عندما كتب تيسير سبول روايته «أنت منذ اليوم»، سُئِل عن السبب الذي دعاه لكتابة روايته، فقال: «إنها أشياء تزعجني فأكتبها»، لكن تلك الأشياء عند الدكتور صبري الربيحات في كتابه «وكأني لا زلت هناك»، يحن إليها، يحبها، يستدعيها بحميمية، فيكتبها في كتابه السيرة، بسرد بديع، وبتداعيات صادقة، وبتتبع دقيق للتفاصيل، يستعيد فيها الجغرافية البكر، والذاكرة النابضة، والتاريخ المزدحم، فيعيد ترتيب مراحل حياته، فصولا متداخلة، وإن كان رتبها في الكتاب على هيئة أبواب مشرعة على كل مرحلة من مراحل عمره، لكن تلك الأبواب، وبتلقائية تنفتح بعضها على بعض، وكأنها أبواب داخلية لبيت شامي، تطل على نافورة قلب محب، وياسمينة عطرة، ولَمّة الأهل والأصدقاء والأحباب.
***
أول الأبواب، وأحنّها، الرحم الأول لصبري الربيحات حيث الطفيلة، الحاضرة في سرديته عن ذاته وعنها، تلك هي بلاد الجبال، تلك هي التي عندما أستَحضِرها، يَحضر معها رموز ثقافية وأدبية وسياسية، أتوقف معها عند ثلاثة وجوه تشكل مفاصل راسخة في الأدب الأردني، بدءا بمحمد بطاح المحيسن، الرائد في الكتابة والسياسة، صاحب أول النصوص المسرحية والروائية، أول المهاجرين من الطفيلة إلى أمريكا، والثاني تيسير سبول، كتب أول رواية وعمرة 28 عاما، وانتحر وهو يحلم بوشم دولة قوية، والثالث هو سليمان القوابعة، الروائي الذي لم ينل حقه وطنيا وعربيا، شفاه الله، وأظن أن الدكتور صبري الربيحات، كانت حاضرة في ذهنه تلك الأسماء التي عايشت المكان ذاته، عند كتابته لسيرته الصادقة والنابضة بالحياة والإبداع والمواقف المشرفة.
***
كتاب «وكأني لا زلت هناك»، سرد جميل صادق، يحمل في صفحاته مزجاً بين سيرة الذات والتاريخ الاجتماعي، فيه تجربة إنسانية وشهادة حية، تبدأ محطاتها من قريته عيمة في الطفيلة، ثم تتسع باتجاه فضاءت الدراسة، والتعليم، والجامعة، والسفر، والعمل الإداري والأكاديمي، والنشاط الثقافي والسياسي، مع تسجيل لكثير من التفاصيل الإنسانية، بصدقية الكاتب ودقة العالم، في سيرة تعكس رؤيته للحياة، وتعبر عن أثر المكان في تشكيل وعي الإنسان.
***
وأنا أقرأ الكتاب، وتفاصيل سيرة صبري الربيحات، لم أشعر أني محايد في تفاعلي مع فصول الكتاب، وكأنني أعيش تلك التفاصيل التي يسردها، والأمكنة التي مرّ عليها، والشخصيات التي كتبها، وكأنني معه في عيمة التي زرتها وكتبت عنها، والطفيلة التي عايشت أهلها وتتبعت سيرة حلهم وترحالهم، وفي الجامعة الأردنية، حيث درست هناك، وعاصرت وصادقت الكثير من أساتذته وزملائه فيها، كما هو الحال حين مرّ على الحياة الثقافية والسياسية، فقد عرفت وعايشت جوانب من أحداث وأشخاص تلك المحطات.
لم تكن قراءتي محايدة لـ «وكأني لا زلت هناك»، أنا أنبش بعين المحب المتفاعل مع تلك السيرة، وصبري يريد الاستمرار بفيض الحنين المشوب ببعض الأنين، لذا هو لم يتوقف نبضه المتأجج، ولذلك عَنْوَن كتابه بـ «لا زلت هناك»، هو يريد للماضي أن يبقى مضارعا، حين يعود إليه، يخطه، ينقب فيه كما عمال المناجم، عن ذهب لم يخبو ولم تداخله الشوائب، في استحضاره لأيامه الأولى والتالية، بإخلاص المؤتمن على ذاكرة تلك البلاد «بلاد الجبال»، وعيمة حضن دافئ رغم ما خطه قلمه من تعب وصعوبة عيش وقلق أحوال الناس، كل الناس هناك.
