يقدم الكاتب الأردني جلال برجس في مجموعته القصصية «نحيلٌ يَتَلَبَّسُهُ بَدينٌ أعرج» عالماً سردياً فريداً يتأرجح بين الواقعي والفانتازي، بين الملموس والمتخيل، حيث العنوان نفسه، بتركيبته اللغوية المدهشة التي تجمع بين النحيل (الشفاف/ الروحي) والبدين الأعرج (المادي/ المعوّق)، يوحي بثنائية الصراع الوجودي الذي تخوضه شخصيات المجموعة. إنه صراع بين الذات وهشاشتها، وبين الأعباء النفسية والاجتماعية التي تتلبسها.
تتنقل قصص المجموعة بين فضاءات متعددة: مدينة تسودها ثقافة التلصص والانتهاك ("مدينة العيون المتلصصة")، مشغل لشواهد القبور يتحول إلى أسطورة بفضل خوف الناس من الموت ("صانع الشواهد")، حياة روتينية تنكشف فجأة على تغير الزمن الغائب عن الوعي ("مساحة فارغة")، جميعها قصص تبحث في العلاقة المتوترة بين الفرد والعالم، وبين الذاكرة والواقع، وبين الجرح الجسدي والانهيار النفسي.
وتبرز قصة «ناي الأكتع» جوهرةً للمجموعة ومركزا إشعاعيا لها، حيث تصل هذه الهموم إلى أقصى درجات التكثيف الشعري والعمق الإنساني، إنها سيمفونية الجرح والخلاص. تتخذ القصة من الحرب منطلقاً، ولكنها لا تروي الحرب، إنها تروي ما بعدها، أي الندبة العميقة التي تخلفها في روح الإنسان، البطل، الذي عاد من الحرب «بلا يدين»، لا يطلب الطعام أو الدواء، بل يطلب أن توضع نايُه على كتف النافذة. هذه البداية اللافتة تؤسس لعالم رمزي تتحول فيه الأشياء الجامدة إلى أيقونات مشحونة بالدلالات،. الناي هنا ليس آلة موسيقية فحسب، بل هو امتداد للروح، هو الصوت الذي كان، وهو الأمل الذي سيظل معلقاً في مواجهة الريح والنسيان. إنه النموذج الإنساني للجريح، ليس فقط بجسده، بل بروحه التي لا تتوقف عن النزف. فقدان اليدين يجعله في حالة عجز جسدي، لكن هذا العجز يتحول إلى شرط لرؤية أعمق. هو يراقب العالم من الخارج، متوارياً عن الأنظار، ليعيد النظر في كل شيء: «بات يرى الحقائق من زاوية جديدة، وبات ينظر إلى الوهم من عُلُوّ». إنه الفيلسوف الصامت الذي كشفت له الحرب زيف المسلمات.
هذا المشهد البصري المؤثر يختزل فلسفة القصة بأكملها، الناي في مواجهة الريح هو روح الجريح في مواجهة القدر، انتظار «أصابع الريح» هو انتظار لحظة اكتمال المعنى، لحظة أن يعزف العالم لحن الروح الذي عجزت الأصابع المبتورة عن عزفه، إنها استعارة رائعة للبحث عن الخلاص من خارج الذات، بعد أن تخلى الجسد عنها.
بعد فشل الريح في العزف (خذلان الأمل)، يلجأ الأكتع إلى التنقل اللامتناهي، الحافلة تصبح عوالم مصغرة، والمقعد الخلفي الأيسر قرب النافذة هو موقع المراقب/ الرائي. رؤية «الأشياء تعدو إلى الوراء» هي رؤية استعادية للزمن والذاكرة، محاولة لفهم «الحدث الغامض» الذي هو الحرب وندوبها. إنها هجرة دائمة إلى الداخل عبر الإيهام بالحركة في الخارج، اللحظة الأكثر إدهاشاً في القصة هي لحظة الوعي بالكتابة، الأكتع بلا يدين، لا يستطيع أن يكتب، فيلقي بالرواية شفهياً على زوجته، هذه الرواية التي يكتبها هي عن جندي يحلم بالسباحة (الحرية/ النقاء/ الانطلاق).
