الهندسة »الرمضانية« من ترميم العلاقات إلى إدارة الزمن
د.عبدالسلام أحمد أبوسمحة
كلية الشريعة بجامعة قطر
تستمر رحلة «هندسة الذات» في مدرسة الصيام لتنتقل من إصلاح الفرد إلى ترميم النسيج المجتمعي. فنجاح البناء الذاتي لا يكتمل إذا بقيت علاقات الفرد المحيطة به متصدعة، ومع إقبال شهر رمضان، الشهر المبارك يبدأ بأيامه المباركات، وما فيه من الطاعات، يفرض حالة من «الشمولية» في حياة المسلم، بحيث لا يكتفي بتغيير السلوك الفردي، بل يمتد ليشمل الفكر والعلاقات الإنسانية والاجتماعية.
فبالهندسة المجتمعية والتعاطف يتحول الجوع في رمضان من إحساس جسدي إلى «نافذة عاطفية» لفهم معاناة الآخرين؛ فهذه الهندسة الوجدانية تحدث فيها تغيرات إنسانية إيجابية؛ تعزز التعاطف الإنساني شعورًا بحالات أهل الحاجة، وتدفع نحو تهذيب التعامل مع الناس عبر الصبر والعفو وحسن الظن بالآخرين، كما أنها تعيد لمّ شمل الأسرة/ الأُسَر على مائدة واحدة وفي وقت واحد، مما يعيد هندسة العلاقات التي تشوهت بفعل صراعات الحياة اليومية.
فسلامة الصدر ونقاء النفس هما أساس الاستقرار النفسي والاجتماعي الذي تزرعه هذه المدرسة المباركة.
هندسة الوقت ونفيُ وهَمِ «الانشغال»:
إنّ مِن أهم مكاسب هندسة الذات في ظلال مدرسة الصيام هو يكمن في إعادة تعريف قيمة الزمن؛ رمضان يفضح وهم «لا يوجد وقت»؛ ففيه نجد متسعاً للقيام والقرآن والصدقة وصلة الأرحام رغم أعباء الحياة، فلا نعاني فيه من قلة الوقت بل نشعر فيه بلذة بركته، لنستوعب تماما أن ضيق الوقت الذي كنا نتعذر به ما هو إلا حالة من ضبابية الأولويات.
يأتي الصيام ليعلمنا أهمية الانضباط الزمني الدقيق بالثانية حيث الإمساك والإفطار، كما أنه تدريب لنا على احترام المواعيد في سائر شؤون حياتنا، فنخرج من رمضان وقد تعلمنا قيمة «الدقيقة» وفنّ إدارة الأولويات، ومن حظي بذلك فقد كسب كسباً وفيرا وفاز فوزاعظيماً، فاجعل من صيامك مخططاً لحياة أرقى، تخرج منها أقرب إلى خالقك، وأكثر نفعاً لمجتمعك ووطنك وأمّتك، بل وللإنسانية جمعاء.
البيعة.. بين الدين والسياسة
د. غيث هاني القضاة
باحث في الفكر والفقه الاسلامي
يكثُر في التاريخ الإسلامي القديم والحديث، تداولُ مأثوراتٍ نبويةٍ تتصل بمواضيع من حياتنا اليومية، من ذلك: "البيعة"، فيتم تداواها لا بوصفها جزءًا من سياقها الشرعيّ فحسب، بل باعتبارها أداةً جاهزة لاستجلاب السمع والطاعة، ويقابلها عباراتٌ شديدة الوقع مثل "الميتة الجاهلية" للتشنيع على من فارق الجماعة أو مات وليس في عنقه بيعة، مع أنّ الخلاف السياسي أو الاعتراض المدني، ليس من الخروج من الدين لمجرد اختلاف وجهات النظر، ويعالج الاختلاف بالمبدأ الإسلامي العميق: "الدين النصيحة"، وهي الأداة الاستراتيجية لرأب الصدع، ومنع الزلل، وإطالة عمر الإنجازات.
ومن أبرز ما يُستند إليه في هذا الباب الحديث النبوي الذي ورد " من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية "فقد حُمِّل هذا النصّ ما لا يحتمل، حتى صار يُستعمل لتأثيم المعارضة التي تدخل في باب المناقشة لتحقيق الجودة الأعلى، وليس لنشب النزاعات، كما أن هذا الحديث الشريف الذي جاء ليؤسس للعلاقة المتينة في أمة الإسلام، ويدخل في باب: السياسة الشرعية، استخدم أحيانا – وللأسف- لتأصيل طاعة أمراء جماعاتٍ متفرقة، وبعضها متطرفة أو فاسدة، وجعل البيعة فيها واجبًا دينيًا لا يقبل النقاش، وفي ذلك ما لا يخفى من الشر المستطير، ززرع الفرقة في صفوف المسلمين.