إنه يعود بحدس عالم الاجتماع إلى بئر الذاكرة الأولى، ثم يبني معمار الحياة حين كانت البيوت تحن على بعضها، والدروب تنبض بخطوات المشاة عليها، والتراب ينطق، والأشجار تتحدث، والحجارة تعبر عن طيب قلوب من بنوا منها، مع البيوت، معمار نفوس ومداميك أعراف ومرتقيات أخلاق، كلها استطاعت تشكيل صفحات أعمار نقشت بالعرق والدم والرضا والدأب في سبيل تحسين واقع الحال، إلى ما هو أعمق حضورا، وأكثر جدوى.
***
تلك سيرة وطن، خطها الدكتور صبري الربيحات، من خلال حديثه عن سيرته، كنموذج لجيل حفر عميقا قبل الوصول إلى نبع الماء الذي تخضر معه كل الأشياء، فتصير الحكاية نهرا، والأحداث أسطرا تعبر عن «ما كان»، كأنه البوصلة التي تؤشر إلى الأيدي التي عمرت ليكون ما وصل الحال إليه الآن.
***
للأرض قيمة عليا لدى صبري الربيحات، وهذا واضح من خلال ما قدمه حول عيمة، وكذلك هذا الاندفاع الحميم الشغوف بامتلاك قوشان له قرب عمان، حيث حط به القرار في قرية العالوك التي اشترى فيها وعمّر، فصارت عنوانا له في عمان، وقصة شراء الأرض فيها تفاصيل تعكس توقه وشغفه بالأرض التي تقربه من مسقط رأسه عيمة، فصارت قطعة الأرض الصغيرة مجمع الأهل والأصدقاء، صارت «تل القمر».
تلك الملكية للأرض، تحضر معها أول ملكية سجلت باسم الدكتور صبري في بداية حياه العملية، أيام كان ضابطا في الأمن العام، وحكاية شرائه لسيارة «فولكس فاجنط برتقالية، جمع ثمنها من راتبه وتبرع من تحويشة أخته، حيث يأخذنا السرد إلى شوقه لزيارة والدته وعائلته في عيمة، «انطلقت عبر الخط الصحراوي إلى عيمة، وصلت مساء، لكن شعوري هذه المرة كان مختلفا. شعور عميق امتزج فيه الفرح بالامتنان لأمي، وشقيقتي، والقرية وأهلها الذين كانوا كل عالمنا قبل أن تفتح أعيننا على ما هو أبعد.. وبعد الغداء، ركبنا جميعا السيارة، وذهبنا في جولة لا غاية لها سوى أن نعيش التجربة معا؛ تجربة الركوب في سيارة تعود ملكيتها لنا. كانت تجربة يصعب التعبير عنها بالكلمات، لكن دلالاتها أعمق من أن تختزل في صورة سيارة برتقالية تلف الطريق، لقد كانت رسالة عن أسرة صغيرة كافحت لتعبر الفقر إلى أفق أوسع، إلى فسحة من الفرح والكرامة، حيث تبدأ الحكاية في امتلاك المستقبل لا السيارة».
***
ويبتسم المستقبل لصبري الربيحات، قفزة حياة من طقوس القرية، وقطاف زيتون عيمة، إلى مهرجان الورود الحمراء في لوس انجلوس، حيث يكمل دراسته العليا، ويعود بعدها للعمل الإداري والأكاديمي، وتفاعل واع مع الحياة الثقافية والسياسية، حياة حافلة بذاكرة فيها مزيج من الناس بين الحياة العامة والخاصة، وصولا إلى الدوار الرابع، وسدة الوزارة، التي لم تنسه أبدا حنينه إلى مرابعه الأولى في الطفيلة، ومسقط رأسه عيمة.
(كاتب أردني)