الحمدُ لله الذي مَنَّ على عباده بمواسم الطاعات، وجعلها محطاتٍ لتزكيةِ النفوس وإقالةِ العثرات، وجعل الصيام جُنة، وكثيرُ الأجر والفضل والقُربات، والصلاة والسلام على خير البريات، المبعوث لخير الأمم قاطبة، وبعد:
فليس الصوم في حقيقته تبكيتا للشهوة بقدر ما هو تحريرٌ للإرادة النبيلة. فالجسد يجوع ساعات من النهار، أمّا القلب فيُختبر في كل لحظة بسؤال جدّ مهمّ: هل يتحرّر من سلطان الهوى؟. ومتى نسمو عن نزعات الغضب والأنانية، تتحقق فينا الغاية القرآنية الواضحة: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».
والتقوى مقامٌ قلبيّ، يثمر في العباد سلوكًا قويمًا وعدلًا في الخلق. ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به والجهلَ، فليس للهِ حاجةٌ أن يَدَعَ طعامه وشرابه). ما يوحي بهذا الهدي النبويّ إلى نقل الصوم من دائرة الامتناع الحـسيّ، إلى أفق الأخلاق الرحيب؛ فصوم اللسان عن الزور يعني: التزام الصدق، وصوم الفكر عن الظلم، فيه امتثال الإنصاف، وصوم الضمير عن الخيانة تعزيز للأمانة التي تكاد أن تكون لبَّ العبادة وروحها.
يقول الحسن البصري رحمه الله: " أهون الصيام ترك الطعام والشـراب"، لأن الامتناع الخارجي يسيرٌ إذا لم يواكبه انكسارٌ داخليّ يطهّر السرائر.
وقد لخّص هذا المعنى ابن عطية الأندلسي بقوله: إذا لم يكنْ في السمعِ منِّي تصـــــاونٌ وفي بصري غضٌ وفي منطقي صمتُ، فحظّي إذن من صومي الجوعُ والظما. وإن قلتُ إنّي صمتُ يومًا فما صمتُ.
فصوم القلب هو أن تتحوّل العبادة إلى مراجعةٍ للذات، ومحاسبةٍ للضمير، وبناءٍ لإنسانٍ أقدر على الرحمة والعدل، وحين يصوم القلب، يصبح الجسد تابعًا له، وتغدو الأيام موسم تزكيةٍ وعبادة.
وقد أشار الإمام الغزالي رحمه الله، أنّ الصوم ليس على درجة واحدة، فقال في الإحياء –مختصرا: اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الصفات الدَنِّيَة، والأفكار الدنيوية.