واحة العلماء
موقعة بدر.. درسٌ ينير الدروب والقلوب
(2/2)
لقد استنار البدر ليلة السابع عشر من شهر رمضان، وما أن أشرقت شمس ذلك اليوم، فإنها لم تغِب منذ ذلك اليوم، فقد استنار الزمان والمكان ببدرٍ، وما تحقق فيها من نصـر لشعلة الإيمان التي لم ولن تنطفئ، كيف وهذه الأمة الخالدة كان ويوم الفرقان يوم التقى الجمعان، فيصل بين الإيمان والطغيان.
والتحم الصفّان.. من المهاجرين الذي تركوا كلّ شيء لصناديد قريش بمكة، وهاجروا بدينهم ليس لهم ذنب إلا إيمانهم: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلَى نَصْـرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله...( (سورة: النّور:40). وبين قوم أبوا على أنفسهم إلا العناد، وقطع المئات من الأميال، فكانت النتيجة الخيبة والخسران وإلقاء جثثهم في بئر قديمة قرب ماء بدر، فعن ابْن عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: (اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ، فَقَالَ: «وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لاَ يُجِيبُونَ»).
لقد انتهت بدر ولن تنتهي دروسُها، فما بين التضحيات الاستثنائية، كما حديث مع سعد بن خيثمة بن الحارث يكنى أبا عبد الله، أحد نقباء الأنصار الأثني عشر. شهد العقبة الأخيرة مع السبعين. ولما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى غزوة بدر قال له أبوه خيثمة: إنه لا بد لأحدنا أن يقيم، فآثرني بالخروج وأقم مع نسائك. فأبى سعد وقال: لو كان غير الجنة آثرتك به، إن لأرجو الشهادة في وجهي هذا. فاستهما فخرج سهم سعد فخرج فقتل ببدر.
فأيّ تفانٍ لأجل نشر الإسلام الحق، والوقوف في وجه المعاندين من أهل العناد والشرك من أعداء الدعوة إلى الله تعالى.
لقد كانت بدر غزوة صدّ فيها النبيّ صلى الله عليه وسلم، عداوة المعتدين، كما أنها أثلجت صدور قوم مؤمنين، فلم يلبث المسلمون إلا وقد اشتدّ عودهم، وبدأوا في مواجهة الباطل، وما انتهى القرن الأول من عمر هذه الأمة إلا وميلاد أمة تتربع على أعظم جضارة إنسانية، حققت موازين العدل، وإن كانت تقاصرت يوما إلا أنّ مآذنها ستبقى شاهدة على حياتها، وبدر شاهد على نورها المبين.
فتاوى
شهر رمضان… شهر تتجدد فيه الأرواح وتسمو القيم في بناء مجتمع متوازن (2/2)
د. عبدالسلام أبو سمحة
أستاذ مشارك – كلية الشريعة جامعة قطر
تأتي الرسائل التربية النبوية لتكشف لنا أسرار الصيام، والذي يحمل من التوجيه من يتجاوز فيه المرء ظاهرية الصيام إلى عمق الرسالة التربوية، فما حاجتنا لجائع في جسده وبدنه، وبكون مفطرا في نهاره بقول الزور والعمل به.
فما أعمقها من رسالة تربوية قال فيها حبيبنا المصطفى: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» إنها قيمة الانضباط التي فرضتها مدرسة الصيام، إذ وصى بها الحبيب المصطفى للصائم: «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم»، مما يتصنع لدينا أنموذج الرفق المجتمعي الذي نحتاجه في كل شؤوننا.
فالرفق الذي يستوعب فيه الإنسان أخطاء أخيه الإنسان، وكلنا صاحب خطأ، فيمتص الصائم غضه ويكظم غيظه، ويتحول الفرد إلى حصن للأخلاق، فيقي لسانه من الفحش، ويسمو قلبه من الغل، فيصبح المجتمع أكثر صفاءً ورحمة.
