ما زال صدى كلمات د.سميح مسعود يدوّي بيننا كأنه لن يغادرنا أبدا. لم يكن مسعود الذي رحل في عمّان يوم 25 شباط 2026، مجرد أستاذ في علم الاقتصاد، ولا مجرد مؤرخ يسرد الوقائع ببرودة الأرقام، بل كان شاعرا وروائياً يَعرف كيف يُنصت لنبض الحكاية قبل أن يحفظها ثم يدوّنها، ويَعرف كيف يحوّل الراوي الذاكرة إلى بيتٍ مستدام يسكنه الآخرون، وكان يتمتع بذاكرة مذهلة في حفظ الأسماء والأماكن والأحداث حتى أواخر أيامه.
من أهم أعماله ثلاثية «حيفا... بُرقة»، ولكن هناك مجموعة لا تقل أهمية، مثل: «تطوان وحكايا أخرى»، «الكرملي، «على دروب الأندلس»، «أم أسعد»، «صنهاجي في غرناطة»، «ذات القبعة الحمراء»، «أنطونيو التلحمي.. رفيق تشي جيفارا»، وصولاً إلى كتابه اللافت «هوشيلاجا» الذي روى فيه معاناة أهل البلاد الأصليين في كندا إبّان الغزو الفرنسي، فقد كان يمارس فعل الوفاء؛ وفاءً للمكان، وللناس البسطاء، عربا كانوا أم عجما، ولتفاصيل الحياة التي يخشاها النسيان.
كان أسلوبه بسيطًا في عبارته، عميقًا في أثره؛ يكتب بلا تكلّف، لكنك تشعر أن وراء كل جملة قلبًا مفعمًا بالعاطفة ووعيًا مثقلاً بالتاريخ والمعاناة. لم يكن يسعى إلى البلاغة المتعالية، بل إلى الصدق والحفاظ على السردية الوطنية بحيث تظل محفوظة للأجيال القادمة. لذلك، دخلت رواياته البيوت كما يدخل الضوء من نافذة مفتوحة، وجعلت القارئ يسير معه من الصفحة الأولى إلى الأخيرة دون أن يشعر بتعب الرحلة أو يملّ منها.
كان مُصرًّا على توثيق ذاكرته وذاكرة من حوله، لا سيما ذاكرة أهل حيفا وبرقة في فلسطين المحتلة؛ إذ كان يستعيد أسماء الشوارع، والمباني، والأزقة، والأدراج، وعطر البيوت، وحكايات الجدّات ونكهة موائدهم، وأسماء الأشخاص والعوائل، كأنه كان يخشى أن تُمحى من سجل الأيام والتاريخ. فعندما زار بيته في حيفا حمل معه جزءا من النافذة وحفنة من التراب خوفا عليهما من الاندثار. كم أتمنى أن تخصص جمعية برقة في عمّان رواقا باسمه يضم مقتنياته الأثرية القيمة!
وخلال غربته في مونتريال بكندا، حمل د.سميح مسعود فلسطين الشتات من خلال صوته وكتاباته وثقافته الواسعة وعلاقاته الطيبة، وشرح معاناة الفلسطينيين في المنافي بلغة إنسانية تُخاطب الجميع؛ لا بلغة الشكوى أو التذمر، بل بلغة شهادة إنسان فقد وطنه وعانى من الاغتراب القسري. وأسس في كندا الصالون الثقافي الأندلسي في مونتريال الذي كان يجمع حوله المثقفين والقرّاء ويترجم الكتب العربية إلى الإنجليزية، ومن ضمنها ترجمة كتابي «حروب الفرنجة، حروب لا صليبية» إلى الإنجليزية عام 2013.
فتحت أعمال الصالون الثقافية في مونتريال باب الحوار مع شعوب العالم، وسعت إلى إحياء التراث الفلسطيني والعربي بروح أندلسية عاشقة للجمال والتنوّع. فقد سحره تراث العرب في الأندلس، وانشغل بالمناداة لمشروع وحدة عربية عبر أهمية الانطلاق من وحدة اقتصادية أولا، وكان يعتز بتراثه الذي عبر عنه على لسان فرانسيسكو كوديرا في كتابه «على دروب الأندلس» الصادر عام 2019، بقوله: «إنه من الخطأ أوربة أوروبا الإسبانية، بل من الواجب تعريب أوروبا».
