ترتبط أغراض الشعر العربي بثنائية المدح والهجاء، وإلى جانب هذه الأغراض ثمة مجموعة من الأغراض الشعرية الأخرى، الغزل والوصف مثلا، لكن المدح المرتبط بالسلطة السياسية ظل يمثل العنصر الأكثر حضورا ودورانا في البنية الثقافية والسياسية العربية تاريخيا، وهو ما انعكس بصورة كبيرة على الفكر النقدي العربي كذلك.
لكن قصيدة لقيط بن يعمر الإيادي تمثل نصا شعريا متفردا في موضوعه، إذ تقع في باب التحذير من خطر داهم، خطر يتربص بقبيلته في مواجهة الفارسي كسرى أنو شروان، الذي يعد عدته للقضاء على القبيلة العربية السادرة في غيها، والمنشغلة بالتثمير والتعمير، دون إدراك للخطر المحدق بها، الذي سيأتي عليها، وعلى كل ما تملك.
قصيدة لقيط هذه قيلت قبل أكثر من أربعة عشر قرنا، لكن كأنها كتبت لواقع عربي معاصر.
فالشاعر يعاين صورة قومه المنشغلين بأموالهم ورفاهية عيشهم مغمضين أعينهم عن خطر يحيق بهم، دون حس بكارثة منتظرة. فهو يراهم نائمين والحرب تطرق أبوبهم. وهنا نقرأ قوله:
"ما لي أراكم نياماً في بلهنية
وقد ترون شهاب الحرب قد سطعا».
هنا لا نقرأ نصا شعريا جماليا، ولكن نعاين موقفا سياسيا يرى قبيلة تواصل حياتها اليومية غافلة عن خطر سيداهمها. هنا تتجلى حالة الغفلة المخيفة. حالة تمثلها شروخ داخلية تنخر بنيتها في مقابل اجتماع الآخرين على سحقهم:
"يا لهف نفسي إن كانت أموركم
شتى، وأحكم أمر الناس فاجتمعا».
هذه رؤية سياسية بالغة الدقة. فالعدو الذي يتربص بك لا يعتمد على قوته الغاشمة فقط، بل على تفكك منظومتك الاجتماعية والسياسية الممزقة قبل أن تقع الواقعة. وهو ما تعبر عنه صورتان متقابلان متناقضتان: صورة من يحضر نفسه ويعدها لتدميرك، وصورة من يغرق في غفلته واطمئنانه الفاجع. فثمة رؤية استراتيجية في جانب، ورؤية لحظية في غافلة في جانب آخر:
"في كل يوم يسنّون الحراب لكم
لا يهجعون إذا ما غافل هجعا
وتلبسون ثياب الأمن ضاحية
لا تجمعون وهذا الليث قد جمعا».
فالنص خطاب معبر عن حس جماعي عال، حس مسكون بفكرة الكرامة والهوية. وهو فعل لا نقع على مثيل له في قصائد المديح السياسي أو الطائفي. إنها قصيدة تمثل وعي المثقف وقدرته على رؤية الكارثة المنتظرة، والتحذير منها قبل وقوعها:
"لقد بذلت لكم نصحي بلا دخل
فاستيقظوا إن خير العلم ما نفعا».
لكن المفارقة تكمن في الآذان التي لا تسمع، والأبصار التي لا ترى، أو لا تريد أن ترى، وتظل سادرة في غفلتها منتظرة الكارثة، لأن ثمة هوة تفصل بين من يصرخ، ومن لا يسمع. بين من يملك، ومن يستولي على ما تملك، لأنه يملك القوة. لا المال ينفع، ولا الطمأنينة الكاذبة، ما ينفعك هو قوتك وعتادك:
"لا تثمروا المال للأعداء إنهم
إن يظفروا يحتووكم والتلاد معا
والله ما انفكت الأموال مذ أبد
لأهلها إن أصيبوا مرة تبعا».
هل كان لقيط بن يعمر الإيادي شاعرا جاهليا، أم أنه شاعر ما بعد حداثي؟ وهل قصيدته إنذار لقومه آنذاك أم هي إنذار لقومه اليوم؟!! وهل يمكن أن تكون سببا لاستحضار قصيدة إبراهيم اليازجي:
"تنبهوا واستفيقوا أيها العرب
فقد طمى السيل حتى غاصت الركب
اللَّهُ أَكبرُ ما هَذا المَنام فَقَد
شَكاكُمُ المَهد وَاِشتاقَكُمُ الرَّبُّ
كَم تُظلمون وَلَستُم تَشتَكون وَكَم
تُستَغضَبونَ فَلا يَبدو لَكُم غَضَبُ
ألِفتُم الهون حَتّى صارَ عِندَكُمُ طَبعاً
وَبَعضُ طِباعِ المَرءِ مُكتَسَبُ
وَفارَقَتْكُم لِطول الذُلِّ نَخوَتكُم
فَلَيسَ يُؤلِمُكُم خَسفٌ وَلا عَطبُ».
نصان متباعدان زمنيا متشابهان في النتائج، لم يستمع لهما أحد.