إن الله تعالى، استخلقنا في الأرض لنعمرها، بالإيمان والبنيان، وهما متلازمتان، كما أن الله منّ على عباده بنعمة اللسان والبيان، وسخر لنا العقول محل التفكير والتخطيط، وجعل القلوب محل الوعي والفهم.
وفي زمان عصفت فيه التقنيات، حتى كادت تقتلع السعادة من جذورها، مع أن التقنيات جاءت لسعادتنا، إلا أنّ الإدمان في استخدامها، وما ينتابنا في كل زمان ومكان من الجري وراء السـراب، يتطلب منا أن نتبع بوصلة الحق أينما اتجهنا.
ويأتي الوعي بعد العلم والمعرفة نتاجًا لهما وبالغ الأهمية، فوقد يكون الوعي في الأمور الفطرية متولد دون معرفة ولا علم وهو الذي يقولون عنه: الفراسة.
ولكن..
مع المواقف المتعددة في الحياة، والتي تتطلب في كل وقت وحين حسن تصـرف فيها، كان ينبغي لنا أن نصنع من أنفسنا وفي عقولنا "الوعي" لمواجهة التحديات وزيادة الارتقاء واغتنام الفرص التي تحسن من علاقتنا مع الإنسان والزمان والمكان.
وحينما كان المسلم يعيش بين مجاهدة النفس، والتنافس في فعل الخيرات، وهو في كلا الحالين يحتاج إلى بعد نظر، وطول نفس وزيادة صبر، ولا يجمع هذه الأمور مثل الوعي، ذلك أنّ المؤمن الذي اطمأن قلبه بذكر الله تعالى، سيخطو واثقا، والواثق لا يكون إلا عن وعي وإدراك.
والوعي يرتبط بإدراك الشيء، والإدراك مرتبط بالعلم، والعلم مرتبط بالسؤال، في منظومة تسير بالسلم نحو التطور والارتقاء، ويحقق ذلك كلّه الانضباط بالطاعات، والتدبر بمعاني الكتاب والسنة، واغتنام النفحات الإيمانية، وأن نفزع إلى قراءة القرآن دوما وأبدا، وخصوصا إذا شعرنا بالقلوب تجافت عن القرب من باب مولانا سبحانه.
وفي الصيام والقيام مجاهدة للنفس حين مواجهة مغريات الحياة، ولكننا مع الإيمان نتخلص من عيوب النفس الداخلية، وهنا يتجسد الوعي في أبهى صوره ليخلص المسلم من هوى النفس، فبالوعي يقايس بين الوساوس وما تخلفه من طامات، وبين الإيمان وما يخلده من جنات.
ونستدرك أنفسنا بالتوبة إن انزلقنا يوما أمام الشهوات أو الشبهات مما يزينه أهل الباطل، فإن المؤمن ينظر ببصيرة الإيمان وبالوعي التام إلى عواقب الأمور فلا ينخدع من نفس الجحر مرة بعد مرة.