واحة الايمان 22 رمضان 2026

تاريخ النشر : الخميس 12:00 12-3-2026
No Image

التغافل.. ذاك الخُلُق المطلوب

بين العزلة عن الناس والمخالطة لهم بون شاسع، ومن اطلع على كثير من النصوص الشرعية، يجد أنّها ترغب بهذه أحيانا وبهذه أحيانا أخرى.

وتأتي الخلطة بالناس أكثر فاعلية وأعظم أجرا، ولكن لا بدّ من أمور حين مخالطتهم، ومنها: أن تتعلم منهم وأن تعلّمهم، وأن تسترضيهم وأن ترضيهم، وأن تتقرب إليهم كلّ ذلك وغيره مما يكون فيه قربى من الله تعالى، لك ولهم.

ومن مستلزمات الخلطة بالناس: (التغافل) فلا تدقق في الحسابات معهم، فهم بشر وأنت بشر، وطلب الكمال من أحد مُحال.

فيأتي خلُق التغافل ليكوّن العقلَ الناضج، ويجعل من صاحبه أكثر سعادة منه لو أنه تعقّب كلَّ شاردة وواردة، بل وقد يتجاوز الأمر إلى حكمه على الآخرين بما يحقق الخصومة بينه وبينهم.

ويتحقق بالتغافل ما لا يتحقق بغيره من الأخلاق، لذا يقول ابن القيم عن الفتوّة، وهي درجة عالية تتضمن العديد من المقامات كالزهد والورع وحسن الظن، فيقول:

(قَالَ: وَهِيَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: تَرْكُ الْخُصُومَةِ. وَالتَّغَافُلُ عَنِ الزَّلَّةِ، وَنِسْيَانُ الْأَذِيَّةِ). فهذه الثلاث تتمحور بالأصل حول التغافل، لأجل ذلك قال العلماء: (كان يقال: من رضي من الناس بالمسامحة طال استمتاعه بهم). وهذه المسامحة مرافقة للتغافل عنهم.

ومع أن التغافل لا يعني عدم التذكير بالذي هو خير، ولا يعني ترك الزجر عن المنكر، بل إننا لو تركنا الناس حتى أنفسنا من غير نهي عن ارتكاب الزواجر والكبائر، لغَدا المجتمع متمزق الجوانب، بل التغافل يكون لو أن أحدهم آذانا وآذى شعورَنا، أو كادَ لنا بما يضرّنا، ونجانا الله مما كاد لنا به، فلنتجاوزه ولا نجعله شغلنا الشاغل، ولنتفرغ للذي يرقي مراتبنا عند الناس وعند ربّ الناس، كما أن الذي آذانا قد يهتدي وينقلب إلينا صديقا حميما.

كما أن التغافل يرأب صدوع المجتمع، فينبه حكيم من حكماء العرب، أكثم بن صيفي، فيقول: (من تشدّد فرّق، ومن تراخى تألف، والسرور في ‌التغافل). وهذه التي يقولون فيها: لا تكن قاسيا فتكسر ولا لينا فتُعصر، ومن كانت هذه حاله فهو إلى خُلُق التغافل أقرب.

ويرشدنا أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، بأنّ الصحبة الصالحة مطلوب فيها التغافل، فيقول: (شرط الصحبة إقالة العثرة، ومسامحة العشرة، والمواساة في العسرة). فإقالة العثرة هي عنوان التغافل الأول.

ومما لا بدّ أن نتيقظ له، أن المتغافلين عن أخطاء الآخرين، والذين يقيلون عثرات الكرام من الكرام، وهم ممن يجب أن نحترمهم جدا، ونعزز وجودهم في المجتمع.

وقد قال القائل:

مددت له ستر ‌التغافل بيننا … وأعرضت عن أشياء عندي علومها.

فهم على دراية بكيد الكائدين وحسد الحاسدين، وما يرونه مما يعد لهم من وراء الكواليس أكثر مما يظنّ أولئك الذين يحيكون في الظلام ما لا يحكون ويقولونه أمام الناس، إلا أن الله أعطى أناسًا نفَسًا عاليا ونفوسا عالية، فتمتعت بخلق التغافل.

