نبيّ الرحمة وأُمّةُ الرّضا والرُّضوان
لقد امتنّ الله علينا يوم هدانا وجعلنا مسلمين، فتلك الهداية هديّة من ربّ العالمين، ولو أردنا أن نعدد مآثر هذه الأمة ومزاياها وفضائلها، لانقضى الزمان ونحن لم ننته من تعداد تلك الفضائل، فيكفينا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنّ معجزته خالدة إلى يوم الدين، وأنه الشافع المشفع، وحامل لواء الحمد يوم القيامة، ونحن له تبع والأمم من بعدنا تبع.
وأما شريعة الإسلام، فهي دعوة إلى الرحمة والتراحم، فمن رضيها فله الرضا، ومن أقبل عليها قبلَ الله عملَه وكتب أجره، كما أنه لا طريق إلى الله تسير بالعبد إلى الرضا والرضوان، إلى من خلال النبيّ العدنان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وحتى نتعرّفَ على قيمة الرحمة، ونعززها وجميع القيم والفضائل وسمات الخير، دعونا نعيش مع حديث شريف ورد في صحيح مسلم: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: }رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي{ إبراهيم: 36 الْآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: }إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ المائدة: 118، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي»، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟» فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: » يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ»).
فنبيّ الرحمة عليه السلام، يبكي ويلهج بالدعاء إلى ربّ السماء، ويناجيه سبحانه ويستغيثه، بأن ينجي قومه حاضرهم وغائبهم إلى يوم القيامة، وما هي إلا أن جاءت الإجابة من الله العليّ الكريم الكبير سبحانه: (» يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ").
فأين نحن من التواصي بيننا، لإيجاد المحبة بيننا في أعلى مراتبها، ونتواصى بأنفسنا خيرا، ونتكاتف ونحن نسير في ركاب أمة الخير، وناواصى على فعل الخير أينما كنا وحيثما وجدنا.
الزاد.. في السفر إلى الله تعالى
إذا كان أحدنا على طريق سفر فإنه يتأهب له بأشدّ التكاليف، وإن تباعدت مسافات السفر كان الاستعداد أكبر. وإذ إننا في سفرنا إلى الله تعالى، ينبغي أن نعيش على أهبة الاستعداد، ذلك أننا في دار الإقامة ننتقل إلى دار المقامة، ومن دار الارتحال إلى دار الانتقال، ومن دار الفناء إلى دار البقاء.
وفي سفرنا إلى الله سبحانه لا بدّ من الزاد، وأمّا ما هو ذلك الزّاد، فإنه يتمثل بفعل الخيرات في هذه الحياة الدنيا، ولقد جاء بيان الزاد في آية كريمة، وذلك في قوله تعالى في سورة البقرة: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)(.
ولعلّ قدوم مواسم الخيرات على مدى اليوم والليلة من صلوات الفريضة، وصلاة الجمعة من كلّ أسبوع، وكذا من كلّ عام مواسم الصيام والزكاة والحجّ، من فرائض الإسلام، وما يتخللها من عبادات وطاعات، فذلك كلّه يكون مما نفعله من خير، وأنّ الله عليم بكلّ ما نفعله من الخير، ويؤدي فعل الخير حتما إلى التقوى. ومن هنا تكون التقوى كلمة تدلنا على ثمرات فعل الخيرات، والتقوى هي الزاد يوم نكون في عقبات يوم القيامة، فهي السبب في ظلال عرش الرحمن يوم لا ظلّ إلا ظلّه، وهي المنجية من شدائد الحساب يوم الرجوع إلى الله ومراجعة أعمال الدنيا.
فما أجمله من دينٍ عظيمٍ!!. ونحن نعيش الوجدان الحقيقي الذي يسوقنا وفدا إلى الرحمن، ويحضنا على فعل الخيرات على امتداد أعمار الأمة زرافات ووحدانا.
كما أنّ التقوى ما وقر في القلب، فقد يكون الإنسان غنيّا وتقيا، فالغنى لا يمنع التقوى عن صاحبه، وقد أورد الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن البصري مقولة عجيبة: (...، خَالِدُ بْنُ شَوْذَبٍ قَالَ: رَأَيْتُ فَرْقَدًا السِّنْجِيَّ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ فَأَخَذَ الْحَسَنُ بِجُبَّتِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ فَرْقَدٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً: «إِنَّ التَّقْوَى لَيْسَ فِي هَذَا الْكِسَاءِ إِنَّمَا التَّقْوَى مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ وَالْفِعْلُ»)
أجر تفطير الصائمين.. وموائد الرحمن
لقد نبّه السادة العلماء على أهمية تفطير الصائمين من خلال الدعوات لتناول الإفطار، أو من خلال موائد الرحمن التي تكون للجمع الغفير من الناس، وهنا ننبه على عدة أمور:
أولا: الأجر العظيم الذي يناله من فطر صائما، حتى يصل إلى أن يأخذ أجر صيام يوم كامل.
ثانيا: من فطر صائما: يشترط في ذلك التفطير لينال أجر الصائم، أن يكون الإفطار مما يمكن الصائم من صيام اليوم التالي، يعني التفطير على تمرة وكأس من الماء ليس هو المعني في الحديث الشريف.