غير أنّ قراءة الحديث ضمن سياقه التاريخي والفقهي تفتح بابًا آخر للفهم؛ فطائفة من الباحثين ترى أن البيعة الواردة في كثير من النصوص النبوية كانت بيعةً دينيةً مرتبطةً بالنبي عليه الصلاة والسلام فقط ،فهي بيعةُ إيمانٍ وانتقالٍ من الكفر إلى الإسلام، وبيعةُ نصرةٍ وطاعةٍ لرسولٍ مؤيَّدٍ بالوحي، لا بيعةً سياسية بالمفهوم الذي تريده بعض الجماعات لأفرادها ، ومن هنا يصبح الخلط بين البيعة الدينية والبيعة السياسية خلطًا منهجيًا يُفضي إلى نتائج خطيرة، منها: تحويلُ أدوات إدارة الحكم إلى قضايا عقدية، وتديينُ الصراع السياسي، ثم تكفيرُ الخصوم أو تبديعهم تحت لافتة مفارقة الجماعة!. وكلّ منهم يدعي الوصل بليلى، علما أنّ الأمر واضح، فنحن أمة لا نترك هملا، بل لا بدّ لنا من وليّ أمر يرعى شؤوننا، وهو الأحقّ بالمؤازرة، ومن أراد خدمة الدين فجماعة المسلمين تسعه وهذا الأمر إلى الهدى أقرب، وأما زرع الخلاف فهو إلى الهوى أقرب.
ويكفي أن نتأمل سلوك الجيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم لندرك حساسية هذا التمييز، فقد وقع الاختلاف السياسي في صدر الإسلام دون أن يتحول تلقائيًا إلى سيفٍ مسلط على الناس باسم الدين، حيث تَذكر الروايات مواقفَ امتناعٍ أو تأخرٍ عن البيعة في لحظاتٍ مفصلية، دون أن يُنقل أن الصحابة جعلوا ذلك ذريعةً لإكراهٍ شامل أو لعقوباتٍ دينية تُلصق بالناس، والأهم أن الخلافات الكبرى التي عصفت بالتاريخ الإسلامي لم تكن في الغالب خلافاتٍ عقدية في الأصول، بل نزاعات حول السياسة وفلسفة الحكم وآليات تدبير الدولة؛ كما في صدر الدولة الأموية، ثم انتقال الحكم إلى الدولة العباسية.
الخلاصة: علينا أن نحترم النصوص الشرعية بردّها إلى سياقاتها الصحيحة لفهمها ، والتمييز بين ما هو ديني تعبدي وما هو سياسي تدبيري، أما تطويع الأحاديث لخدمة الآراء التي تسوقنا إلى التخبط، فذلك مردود على أصحابها، وتقوى الله ينجينا من الفهم المغلوط.
فتاوى
تحريم نشر الإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي
السؤال: ما حكم نشر الإشاعات عبر وسائل الاتصال الحديثة (الوتساب، الفيسبوك، وغيرها)؟
مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة نوافذ مفتوحة بين البشر، أذابت كثيراً من الفروقات بينهم، وهدمت كثيرا من الحواجز، وهذا في جانب من جوانبه منسجم مع الفطرة الإنسانية، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) الحجرات/ 13.
ومن جانب آخر؛ فقد يُساء استخدام هذه المواقع الاجتماعية، بحيث تصير سبباً في الفساد، والإشاعات المغرضة، واغتيال الشخصيات، والطعن في الأعراض، والوقوع في الآثام.
وكذلك إشاعة الفحش والكذب على هذه المواقع، فهو أمر محرم شرعاً، ترفضه العقول السليمة والفطر المستقيمة، قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) النور/19، وهذا الوعيد لمن أحب أن تشيع الفاحشة بين المسلمين فكيف بمن يعمل على نشر الشائعات؟!
ونشر الشائعات التي يبثها من لا يهتم بأمر المجتمع وأمنه لا يجوز، بل إن القرآن وضح لنا أن إذاعة الشائعات هو دأب المنافقين، وبيّنَ لنا واجبَنا عند تلَقيِها، وعلَّمنا كيفية التعاملِ معها، وحذَّرنا من اتباع خطوات الشيطان، قال الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) النساء/ 83.
وكذلك فإن نشر الإشاعات الكاذبة من جملة الكذب، وهو محرم شرعاً، بل كبيرة من الكبائر، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/119، والرد على من يسب ويكذب يجب أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة.
فعلى المسلم - أياً كان موقعه - أن يتثبت ويتبين، فالمسلم كيّس فطن، وقد روى الإمام أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ). والله تعالى أعلم.
ابتهال
اللَّهُمَّ ما كَانَ من خير في هذا اليوم فاجعلْ لنا فيه أوفر حظٍّ ونصيب، وما كان فيه من بلاء فاصرفه عنا يا ربّنا.
اللَّهُمَّ تحفظ لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واحفظ لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واحفظ لنا آخرَتنا التي فيها معادنا، واحفظ لنا أوطاننا التي على ترابها عيش، وفيها نرفع الأذان، ونؤدي الصلوات لك يا مولانا.
اللَّهُمَّ احفظ علينا إيماننا وأمننا وأماننا، وأنزل السكينة علينا وعلى بلاد المسلمين، واحفظنا بحفظك من كيد الكائدين، وأبعد عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجعلنا ممن أقبل عليك فقبلته، ومن تقرب إليك فتقبلته، وممن أطاعك فأحببنه، وممن إذا عصاك وفقته للتوبة وتبت عليه.
اللَّهُمَّ تقبل منا الصيام والقيامَ وسائرَ الأعمال، واجعلنا يا مولانا من الراشدين، وأدخلنا جنة النعيم.
اللَّهُمَّ اجعلنا صفًّا واحدا، وأبعد عنا الاختلاف والخلاف، ووحد اللهم أفعالنا وأقوالنا على طاعاتك، ويسّـر اللهم لولاة أمرنا التوفيق والسداد في الرأي والعزيمة على الرشد، ووفقهم لكلّ خير فيه مصلحة العباد والبلاد، واحفظ علينا سماءنا وترابنا ومساجدنا وبيوتنا وأوطاننا، واحفظنا جميعا بحفظك واكلأنا برعايتك.. آمين.
إضاءات من السنّة النبوية (1/2)
»الحلالُ بيِّن والحرامُ بيّنٌ«
الدكتور محمد الزبن
عميد كلية الشريعة- جامعة الزرقاء
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ( يَقُولُ: «إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقْد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَّا وَإِنَّ حِمَى اللّه مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: 52، وَمُسْلِمٌ: 1599.
تنقسم أحكام الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أجزاء: حلال واضح الأحكام والاستدلال عليه واضح، والحرام واضح والاستدلال عليه كذلك، والنوع الثالث: المشتبهات. والنوع الأخير هو الذي ينبغي الحذر منه والسؤال عنه، والابتعاد عنه ضرورة، ومع ذلك فكثير من الناس لا يسألون عنه، وإن سألوا سألوا بعد الأخذ والعطاء، وبعد إتمام الأعمال والصفقات، وذلك أمره خطير، لما جاء في هذا الحديث: أنّ من وقع في الشبهات سيقع بالحرام، فهو بادر بفعل الشبهات من غير سؤال، وفي ذلك خطر شديد وإثم حتى لو لم تكن الشبهة حرامًا.
كما أن الشبهات تكون قولية أو عملية أو اعتقادية، ولا يجوز الخوض في أنواع الشبهات من غير دراية وعلم، ثمّ هذه الشبهات هي مما يستغني عنها الإنسان في غالب أمره، فالحلال يكفيه، وهو واضح المعالم، إلا أنّ الإكثار من الحلال الذي قد لا يكون من الضرورات هو الذي سيؤول بالمسلم ناحية الشبهات، فعليه الحذر.
في رحاب آية كريمة
قال الله تعالى:
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (15). سورة:«النُّور».
لقد كان لحادثة الإفك أثر كبير في المجتمع الإيمانيّ في العهد النبويّ، ولشدة وقعها، أعطانا درسًا عميقا في أثر الدعاوى الباطلة والمغرضة التي تكون أشدّ من وقع الحُسام في إثارة الفتنة التي تصبح أشدّ من القتل، حيث إنها قد تصبح فتنة عمياء وتتسبب بالقتل.
كلّ الذي مضى يجسد خطور الكلمة، ونزداد خطورة الكلمة "السيئة" عندما يصبح الناس أكثر حاجة للكلمة الطيبة.
ونحن في زمن تقاربت فيه العباد والبلدان، حتى أصبحت سرعة تجاوز الكلمة أسرع مما نتصوّر.
وفي الآية الكريمة، الكثيرُ من الإشارات العظيمة في منع الإشاعات، والكذب وغير ذلك مما يوحل في مستنقع الخلاف، ومن أوحل فيه عاد بالإثم على صاحب تلك الإشاعة.
وقد يعتقد بعضُ الناس أنهم ما تفوّهوا إلا خيرا، فتأتي الآية القرآنية لتوجه إ
لى أنّ الأمر عند الله عظيم، والعقاب عليه أليم، حتى لو ظنه القائل أنخ هيّنٌ ولا تبعية عليه.. وهكذا تبدأ الإشاعة المغرضة، وهي التي عنها تحذر الآيةُ الكريمةُ.