هنا يحدث التداخل السردي الرائع: الأكتع يكتب عن جندي مثله، وعندما يفرغ من الكتابة، يتداخل الواقع بالخيال، فيسمع أصوات سباحين ويرى صفحة الرواية تتحول إلى زرقة ماء، هذا «الوعي الذاتي بالكتابة» أو «ما وراء السرد» يكسر الحدود بين الحقيقة والوهم، ويجعل من فعل الكتابة فعل وجود بامتياز. الكتابة لا تحكي الحياة فقط، بل تصنع عالماً موازياً يُعاش، وهي محاولة أخيرة لـ «تضميد الجرح» بالكلمات، بعد أن عجزت الأصابع الحقيقية عن العزف. القصة لا تنتهي بموت الأكتع، بل بتحوله إلى «حكاية». اختفاؤه من الحافلات يتحول إلى حدث غامض يرويه السائقون، ثم تنتشر حكايته بين الناس. هذا التحول من إنسان عادي (حتى بجروحه) إلى «أسطورة» أو «حكاية» هو مشروع حداثي بامتياز، يذكرنا بأعمال كبرى مثل «مئة عام من العزلة» لماركيز.
في المشهد الختامي، تنفخ الريح في ناي قبره، وتسمع النساء لحناً غريباً، ويرين رجلاً يصعد «درج الهواء». بهذا المشهد السوريالي، يتجاوز الأكتع مأساته الفردية ليصبح أيقونة خالدة، إنه ينتصر على النسيان، ليس بجسده، بل بالحكاية التي صارت تُروى، الحرب نفسها تُنسى، لكن حكاية صاحب الناي تبقى وتكبر.
تتميز «ناي الأكتع» بحبكة متماسكة رغم بساطتها الظاهرية، تعتمد على التكشّف النفسي أكثر من الأحداث الخارجية، الذروة متعددة، ذروة أولى مع طلب كتابة الرواية، وذروة ثانية مع اختفائه وتحوله إلى حكاية، لغة القصة شاعرية ومكثفة، تعتمد على الانزياح اللغوي ("أصابع الريح»، «جرح في روحه لا يتوقف عن النزف")، وعلى الصور البصرية القوية ("يديه تُجدّفان الماء»، «يصعد بخفّة درج الهواء"). الشخصية المركزية مركبة ومعقدة، تجمع في آن معاً البعد الجسدي (فقدان اليدين)، والنفسي (الجرح النازف)، والرمزي (التحول إلى أسطورة).
تعد قصة «ناي الأكتع» مثالاً ناصعاً على تطور القصة القصيرة العربية نحو آفاق حداثية وما بعد حداثية، يمكن رصد ذلك في تجاوز الحكاية التقليدية لصالح «الحالة الوجودية». القصة لا تهتم بـ «ماذا حدث في الحرب؟»، بل بـ «كيف يعيش المرء جرحه بعدها؟». وتتداخل الأجناس الأدبية فيها: يتداخل السرد بالشعر (لغة موحية)، وبالرواية داخل القصة، ويتداخل الوعي بالكتابة (Metafiction)، وهذا ما جعل الشخصية تكتب رواية عن نفسها داخل القصة، مما يخلق وعياً ذهنياً بالنص ويحرره من التقليدية، والنهايات المفتوحة والأسطرة، فالموت ليس نهاية، بل بداية الحكاية، النهاية سوريالية ومفتوحة على تأويلات لا نهائية، مما يحول الواقع إلى أسطورة. البطل ليس بطلاً تقليدياً، بل هو مشرّد بلا يدين، هامشي، يصنع خلوده بصمته وترحاله.
وإذا كانت قصة «ناي الأكتع» تمثل ذروة الشعري والأسطوري في المجموعة، فإن القصة التي تحمل عنوان المجموعة «نحيل يتلبسه بدين أعرج» تمثل عمقها النفسي والفلسفي، بل هي المفتاح التأويلي للمجموعة بأكملها، حيث يتحول الصراع الخارجي مع المجتمع أو مع الحرب إلى صراع داخلي محض، إلى معركة وجودية تدور رحاها بين الذات وذاتها، بين الجسد والروح، بين ما يراه المرء في نفسه وما يراه الآخرون فيه، فالبطل يعاني في ليلة احتفاله بذكرى ميلاده الستين من شعور غريب بأن خطواته صارت ثقيلة وعرجاء وكأن شخصاً آخر يمشي به، وهذا الإحساس بـ"التلبّس» ليس حالة مرضية أو سحرية بقدر ما هو استعارة بليغة عن الاغتراب الذي يصيب الإنسان حين ينفصل عن جسده وحقيقته.