لم يكن دوره أدبيًا وتأريخيا فحسب؛ فقد كان مستشارا اقتصاديا للجامعة العربية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بالكويت، ورئيسا للاتحاد العام للاقتصاديين الفلسطينيين في الكويت، وأنجز عدة مؤلفات في الاقتصاد، ربما من أهمها «الموسوعة الاقتصادية» في جزأين، و"الأزمة المالية العالمية: نهاية الليبرالية المتوحشة»، و"تحديات التنمية العربية». وتُرجمت بعض أعماله إلى اللغتين الانجليزية والإسبانية.
أما على المستوى الشخصي، فقد كان له أثرٌ لا يُنسى؛ كان هو من حبّب إليّ قراءة الروايات، بعدما كنت أعجز عن الصبر عليها، فأتركها قبل أن أنهيها، حتى تلك التي تعد من أهم الروايات العالمية. رواياته وحدها هي التي جعلتني أقرأها بنهم وأكتب عنها لحرصي الشديد على تعريف الناس بها، فانطلقت منها للتوسع في قراءة الروايات الأخرى، فانفتح لدي عالم مهيب. كان أسلوبه يقود قارئه برفق وتدرج، لكنه لا يتركه إلا وقد غرس حب حيفا في مختلف جنبات جوانحه.
برحيله، لا نفقد كاتبًا فحسب، بل نفقد ذاكرةً حيّة، وصوتًا آمن بأن الكتابة هي فعل مقاومة للنسيان، وأن الحكاية إذا لم تُروَ تموت. ولم ينسَ أصدقاء عمره في يوغسلافيا فخصص لهم رواية «ذات القبعة الحمراء» التي أوحت لي بتأليف كتاب عن بطلة أسطول الحرية غريتا ثومبرغ، بعنوان: «ذات القبعة الخضراء»، ولم ينسَ «أنطونيو التلحمي» البطلَ رفيق تشي جيفارا، أو أصدقاءه الذين كتبوا عنه في «شهادات حول بحثي في الجذور».
في رسالة إلكترونية خاصة بعثها لي خلال زيارته للرباط في المغرب أجاب عن سؤالي عن أهم أحداث الرحلة بقوله: «سألتقي اليوم بعائلة حيفاوية مهمة تعيش في المغرب، وسوف أخصص لهم فصلا في الجزء الثالث الجديد (من كتاب حيفا... برقة)».
وفي الرسالة الخاصة نفسها سألته عن أهم الثمار التي جناها من هذه الثلاثية، فكتب: «أما عن الثمار التي جنيتها من كتابي فأهمها بالنسبة لي هو تعريف مسيحيي برقة الحيفاويين بأهل بلدهم في برقة التي هجروها في السنوات الماضية ولم يبق منهم أحد فيها. بالأمس رأيت صورة وفد منهم في الفيسبوك يزور جمعية برقة في عمان ويعلنون انضمامهم للجمعية كأعضاء فيها، وعبروا بهذا عن تمسكهم بعادات الآباء والأجداد والتآخي المسيحي الإسلامي الذي عُرفت به برقة على مدى الأيام. فرحت كثيرا عندما رأيتهم، وخاصة نصرات معلم، المذكور هو وإخوانه في الجزء الثاني من كتابي، وهو الذي جاء خصيصا من رام الله لهذا الغرض».
سلامٌ على روح د.سميح مسعود، وسلامٌ على حيفا التي أحب، وعلى برقة التي وثّقها وعشقها، وعلى مونتريال التي حوّلها إلى منصات للذاكرة والكرامة والشموخ الفلسطيني. وختاما أكرر أمنيتي أن تخصص جمعية برقة في عمان رواقا باسمه يضم بعض مقتنياته الأثرية التي وضع بعضها في كتابة «متحف الذاكرة الحيفاوية».