وهذه الأيام وأمة تتنامى

على مرّ السنوات والأمة الإسلامية تعيش على وقع معارك كلما خبت منها معركة هنا اشتعلت أخرى هناك، حتى لا يكاد يمضي يوم إلا وتصاب الأمة في عضو من أعضائها، وتشتعل آلام الفقد والوجع والشتات من ناحية من نواحي البنيان الذي هو بنيان مرصوصا، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر.

الأمة هي الأمة، التي تتنامى بالهمة من أفرادها جذوة الخير والرحمة والإصلاح ولن تمت، فظروف العالم وتغيراته تستعصي على الأمم القوية المتشابكة، فما بالك بأمة تماسكت بأرواح سامية بكتاب ربها ومنهج نبيها صلى الله عليه وسلم، ويطل عليها رمضان كل عام فيزيدها ألفة ومحبة.

فهذه الأيام تعصف بالأمة عواصف التقلبات العالمية، وأمتنا وإن واجهت الأيام العصيبة الشديدة عليها، لكنها ليست بأشد مما مر بها عبر التاريخ، فقد عانت الأمة عبر تاريخها من أهوال أشد وأعظم، سفكت فيها الدماء، واستبيحت فيها الحرمات، ثم نهضت من بعد ذلك وأعلت بنيانها من جديد.

بل إن من عوامل الوحدة والنصر والاجتماع المواتية اليوم ما هو كفيل بإنجائها وإعادة كلمتها ووحدتها، ولعل أهم عوامل الإنجاء هو هذه النكبات نفسها، فالمنحة في المحنة، وكل نكبة منها هي منحة تجتمع فيها قلوب أبنائها على نصرة إخوتهم، ودعم وحدتهم وتداعيهم على الإصلاح والتكافل، فقد شكلت هذه النكبات نضجا ووعيًا لدى قادة الأمة وشبابها، ودفعا لمد أواصر الترابط والتواد والتراحم، ومهما انسدت آفاق السياسة والاقتصاد فإن أواصر الانتماء والولاء قادرة على إصلاح كل قطيعة وخصام بإذن الله.

ويأتي دور هؤلاء القادة والدعاة في إحياء خطاب الوحدة وجمع شتات الأمة حول ثوابت التقارب والتضامن، وسد كل ذريعة من شأنها بث روح الفرقة والانهزام والتشتت في الأمة.

فروح الأمة في قادتها وعلمائها، ونهضتها في شبابها، فطابت الروح وهمة الشباب، وحي على الفوز والصلاح.

سعاد عبدالله دعوب

أستاذ الشريعة ـ الجامعة الأسمرية ـ ليبيا

إضاءات من السنة النبوية

عَنِ أبي محمد الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بن أبي طالب سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَيْحَانَتِهِ رضي الله عنهما قَالَ: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ، وقال التِّرمذِيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

من الورع في الدين، أن يبتعد الإنسان عن أمر رابه، ويبدأ هذا في الأمور الأقلّ حظًّا بالاهتمام، فكلمة يظنها الواحد منا عابرة، ولكنها قد تجرح مشاعر الآخرين، فمن الإيمان تركها، ولقمة يخاف أحدنا أنها تكون من حق الآخرين من الورع تركها، ونظرة يظن بها أحدنا أنها ستهتك سترا لآخر ينبغي العزوف عنها.

وفعل الشيء على وجه التأكد هو المطلب الأساس في النجاة، والخوف يكون من الكبائر نعم، غير أن مداخل صغار الأمور إذا استهان بها المرء أودت به إلى الكبائر، ومضمون التحذير في هذا الحديث يدور في فلك الورع والورع باب واسع للوصول إلى التقوى.

فضل قيام ليلة القدر

قيام ليلة القدر، التي نزل فيها سورة من كتاب ربنا تتلى إلى يوم القيامة، بل إن أول نزول القرآن الكريم على قلب سيدنا محمد كان في تلك الليلة العظيمة.

ما من شكّ أنّ المسلم ينتظر مكافأة على ما قدم وبذل من طاعات على امتداد الشهر، ومع أنّ الطاعة هي حقّ لله تعالى، وأننا لا نؤديها إلا بفضله وحوله وقوته سبحانه، إلا أنّ الفطرة الإنسانية والجبلّة التي نعيش عليها، نشعر بالسعادة إذا كانت المكافأة، وما الجنان التي نشتاق إليها إلا من ذلك الجانب.