ولعل من أجمل الصور في الصيام وشهره المبارك، تلك الروح حينما تسري في الأمة فتذكرها هويتَها الجامعة، وتنتشي النفوس سعاجة وهي ترى موائد الرحمن، وصفوف العبادة والطاعة، فحين تمسك الملايين على صوت واحد ينادي: الله أكبر الله أكبر. معلنًا بزوغ فجر يوم جديد، وتفطر على ذات الصوت حيث يُعلن عن غروب شمس ذاك اليوم، ما أجملها من ساعات تجتمع فيها الملايين للصلاة والتراويح وتلاوة القرآن الكريم، بعد أن اجتمعت على موائد الطعام في مواكب أسرية مهيبة تعزز الشعور الأسري، وتقوي الروابط الوجدانية، فتعزز أواصر الهوية الدينية الجامعة للأمة أفرادًا وأسراً ومجتمعات ودولة متعددة، فنحن أمة واحدة وحدها الدين وعززت العبادات من هويتها وثقافتها فالله الله ما أجملها من عبادات.
إضاءات من السنّة النبوية (2/2)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا»، وَقَالَ تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ» ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ؟».
يأتي الربط من الوحي الكريم، بين سلسلسة متناهية في الدقة والوصف العميق، فما بين الأمر الذي أمر به المرسلون من ربّ العالمين، يؤمر به المؤمنون، ففي ذلك معان باهرات، وتزكية للمتقين المقتدين.
ثمّ ما بين الأكل والشرب المعتاد تناوله، نجد الرابط بينه وبين عمل الصالحات، فمع أنّ الأمر قد يسوقنا إلى أنّ الذي لا يكل من الطيبات لن يقبل منه عمل صالح، وخصوصا إذا تغذى على غير الطيب.
وأما الأمر الاستثنائي، هو ذلك الإنسان الذي يظهر عليه علامات الزهد، وأنه يطوف البلدان في السفر وقد يكون سفره للحج أو العمرة أو غير ذلك من الطاعات، فيرفع يديه يبتهل، وحاله في أصله حالٌ تقبل فيها الطاعات، إلا أنّ مانعا طرأ فمنع إجابة الدعاء، وهذا المانع: تناول الطعام والشراب من مصدر المال الحرام.. نعوذ بالله من أكل المال الحرام.
في رحاب آية كريمة
قال الله تعالى:
(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) سورة: الحاقّة.
يخبرنا القرآن الكريم عن نجاة سفينة نوح، التي كانت تقلّ آباءَنا الأولين الذين ركبوا السفينة مع نوح عليه السلام، وقد جاء في علم الأنساب، أنه لم يبق سوى ذرية نوح عليه السلام، وفي هذه الآية امتنان على كلّ البشرية، يوم سلّم الله نوحا ومن معه من الطوفان الذي ملأ الأرضَ. «أُذُنٌ وَاعِيَةٌ» أي: سمعت فحفظت فانتفعت بما سمعت وحفظت، والوعي يدور في فلك ذلك كلّه وتحديدا الانتفاع بما نسمعه من معلومات.
فأين نحن من الانتفاع بما آل إليه من آمن وركب السفينة، ومن أوى إلى جبل يعصمه من الماء ولا عاصم من أمر الله إذا جاء.
وهذا الخبر يأتي ليكون عبرة لمن سمع قصته، ولأجل أن ننتفع بتفصيلات القصة.
ابتهال
اللهم اجعلنا ممن استغاث بك فأغثتَه، ودعاك فأجبتَه، وتضرَّع إليك فرحمتَه، وتوكل عليك فكفيتَه، واستعصم بك فعصمتَه، ووثق بك فحميتَه، واستهداك فهديتَه، وانقطع إليك فآويتَه، واستنصر بك فنصرتَه، وتاب إليك فقبلت منه توبتَه، وأناب إليك بعد ذنْبه فرحمت عَبرتَه، واجعلنا اللهم لنعمائك من الشاكرين، وعلى الداء من الصابرين، وعن الذنْب من المستغفرين، وأدخلنا بعفوك يا كريم في رحمتك وأنت أرحم الراحمين.
اللهم اغفر لنا وأنت خير الغافرين، ووفقنا لقيام ليلة القدر واجعلنا فيها من المعتقين من النار، وأدخلنا الجنّة مع الأبرار.نحن ووالدينا وذوينا ومن له حقّ علينا آمين.
وصلِ الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى جميع النبيين والمرسلين، وسلام الله عليه وعليهم وعلى عباده الصالحين.