ربما تشاركونني الشعور ونحن نعيش عصر «الفرجة»، و استعراض الذات. حيث أصبحت الخصوصية في زماننا عملة نادرة، والستر عبئاً ثقيلًا، وفي خضم الضجيج البصريّ الذي نعايشه، والرغبة المحمومة في الظهور، يبدو الحديث عن الحياء وكأنه حديث عن لغة قديمة منسية، لكن.. أليس من المدهش أن الصيام، وهو العبادة الوحيدة التي اختص الله بها نفسه وقال «والصوم لي»، لأنّ الصوم هو عبادة «سرية»، أفلا يدعونا ذلك لاعتبار أنّ العبادة في السرّ، هي البذرة الأولى لإنبات شجرة الحياء؟.
إنه يتأكد لدينا حينما نمتنع عن رشفة الماء البارد ولا أحد يرانا سوى الله تعالى، أنه يتشكل لدينا الحياء من الله سبحانه.. ومن هنا تبدأ القصة.
فالأمر يبدو واضحاً للكثيرين، بوجود ارتباط وجوديّ مذهلٍ بين «الحياء» و"الحياة» وهذا يسوقنا إلى التأمل بأن القلب الحييّ حيّ يتأثر بالعبادة ويحيا بها، وينقبض من المعصية كما تنقبض اليد من الجمر، أما ميت القلب فهو لا يبالي بمن يراه وهو يقترف الخطايا والآثام.
فها هو رمضان المبارك، فرصة ثمينة لنسعى فيه لتقوية «الحياة» بجميع أركانها ومتطلباتها، من خلال تقوية «الحياء»، الذي يثمر في وجداننا ألفة ومحبة واستقامة، فإنه شعبة من شعب الإيمان، كما أنه عملية إنعاش للضمير الإنسانيّ في معاملاته المتنوعة.