«شوكة الآلهة».. حوار عميق مع ذاكرة إنسانية متراكمة

تاريخ النشر : الجمعة 11:05 6-2-2026
No Image

بين أنقاض التاريخ المخفي وصدى الأسئلة الوجودية التي لا تموت، تنبثق رواية «شوكة الآلهة» للكاتب الأردني علي شنينات ككيان أدبي لا يُختزل في سرد تاريخي، ولا يحصر في قالب سردي أحادي. إنها وليدة حوار عميق مع ذاكرة إنسانية متراكمة، حوار يجعل من النص الروائي فضاءً مفتوحاً تتقاطع فيه أصوات حضارات بائدة مع هموم إنسان معاصر، وتتلاقى رموز أسطورية قديمة مع أسئلة وجودية راهنة.

في هذا النسيج السردي المعقّد، لا يظهر التناص مجرد تقنية أدبية أو استشهاداً أكاديمياً، بل يتحول إلى استراتيجية وجودية تبحث عن معنى في ركام التاريخ، وإلى لغة ثانية تتحدث عبرها الشخصيات المنكوبة بألمها ورجائها. فالنص هنا لا يكتفي باستدعاء الماضي، بل يعيد تركيبَه ليكشف عن طبقات مخفية من الذاكرة الجمعية لشعوب بلاد الرافدين والجزيرة العربية، ذاكرة طُمرت تحت ركام المنتصرين، لكنها تنتفض اليوم عبر فن السرد.

إن رحلة آسيبناز -البطل المخصي الذي يبحث عن «شوكة الآلهة» الأسطورية ليشفي عاهته- ليست مجرّد حكاية فردية عن الفقدان والأمل، بل هي استعارة كبرى لرحلة شعوبٍ كاملةٍ تبحث عن شفاءٍ لهويتها المجروحة، وعن كرامتها المسلوبة. ومن خلال هذه الرحلة، ينسج الكاتب حواراً متعدد الأبعاد مع نصوص تأسيسية: من ملاحم بلاد الرافدين وصراعات آلهتها، إلى نصوص التوراة وحكاياتها، مروراً بالتراجيديا الإغريقية وهموم أبطالها، ووصولاً إلى التراث الشعبي وحكمته المنسية.

هذا المقال يقترح قراءةً لهذا النسيج التناصي المكثف بوصفه قلب الرواية النابض. فهو يحاول الكشف عن كيفية تحوّل التناص من زخرفة نصية إلى أداة بنائية تشكّل رؤية النص الفلسفية، وتُعيد من خلالها الرواية كتابة التاريخ من منظور المهمشين، وتخلق لغة جديدة للتعبير عن الألم والكرامة. فـ «شوكة الآلهة» لا تروي لنا ماضياً فقط، بل تُحاورنا عبر هذا الماضي عن حاضرنا، معيدةً تعريف العلاقة بين الأدب والذاكرة، بين الخيال والتاريخ، بين الصوت الفردي والصدى الجمعي.

إن دراسة تناص هذه الرواية ليست تمريناً أكاديمياً جافاً، بل هي رحلة اكتشاف في طبقات الوعي الإنساني المتراكمة، حيث تلتقي أسطورة عشتار بمأساة آسيبناز، ويتحول الخصاء الجسدي إلى رمز للإخصاء الحضاري، وتصير «الشوكة» المؤلمة نفسها إمكانية للشفاء. فهيا نبدأ هذه الرحلة في عوالم «شوكة الآلهة» المتداخلة، حيث كل نصّ مستحضَر يصبح مرآة تعكس أبعاداً جديدة للنص الحاضر، وكل حوار مع التراث يتحول إلى محاولة لفهم شرطنا الإنساني في زمن الاغتراب والبحث عن المعنى.

تمثل رواية «شوكة الآلهة» نموذجاً متميزاً للتناص المكثف والمتعدد المستويات، حيث لا يقتصر التناص على مجرد استحضار النصوص السابقة، بل يتحول إلى استراتيجية بنائية تشكل هوية النص وتعمق دلالاته. التناص هنا ليس زخرفةً أدبية، بل أداة تأويلية تخلق حواراً بين الماضي والحاضر، بين الأسطورة والتاريخ، بين المقدس والمدنس.

تشتمل الرواية على التناص التاريخي، وإحياء الذاكرة المنسية للنصوص المستحضرة من التاريخ البابلي-الآشوري وإمبراطوريات نينوى وبابل ومؤاب، كما تستحضر الشخصيات التاريخية (نبوخذ نصر، مردوك، الإله كموش)، مستندة إلى الأحداث التاريخية (حروب البابليين مع الآشوريين والعبرانيين). وعمل الروائي على خلق مصداقية تاريخية للعالم الروائي، وربط المصائر الفردية بالمصائر الجماعية للحضارات، وإعادة الاعتبار للتاريخ المهمش لشعوب بلاد الرافدين. أما التناص الديني فنجده في ذلك الحوار مع المقدس وتناص الرواية مع التوراة ومملكة مؤاب وصراعها مع العبرانيين والإله كموش (إله مؤاب المذكور في العهد القديم) ونبوخذ نصر كرمز للقوة والغزو.

وهناك أيضا التناص مع الأساطير العراقية والإله مردوك (الإله البابلي الرئيس) والإلهة عشتار (إلهة الحب والخصوبة والحرب) والمعابد البابلية والزقورات، وكانت غاية الروائي خلق عمق ديني-روحي للصراعات وتأكيد التعددية الدينية في المنطقة وطرح أسئلة عن العلاقة بين البشر والآلهة.

