الوعي الإيمانيّ
الدكتور محمد الزبن
عميد كلية الشريعة- جامعة الزرقاء
يعدّ الإيمان بالله تعالى، مدعاة سرور وسعادة للمؤمنين، فهم يعيشون حياتهم متعلقين بربِّهم خالقِهم ورازقهم، فالله تعالى تكفل للعباد بالإيجاد والإمداد، فأوجدهم من العدم، وأمدهم بالرزق ليحيَوْا في الدنيا ويتمكنوا من أداء العبادات فيها.
وللإيمان بالله أركان ستة، هي: إيمان: بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر واقدر خيرِه وشرِّه. ولكيْ تتحقق ثمرات هذا الإيمان في حياة الفرد، فإنه يحتاج إلى إظهار إيمانه في أبعاد متعددة، وهذه الأبعاد الثلاث تشكّل ما يمكن أن نطلق عليه: (الوعي الإيمانيّ)، الذي يتشكل من أبعاد ثلاث، هي:
أولا: البعد المعرفيّ: معرفة ربّه بأسماء الحسنى وصفاته العُلَى، ومعرفة نبيّه صلى الله عليه وسلم، ومعرفة أركان الإيمان وأركان الإسلام، والتي في مجموعها تشكل: الدّين. وهذا الدين قد أتى بشرائع لا بدّ من التعرف عليها، وكلّ بحسْب حاله ومآله ومقامه ومقاله.
ثانيا: البُعد القلبيّ: وهنا تبرز أهمية النية الخالصة لله تعالى، والصدق في القول والعمل، والتقوى في اليسر والعسر، والخشية في السر والعلن، والخوف في الخلوة والجلوة، والزهد في إقبال الدنيا وإدبارها، والورع عن القليل والكثير، والصدقة في الفقر والغنى، والصبر في المنشط والمكره. وكذلك عموم الأعمال القلبية التي من خلالها يبرز على الملأ ثمرات الإيمان وحقيقته، فكلنا يعلم أنّ الإيمان في القلب، ولكنّنا كيْ نحقق البناء الإيمانيّ في أمة الإسلام، علينا أن نحقق الجناح الثاني للإيمان، وهو: تصديقه بالعمل. فلو قال إنسان أنه مؤمن، كيف لنا أن نبني أسرة، أو نقيم الجمع والجماعات، وكيف ومتى نصوم رمضان ونحجّ البيت، وكيف ولمن نؤدي الزكاة، أو ممن نأخذها، وغير ذلك من قوائم متطلبات الحياة التي لا تتحقق، إلا إذا حققنا شَرطَيْ الإيمان: ما وقر في القلب وصدقه العمل.
ثالثا: البعد السلوكي: يظهر الإيمان في حياة المسلمين على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع، من خلال المعاملات بالكلام والمال والأخذ والعطاء، وبذلك تنمو حياتنا الإيمانية وتتقدم.
ومن خلال ما تقد يتبين لدينا أهمية الوعي الإيمانيّ، الذي من خلاله نعرف ما لنا وما علينا، فنؤدي الذي علينا، ونطلب الذي لنا، وكل ذلك بالوعي وبالحسنى.
ابتهال
اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا بِمَسَاكِينِنَا، وَضُعَفَائِنَا، وَأَيْتَامِنَا، وَصَالِحِينَا، اللَّهُمَّ وهذه الدُّنْيَا لا شَيْئًا مِنها يَسْتَقِيمُ، وَلَا حَالًا مِنْ حَالِهَا يَدُومُ، فاكفنا بحلالك فيها عن حرامك، وأكرمنا فيها وأعطنا، ولَا تُكْثِرْ عَلَينا منهَا ما يُطغينا، وَلَا تُقِلَّ لنا فِيهَا ما يبعدنا عن شكرك ويُنسينا، وَاجْعَلْ رِزْقنا مِنْهَا كَفَافًا عفافا، واجعل ما رزقتنا فيها مقرّبَنا إليك، وإننا لا نُحصي ثناء عليك، فاقبلنا في عبادك واجعلنا من أوليائك.. آمين.
صفات المؤمنين بين الإنصاف والإجحاف
الدكتور محمد الزبن، عميد كلية الشريعة
جامعة الزرقاء
من خلال معارج الإيمان يرتقي المؤمنون وهم يرتلون ويتلون بالقراءة المستفيضة في النصوص القرآنية والسنّة المطهرة، نجد جليًّا صفاتَ المؤمنين، التي تتجسّد وتتمحور حول كلّ المعاني الحسنة التي عرفتها الإنسانية
بل إنّ الإسلام الممتد على رقعة واسعة من هذا العالم، وله وجود عبر أربعة عشر قرنًا ونيّف من الزمان، ليَشهد كلّ المنصفين، أنّ صفات المؤمنين حسنة، وتتبين من خلال حسن تعاملهم فيما بينهم، وحسن تعملهم مع غيرهم، ومن قال وادعى فيما قال غير ذلك فقد أجحف في حقّ الأمة.
وما أجمل!!، ما قاله الغزالي في الإحياء، يوم أجمل القول في صفات المؤمنين: (فَإِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ هُوَ الْإِيمَانُ وَسُوءَ الْخُلُقِ هُوَ النِّفَاقُ وَقَدْ ذَكَرَ الله تَعَالَى صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي كِتَابِهِ وَهِيَ بِجُمْلَتِهَا ثَمَرَةُ حُسْنِ الْخُلُقِ وَسُوءِ الْخُلُقِ )، إلى آخر ما سرد من صفات المؤمنين.
بل إنّ علماء السلوك أدرجوا من صفات المؤمنين في وقت اختلاف المؤمنين، وهنا ينبغي أن تظهر معاني الأخلاق الحميدة، فقال أبو طالب المكي في قوت القلوب: (ومن علامة التقى حسن المقال عند التفرق، وجميل البشر عند التقاطع).
وقد صدق القائل:
(فالعُودُ لو لَم تفحْ منه روائحُه ... ما فرق الناسُ بين العود والحطب).
قلت: فالفرق بين إبراز محاسن الإسلام تكمن في المواقف الصعبة لا في الرخاء فحسب.
في رحاب العلماء
شهر رمضان.. حينما نكتشف أن المنع منحة وعطاء
أ. د. عبدالكريم الوريكات / أستاذ الحديث وعلومه
كلما أقبل علينا شهر رمضان المبارك من كل عام، ازددنا تأملاً وتدبراً في شريعة الإسلام، وكيف أنّ الله لا يدعونا إلى الجوع والعطش، بقدر ما يدعونا إلى اكتشاف أسرار التشريع وحكمه البالغة.
إنّ الصيام لا يطلب منك أن تُضيِّق على نفسك، بل أن تتحرر النفس من ربقة المادة.
ولا يخفى أن ظاهر الصوم منعٌ: منعٌ من طعامٍ، ومنعٌ من شرابٍ، وكذا منعٌ من شهوة، لكنك حين تتأمله بعمق ستدرك أن هذا المنع ليس إلا بابًا إلى منحٍ كبرى: منحة الإرادة، ومنحة الصفاء، ومنحة إعادة ترتيب حياتك من جديد.
فأنت لا تصوم لأن الجوع فضيلة في ذاته، بل لأن الصوم يعيدك إلى مركزك الداخلي، يعلّمك أن تقول: " لا " حين تزاحم الرغبات، وأن تقول: " نعم" حين يناديك الواجب في زمنٍ تُصادَر فيه الإرادات بألوان الاستهلاك والضجيج.
ويأتي رمضانُ ليُعيد إليك سيادتَك على نفسك، ويُذكّركَ أنّ الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل.
وأنت تقرأ قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، تفهمْ أنّ الغاية ليست مجرد امتناع عن الملذات، بل هي ارتقاء بالذات. وليست التقوى خوفًا سالبًا، بل وعيٌ إيجابي يجعلك تعيش مسؤولاً، متوازنًا، ورقيق القلب قوي الإرادة.
من هنا يتحول الضيق إلى سَعة؛ لأنك تضبط شهوتَك، فتتسع روحُك، وتُضيّق على جسدك ساعات، فتتسع بصيرتك أعوامًا.
سترى في رمضان أمتك بصورة أجمل: مساجد عامرة، وأيادٍ متصدقة، وقلوب تتصالح بعد خصام، فهذا الشهر يكشف لك أن الخير في أمتك أعظم من كل ما يُقال عن ضعفها، ذلك أننا نملك طاقة روحية هائلة، لكنها تحتاج إلى توجيه واستدامة، فإذا كان رمضان يوقظ فينا هذا الخير أيامًا معدودة، أفلا تستطيع أن تحمله معك بقية العام؟.
تعلّم من رمضان أن كل منعٍ في حياتك قد يكون تهيئةً لمنحة، وأن كل ضيق قد يكون تربيةً على أفقٍ أوسع، هذا الشهر يعلّمك أن العسر ليس نهاية الطريق، بل بوابةُ نضجٍ جديد، فإذا خرجتَ منه أكثر صفاءً، وأكثر التزامًا، وأكثر حبًا للناس، فقد ربحتَ المعركة الحقيقية: معركة إصلاح نفسك، التي هي مقدمة إصلاح العالم.
وشهر رمضان ليس شهر انكسار، بل شهر انتصار هادئ، انتصار الإرادة على العادة، والوعي على الغفلة، والأمل على اليأس، فاجعله نقطة تحوّل، وحوِّل كل منعٍ في حياتك إلى منحة، وكل ضيقٍ إلى طريقٍ نحو الله، ونحو إنسانٍ أفضل يسكن في داخلك.
إصلاح القلب… بداية التغيير نحو الأجمل
عفاف علي اعبيدالله / مدرسة، أكاديمية وباحث، جمهورية ليبيا
يُطرح سؤال التغيير في حياة الإنسان، فتتجه الأنظار إلى تغيير السلوك الظاهر أو الظروف المحيطة بالفرد، أو أنّ الأدوات العملية في حياتنا تتطلب التغيير، وبالتالي لا يتحقق ما نتطلع إليه من نجاحات في حياتنا الشخصية، ولا على مستوى الأسرة والمجتمع.
غير أن الرؤية الشرعية للتغيير الحقيقي، تتجه نحو حقيقة أعمق، تتمثل بالإرادة الصاقة، والنية المخلصة، وأنّ منبع الخير في تغيير حقيقي نحو الخير، ويبدأ من الداخل وتحديدًا من القلب.
فالقلب هو مركز التوجيه، ومنطلق الإرادة، وبه يتحدد مسار الفكر والسلوك. ومن هنا كان إصلاحه ليس خطوة ضمن خطوات الإصلاح فحسب، بل نقطة البداية التي لا يمكن تجاهلها، كما ويتأسس في القلب بدايات كل تحول صادق ومستدام.
فالقلب من المنظور الشرعي ليس مجرد عضو جسدي، بل هو موطن الإيمان، ومحل النية، ومنبع القصد. وإذا استقام القلب استقامت الجوارح، وإذا فسد اضطرب السلوك مهما بدا في ظاهره من انتظام.
فصلاح القلب يعني: انضباط المشاعر وفق ميزان الشرع.
ويبدأ التغيير من الداخل، لأنّ الانضباط السلوكي الخارجي قد يُفرض بقوة القانون أو ضغط المجتمع. أما حين يتغير القلب، فإن السلوك ينساب وينساق طوعًا لا كرهًا، وثباتًا لا تكلّفًا.
كما أنّ إصلاح القلب يمنح الإنسان وضوحًا في الرؤية؛ فيُعيد ترتيب أولوياته، ويصحح دوافعه، ويجعله يميّز بين ما يريده لنفسه وما يريده الله منه.
ومن هنا يصبح التغيير عملية واعية، لا استجابة مؤقتة لظرف عابر، فإصلاح القلب ليس مفهومًا تجريديًا، بل له معالم واضحة، من أبرزها: تصحيح النية: بإخلاص العمل لله، وتنقية القصد من الرياء وحب الظهور. المحاسبة الدائمة: مراجعة النفس قبل الفعل وبعده، واستدراك التقصير دون يأس. تزكية المشاعر: تهذيب الحسد والكبر والغضب، وتنمية الصدق والرحمة والتواضع. الارتباط بالذكر والقرآن: لأنهما يحييان القلب، ويجدّدان فيه معاني الخشية والرجاء.
وهذه المعالم ليست طقوسًا منفصلة، بل مسارًا مستمرًا ينعكس أثره تدريجيًا على التفكير والسلوك، وهي التي تصنع الفارق في حياة كلّ إنسان يتطلع إلى تغيير سلوكات في حياته كانت قد قعدت به عن بلوغ المرام، وإن لم يبدأ بقلبه يصونه، وهمته يغيرها من الكسل إلى الهمة، فليس ثمة قمة.
في رحاب آية كريمة
قال الله تعالى:
( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) (11).
لطالما نبّه العلماء على أنّ: اتباع الهوى أخطر أسباب الإفساد، وقد أخذ المفسرون من هذه الآية ما جعلهم يحذّرون المؤمنين من ارتكاب الأخطاء الجسيمة في حقّ المجتمع.
فالآية الكريمة لا تعفو عن الذي ادعى الإصلاح في الأرض، وقد بدا للعقلاء أنه أفسد وما أصلح، وأمّا الواقع فقد نشاهد أناسًا في ظاهر أمرهم أنهم يحسنون صتعا، وأنهم بذلك يصلحون في الأرض، إلا أنّ العلماء نبهوا، على أنّ بعضَ الناس قد يتوافق عمل ما مع هواهم، فيكون العمل الذي يقدمونه تبعا لهواهم، لا لمبدإ الإصلاح في الأرض.
ونحن هنا لا نعنّف من عمل عملا صالحا وكان العمل تبعا لهواه في ذلك الحين، لكننا ننبه الجميع إلى أنّ الإصلاح في الأرض من مهام الأنبياء وأتباع الأنبياء، فلنجعل محاولاتنا في الدنيا قريبة من الإصلاح بحيث نحقق أسمى معاني المحبة للآخرين، وأصدق النيات الصافية، بعيدين في إصلاحنا عن كلّ ما يشوب سجلَّ حسناتنا أو يقللها.