فالنحيل الذي يتلبسه بدين أعرج هو الإنسان المعاصر الذي تثقل همومه خطاه، الذي تراكمت عليه السنين والأعباء حتى صار غريباً عن نفسه، والجسد هنا لم يعد وعاءً للذات، بل أصبح عائقاً يحجبها أو قناعاً لا يعرف صاحبه كيف يخلعه، وتطرح القصة سؤالاً مقلقاً، هل حقيقتنا هي ما نشعر به نحن أم ما يراه الآخرون فينا؟ فالبطل يشعر بثقله وعرجه، لكن زوجته تؤكد له أن مشيته «طبيعية جداً» وأنها «المشية الرشيقة ذاتها»، وهذه الفجوة الصارخة بين الإحساس الداخلي والإدراك الخارجي تُعمّق من مأساته، إذ يرى نفسه كائناً بديناً متعثراً بينما يراه العالم على حقيقته النحيلة الرشيقة، وهذا الانفصام يعزله في دائرة من الشك الوجودي: «هل يمكن أن يكون للأشياء وجه ظاهر وآخر خفي؟».
تعتمد القصة على تقنية سردية ذكية تتمثل في «شريط زمني» يراه البطل يكشف له المستقبل المحتمل لحبه ولعلاقاته، فيرى حب زوجته يتناقص شيئاً فشيئاً ويرى أصدقاءه ينسحبون من حياته ويرى نفسه عاجزاً وحيداً، وهذه الرؤية الاستباقية ليست قدراً، بل هي تجسيد لمخاوف البطل وهواجسه. إنها لحظة وعي مركّب يرى فيها ماضيه (في المخطوط) وحاضره (في الإحساس بالثقل) ومستقبله (في الكابوس) في آن واحد، والزمن هنا ليس خطياً بل هو فسيفساء من الذكريات والتخوفات التي تثقل خطاه الرمزية.
وفي خضم بحثه عن تشخيص طبي أو حل شعوذي، لا يجد البطل خلاصه إلا في العودة إلى «المخطوط» الذي ظل يكتبه لعشرين سنة، وهذا المخطوط ليس مجرد أوراق، بل هو «الذات الأخرى» للبطل، هو سجل تساؤلاته التي لم يجرؤ على البوح بها لأحد، وعندما يعود إليه في نهاية القصة ويكتب فيه ليكمل ما بدأ يحدث التحول، يكتب حتى الصباح، وعندما ينتهي ينهض ليجد خطوته خفيفة خالية من الثقل والعرج، فالكتابة هنا هي الفعل العلاجي الأوحد، هي الوسيلة التي يستعيد بها الإنسان سيطرته على جسده وروحه، هي التي تمتص ذلك «البدين الأعرج» المتلبس به وتعيد الاعتبار لذاته النحيلة الحقيقية، والنهاية تحمل بصيص أمل من نوع خاص، فالبطل لا يعود إلى حالته الطبيعية فحسب بل ينهي مخطوطه ويقرر أن يعهد به إلى النشر، وهذا القرار يعني خروجه من عزلته ومواجهته للعالم بما كتبه، وشروق الشمس من وراء البنايات وهي «تُجيب عن سؤال» هو مشهد كوني يعيد الانسجام بين الذات والطبيعة، والخلاص لم يأتِ من طبيب ولا من مشعوذ، بل من فعل إبداعي ذاتي خالص هو الكتابة.
وهكذا يقدم جلال برجس في مجموعته «نحيلٌ يَتَلَبَّسُهُ بَدينٌ أعرج» عالماً يليق بنا نحن أبناء هذا الزمن المعقد، إنه عالم الهشاشة النفسية، والاغتراب الاجتماعي، والبحث الدؤوب عن معنى في زمن تهشمت فيه اليقينيات، وفي قصتيه الرئيستين ينجح الكاتب في تحويل معاناة فردية إلى مادة أسطورية خالدة، وقصة «نحيل يتلبسه بدين أعرج» هي جوهر فلسفة المجموعة، تقدم الاغتراب الوجودي للإنسان المعاصر بصورة حسية وملموسة (ثقل الخطى)، وتطرح أسئلة كبرى حول الهوية والزمن والعلاقة مع الآخر، وتختتم برؤية خلاصية مؤداها أن الكتابة، أي التأمل والبوح والتسجيل، هي السبيل الوحيد لاستعادة الذات وتجاوز الأثقال التي تتلبسنا.
إنها قصص عن قوة الكلمات في مواجهة عتمة الروح، بفضل لغة الكاتب الشاعرية المكثفة وبنائه السردي المحكم ورؤيته الثاقبة للعلاقة الجدلية بين الجرح والكتابة وبين الفقدان والخلاص.. إنها قصص تكتب بالنيابة عن كل «أكتع» وكل «نحيل يتلبسه بدين أعرج» يحمل جرحه في صمت، على أمل أن تأتي ريح تلامس ناي روحه، أو تأتي كلمات تخلّده، فـ"الأكتع» هنا ليس مجرد شخص، بل هو فكرة وطريقة في الوجود، وحكاية تظل تكبر مع مرور السنين.