رابعا: تفطير الناس على ما تيسر من ماء وتمرات وغيرها مما يقدمونه الناس على الإشارات وفي المساجد، فذلك له أجر عظيم وهو سنة حسنة، وقد يكون مما يجعل الإنسان يتفيأ ظلال صدقته يوم القيامة.
خامسا: عمل الإفطار لشرائح المجتمع كاملا فيه أجر عظيم، فمن قدم الإفطار للأغنياء أو للفقراء، وللأصدقاء أو لغيرهم، فأجره عظيم وكلهم أصحاب حقّ على الإنسان وكلّ بقدره.
سادسا: تعد موائد الرحمن التي تنتشر في زماننا هذا من السنن الحسنة، وجميل فيها أن نتنافس فيها على فعل الخير، كما أن فيها من المعاني الإيمانية الشيء الكثير، وهي من الخير الوفير في هذه الأمة الذي لا ينقطع.
مناجاة
اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لك رضى علينا فإننا لا نبالي، فيا ربنا ارضَ عنا واكتب لنا الخير حيث كنّا، ويا ربنا قرّبنا إليك، وجنّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واحقن دماء المسلمين والأبرياء في كلّ مكان.
اللهم اجعل لهذا الوطن سياجا يحميه، وسواعد مخلصة تبنيه، وعلما نافعا يرقّيه، واجعل لنا في شهر القرآن نوافذ الخير مُشْرَعةً وأبواب الخيرات مفتحة، واجعلنا من أهل جنة الخلود، ومن أهل السعادة في الدارين، واجعل هذا البلدَ آمنا مطمئنا إلى يوم الدين.. آمين.
فتاوى
إضاءات من السنّة النبوية
عصمة الدماء والأموال وحقُّ الإسلام
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( قَالَ: "أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى" ). متفق عليه.
هذا الحديث الشريف ضمن الأحاديث الأربعين النووية، التي جمعها الإمام النوويّ وعدّها ضمن الأحاديث التي يدور عليها رحى الإسلام ومهماته الجسام وقضاياه العظام، ولأجل ذلك اهتم العلماء من بعده بتعلم وتعليم وشرح هذه الأحاديث.
ففي هذا الحديث ألفاظ دقيقة، مما ينبغي على المسلم أن ينتبه إليه، فمع شهرة هذا الحديث الشريف، إلا أننا نجد كثيرين يتناولون هذا الحديث على غير منواله، فما بين من يدعي أنّ الإسلام انتشر بالسيف، وآخرون يريدون أن ينشروا الإسلام بالسيف، والحديث بريء من هؤلاء وأولئك.
فهذا الحديث يخبرنا فيه النبيّ صلى الله عليه وسلّم، أنه جاء لينشر دينَ الله تعالى بين الناس، وأنّ هذا الدين يقوم على الشهادتين وأركان الإسلام. ولأنّ هناك من كان يعبد الأصنام، ويمنع من تبليغ د ين الله تعالى، قال حينها: أمرت أن أقاتل الناس. وفي قوله: أقاتل الناس ما يفيد المفاعلة، يعني: أنّ من قاتلني قاتلته حتىأبلغ رسالات ربي.
إذن.. حينما يفهم البعض أن الحديث يقول: أقتل الناس. فقد ذهب إلى عين الخطأ وابتعد عن الصواب.
لأجل ذلك علينا أن ننبه، أنّ الفتوحات الإسلامية لم تأت بالسيف، وأنّ المقصد تبليغ الرسالة، فإن حصل بأي طريقة كان تبليغا، كما أننا وبعد زمن الفتوحات، وبعد إقامة الحجة على الناس، وبعد تكوين جسد الأمة، علينا أن نكون حريصين على أن ننفع البشرية بهذا الدين واستغلال المساحات المتاحة لنشر دعوة السماحة إلى العالم، كما في استخدام التقنيات ووسائل التواصل لتوصيل الكلمة الطيبة للآخرين.
في رحاب آية كريمة
قال الله تعالى
(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا) (سورة الفرقان: 3).
قد يتعجل الإنسان على نفسه، ويتناول فكرة ما ويتخذها منهجا في حياته، وقد تصل العجلة فيه إلى أن يصنع لنفسه صنما يعبده، وهذا الأمر الذي كان منتشرا قبل مجيء الإسلام، ولأنه ما زال منتشرا أيضا، فلا بد من أمرين: الأول أن يحمد اللهَ كلّ من هداه الله إلى عبادة الخالق الذي خلَقَ ورزقَ، الذي يملك الضرَّ وانّفعَ وبيد الخيرَ كلَّه.
الثاني: أن تستمر دعوةَ الناسِ ليعبدوا ربّ الناس، بمنهجٍ سليم سويّ.
فانظر إلى الآية الكريمة، وهي تدعو إلى عبادة الله وحده، وهي تعطي البراهين والأدلة على ضرورة التزام تلك العبادة، فالله الودود إلى عباده يتعبدَهم ويأمرهم بطاعته وهو يتودد إليه، فحريّ بنا أن نتودد إلى عباده ونحن ندعوهم لعبادة ربّ العباد سبحانه، وننظر أيضا كيف جسّد النبيّ صلى الله عليه وسلم المنهج القرآني في الدعوة إلى الله تعالى بالخير والكلمة الطيبة والدعوة الحسنة.