غير أن أعظم مكافأة يتمناها المسلم في دنياه على امتداد عمره: أن يوفق لقيام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، رجاء المغفرة وعظيم أجرها.

كما أنها إحدى أهم نوافذ الرجاء على امتداد الزمان.

اللهم وفقنا لقيام ليلة القدر، واجعلنا فيها من العتقاء من النار، واجعلنا من أهل فردوسك الأعلى.

في رحاب آية كريمة

قال الله تعالى:

«قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (الزمر: 53)

عدم القنوط من رحمة الله، يؤدي إلى قطف ثمرات يانعة لحُسْن الظن بالله تعالى، وذلك له أصناف من السعادة منها:

* راحة البال: ما أطيب قلباً يبيت خالياً من الظنون، ممتلئاً بالعذر، عامراً بحب الخير للناس! فحُسْنُ الظن راحةٌ للقلب قبل أن يكون إنصافاً للناس.

* فتح القلوب: من أحسن الظن بالناس، أهداه الله قلوبهم؛ فسوء الظن يُغلق الأبواب والقلوب، وحُسْن الظن يفتحها.

* الطمأنينة: من أحسن الظن عاش مطمئناً؛ لا تُعذّبه الشكوك، ولا تقتله التأويلات، ولا يُرهقه تتبّع النيات.

* تماسك المجتمع: حُسْن الظن يبني جسور الثقة، ويُقوِّي روابط المحبة، ويجعل البيوت عامرةً بالود، والمجالس مفعمةً بالألفة.

ومن مشكاة الحكمة والوحي، يتشكل حسن الظنّ بالآخرين، حينما تكون الإيمانيات قوية بحسن الظن بالله تعالى

فحُسْن الظن بعبادالله هو امتثالٌ لأمر الله، يقول الله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ

فالمؤمن مأمور أن يحفظ قلبه من الظنون، وأن يُحسن بإخوانه الظن ما لم يظهر خلاف ذلك ببينةٍ واضحة. وهو حفظٌ للمجتمع من التمزّق؛ فكم من علاقةٍ هُدمت بسبب ظنٍّ سيئ! وكم من أخوّةٍ دامت لأن صاحبها قال: «لعلّ له عذراً لا أعلمه».

حُسن الظن عبادة قلبية لا يطّلع عليها إلا الله، يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): «لا تظننَّ بكلمةٍ خرجت من أخيك شرّاً وأنت تجد لها في الخير محملا»ً.

ويقول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك».

ويقول الإمام الشافعي (رحمه الله): «من وعظ أخاه سرّاً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه».

فحُسْنُ الظن ليس غفلةً ولا سذاجة، بل هو سموٌّ في النفس، ورُقيٌّ في الأخلاق، وثقةٌ بأن الخير هو الأصل في عباد الله. فلنربِّ قلوبنا على سلامة الصدر، ولنُعوّد ألسنتنا على العذر؛ فمن طاب قلبه طابت حياته، ومن صفا صدره صفا عيشه.

الدكتور/ أحمد حمام- أمريكا

عضو رابطة علماء الأردن

ابتهال

اللَّهُمَّ احفظنا بحفظك واكلأنا برعايتك، واجعل بلادنا بأمن وأمان، ومودة واستقرار، وأبعد عنا النفاق والشقاق.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِنَ الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا اِسْتَغْفَرُوا، وإذا أُنعم عليهم شكروا، وإذا قرأوا القرآن تدبّروا.

اللَّهُمَّ ارزقنا القيام في ليلة القدر واجعلنا عندك من المقبولين، ولا تجعلنا عن بابك من المدحورين، واجعلنا من عتقاء هذا الشهر من النار، واجعلنا من أهل الجنة الأبرار.. يا عزيز يا غفار.

اللَّهُمَّ إِنِّا نعوذ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَضَلَالَةِ الْعَمَى وَمِنَ الْفَقْرِ إِلَى بَنِي آدَمَ إلا الصالحين منهم، ونسألك أن نكون عونا على الصلاح، وأداة للإصلاح، وارزقنا السماحة بالقول وطيب المعشر والكلام.

وارزقنا ما يكفينا، وما يمنع أذى العداء والأعداء يا ربّ الأرض والسماء.

اللهم ارضَ عنّا وعن والدينا ومن له حقّ علينا، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }