلى قالب جامد، فتفقد الأعمال روحها الأولى ليصبح مجرد استنساخ باهت. وهناك العديد من أصحاب الأسماء اللامعة الذين استغلوا نجاح تجربة وحيدة، فأعادوا إنتاجها مئات المرات، ليتحول الفنان إلى عبد لتجربته، وتمنحه المؤسسات شرعية الاستمرار دون مراجعة جدوى التجربة وأهميتها.
• أسلوب الفنان وهويته
يقال أحيانًا إن التكرار يمثل جزءًا من أسلوب الفنان، أو بصمته الخاصة، وجزءا من جماليات البلاغة، وهذا قد يكون صحيحًا بعض الشيء، لان بعض التجارب تقوم على بناء عالم بصري يكرر ذاته في التفاصيل ليؤسس هوية واضحة، غير أن هناك فرق بين التكرار كخيار فني واعٍ والتكرار لفكرة الاستسهال، وهنا تفقد اللوحة دهشتها.
ثمة الكثير من القضايا الفنية التي لا تقل تعقيدًا عما سبق، فمع تقدم العمر ببعض الفنانين، تتراجع قدراتهم الإبداعية والتقنية، ومع ذلك، تستمر المجاملات الباهتة تحيط بأعمالهم الأقل جودة، وتظل المؤسسات تتعامل مع إنتاجهم وكأنهم ما يزالون في ذروة عطائهم. وهذا ليس احتراماً للتاريخ، بل مجاملة تجعل الفنان نفسه أسيراً لتوقعات غير واقعية، ومع أننا من قبيل التقاليد الراقية نُجلّ التجربة الطويلة ونحترم رموز الفن، إلا أن احترام التاريخ لا يعني تجاهل الحاضر، وتحولات الفن شكلا ومضمونا وتقنية، فالتاريخ ينحاز لمن يملك لغة العصر ويعبر عن روحه.
• التميز الجندري
في المشهد الفني لا يمكن تجاهل دور التميز الجندري، ولطالما عانت الفنانات من التمييز في المجتمعات بعدة مجالات، سواء في فرص التعليم أو العمل وغيرها، وبالنسبة للفنانات فإن المعاناة تكون أحيانًا في العرض أو التسويق. ومع ذلك، فإن بعضهن وبعد أن يصبح اسمهن لامعًا، يدخلن اللعبة ذاتها، فيكرر الجمهور والمؤسسات تجاههن الخطأ نفسه.
ورغم تقديمهن أعمالًا متواضعة، إلا أن هذه الأعمال تحظى باحتفاء مبالغ فيه، فالموقف يرتبط بالاسم، أو لأنها تمثل سردية داعمة لقضية معينة تهم المؤسسة أكثر مما يهمها المستوى الفني أو جودة العمل.
ليست المشكلة في دعم المرأة، بل في تحويل الدعم إلى نوع من المبالغة التي تخلق صورة زائفة عن الجودة للعمل الفني، وهذا لا ينصف الفنانات الشابات اللواتي يحملن تجارب أصلية، ولا ينصف الفنانات المخضرمات اللواتي يستحققن نقدًا بعيدًا عن المجاملات، التي نشاهدها على منصات التواصل الاجتماعي.
هناك بعض القضايا العرضية التي تتصل بخشية المتاحف أو الجاليريهات أن تُخطئ في اختياراتها، أو خوف النقاد من مخالفة الرأي العام، أو فقدان الصحف أو الأقسام الثقافية فيها العلاقة مع الفنانين الكبار، أو تردد المقتني في المخاطرة أو المغامرة، أو عدم مقدرة الجمهور على تمييز جمال الأعمال أو جودتها أو أنه «يضيع» بين اسم الفنان وعمله، وهذا الخوف الجماعي يصنع ما يشبه فقاعة الاعتراف الفني، حيث يصبح الاسم أكبر من اللوحة، والتاريخ أثقل من الحاضر، وتكون جودة العمل آخر الاهتمامات.
• النقد ومعايير العمل الفني
كيف يمكن الخروج من هذه الدائرة؟ ربما يبدأ التغيير بالنقد الفني التشكيلي الحقيقي، الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع، ولا يخشى قول الحقيقة، ولا يخشى فقدان العلاقات مع المؤسسات أو أصحاب المناصب أو الفنانين أنفسهم.
النقد الصادق هو أول من يشير إلى التكرار الممل، ويكشف عن تراجع المستوى دون خوف من الأسماء الكبيرة.
والنقد الحقيقي، هو الذي يرى أن دعم الجيل الجديد يجب ألا يكون احتفاليًا أو شكليًا، بل دعمًا مبنيًا على إيمان حقيقي بأن الإبداع لا يقتصر على من لديهم تاريخ، بل يشمل أيضًا من يملكون الجرأة على البدء من الصفر. وأن عالم الفن إلى يحتاج إلى تربية ذائقة لا تبحث عن توقيع فنان كبير، بل عن لوحة تتحدث إليه بصمتها الخاص، ذائقة لا تخجل من الاعتراف بأن فنانًا ما لم يعد ينتج أعمالًا جيدة، أو أن فنانًا آخر قد يكون مجهولا حتى اللحظة قدّم عملًا يستحق أن يُلتفت إليه.
• إعادة التوازن لقيمة الفن
دور النقد هو التوعية الجمالية للمتلقي، بوصفها جزءًا أساسيًا من إعادة التوازن لقيمة الفن ورسالة العمل الفني، فالفن الحقيقي لا يحتاج إلى تاريخ طويل كي يكون عظيمًا، بل يحتاج إلى صدق وابتكار.
على الفنان أن يتساءل دائمًا: هل أكرر نفسي أم أكرر العالم عبر نفسي؟ وهل التجربة التي أقدمها اليوم امتداد روحي وجمالي لتجربتي السابقة، أم أنها مجرد نسخة جديدة لشيء أحبّه السوق؟ الاعتراف بالتكرار ليس ضعفًا، بل بداية التحرر منه.
كما أن إدراك حدود التجربة الفنية يحمل في داخله إمكانية خلق تجربة جديدة أكثر صدقًا وأقل تكلّفًا.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال معلقًا: كيف نميّز بين العمل الذي يستمد قيمته من ذاته، وبين العمل الذي يستمد قيمته من التاريخ أو الاسم أو النفوذ؟
والفن الذي يستحق البقاء هو الفن الذي يتجاوز صاحبه. وإذا أردنا استعادة هذا الصدق، يجب أن نعيد الاعتبار للجودة، وأن نُصغي للعمل قبل أن ننظر إلى توقيعه.