وكان التناص الأسطوري من خلال استدعاء الأنماط الأولى كأسطورة عشتار ومردوك من خلال تمثيل الصراع بين القوة الأنثوية (عشتار) والقوة الذكورية (مردوك)، وكان الإلهة كمصدر للشفاء والخلاص. وكان ذلك لربط المعاناة الفردية بالأساطير وخلق بعد رمزي يتجاوز التاريخ المحدود وتقديم رؤية بديلة للقوة (الأنثوية الشافية مقابل الذكورية المدمرة).

وهناك تناص مع الأدب الكلاسيكي، وحوار مع التراث الأدبي العالمي، وتناص مع التراجيديا اليونانية، حيث يعاني البطل من عاهة جسدية (مثل أوديب) ويبحث عن الخلاص. كما فعّل الروائي التناص مع الملاحم، كرحلة البطل بحثاً عن شيء مقدس (مثل رحلة جلجامش)، والمواجهة مع الصعاب والاختبارات، والبعد الملحمي للمعاناة الفردية، وكان ذلك من خلال وضع النص في سياق أدبي عالمي، وإضفاء طابع كلاسيكي على المعاناة المعاصرة، وخلق حوار بين الحضارات عبر الأدب.

كما كان هناك صوت مشارك للتناص مع التراث الشعبي واستحضار الحكمة الشعبية من خلال الطب الشعبي (الأعشاب والنباتات العلاجية والكهنة والعرافون كوسطاء للشفاء والمعالجات التقليدية). وكانت الأساطير الشعبية؛ كشوكة الآلهة، النبتة الأسطورية التي تشفي الأمراض المستعصية، والمعتقدات حول الخصاء والعجز، والحكايات الشعبية عن العدالة والانتقام، لتأكيد أهمية المعرفة المحلية المهمشة وربط النص بالذاكرة الشعبية الجماعية.

وفي ما يتصل بالتناص الرمزي، هناك شبكة من الدلالات المتقاطعة، وذلك لخلق طبقات دلالية متعددة للنص وتحويل الرموز التاريخية إلى تعليق على الواقع المعاصر مع تفكيك الثنائيات التقليدية (ذكر/ أنثى، قوي/ ضعيف).

أما التناص الجغرافي وتوطين الحكاية، فتم من خلال الأماكن التاريخية (نينوى، بابل، مؤاب، أورشليم، وادي أرنون، البحر المالح)، وذلك لخلق فضاء روائي متماسك وربط الأحداث بالأماكن المقدسة والتاريخية مع تأكيد البعد الحضاري للصراع.

كانت وظائف التناص في الرواية لتحقيق الوظيفة المعرفية وتقديم معرفة تاريخية وأسطورية ودينية وخلق حوار بين المعارف المختلفة وإثراء الخلفية الثقافية للقارئ. أيضا لبيان الوظيفة الجمالية وإضفاء عمق فني على النص مع خلق تناغم بين العناصر المختلفة وإنتاج نص غني ومتعدد الطبقات.

أما الوظيفة الأيديولوجية للتناص فجاءت من خلال تقديم رؤية نقدية للتاريخ الرسمي وإعادة الاعتبار للروايات المهمشة مع تفكيك الخطابات السلطوية. وبشأن الوظيفة التأويلية للتناص، فُتح النص على قراءات متعددة وأُنشئ حوار بين القارئ والنصوص السابقة، مع تحويل القراءة إلى عملية اكتشاف. واستخدم شنينات التناص كاستراتيجية سياسية لمقاومة النسيان واستدعاء تاريخ الشعوب المقهورة لتوثيق الذاكرة الجماعية ومقاومة محو الهويات الثقافية.

السؤال هنا: هل كان هذا الأسلوب لإعادة كتابة التاريخ من جديد؟

لقد أراد الروائي إبراز صوت الضحايا والمهمشين، ونقد المركزيات الحضارية، وجمع عناصر من تراثات متعددة، مع تأكيد التعددية الثقافية. وكانت الرواية عبارة عن نسيج تناصي، فالتناص فيها ليس مجرد تأثير لنصوص سابقة، بل هو كينونة النص نفسه، والرواية تعلن منذ البداية أنها جزء من نسيج نصي أوسع، وأنها حلقة في سلسلة من الحكايات الإنسانية.

هذا التناص المكثف يحقق عدة أهداف؛ كخلق نص غني يتحدى القراءة الأحادية، وبناء جسور بين الماضي والحاضر، وتأكيد الاستمرارية الحضارية رغم الانقطاعات التاريخية، وتحويل الرواية من عمل أدبي منفرد إلى حوار مع التراث الإنساني. "شوكة الآلهة» تثبت أن الأدب الجيد لا يُخترع من العدم، بل يعيد تركيب الموروث بطريقة إبداعية، حيث يصبح التناص ليس دليلاً على العجز عن الابتكار، بل شهادة على القدرة على الحوار مع تراكم المعرفة الإنسانية. هذا الحوار التناصي يجعل من الرواية نصاً مفتوحاً على تأويلات لا تنتهي، وجسراً ثقافياً بين حضارات ظن الكثيرون أنها اندثرت، لكنها تعود عبر الأدب لتخاطب حاضرنا بمخاوفه وآماله الوجودية نفسها.

(كاتبة أردنية)

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }