القصة القصيرة جدّاً بين التكثيف الدلاليّ وانزلاق المعنى

تاريخ النشر : الجمعة 11:06 6-2-2026
No Image

قراءة في »خبز العودة« لأمل المشايخ

توطئة 1: القصة القصيرة جدًا وجدَلُ التجنيس

شهدت القصة القصيرة جدًا، منذ تبلورها في النقد الحديث، جدلًا حادًّا حول موقعها التجنيسيّ وحدودها الجماليّة، إذ وُضعت في منطقة وسيطة بين السرد والشعر، وبين الحكاية والومضة، ما جعلها جنسًا إشكاليًا بامتياز. فهي لا تمتثل لشروط السرد التقليدي من حيث الامتداد الزمني وبناء الشخصيات وتطوّر الحدث، كما لا تنصهر كليًا في القصيدة النثرية رغم اعتمادها التكثيف والانزياح والإيقاع الداخلي. هذا الالتباس التجنيسيّ، بدل أن يكون عيبًا، تحوّل إلى قيمة جمالية تميّز هذا الجنس وتمنحه قدرته على المناورة والاختراق.

ينطلق كثير من النقّاد من اعتبار القصة القصيرة جدًا نصًا «اقتصاديًا»؛ حيث لا تعمل الدلالة عبر التراكم، بقدر عملها عبر الصدمة والانقطاع والتلميح، حيث تغدو كل كلمة وحدة دلالية مشحونة تتجاوز معناها القاموسي إلى شبكة من الإحالات الثقافية والنفسية. كما يذهب رولان بارت إلى أن هذا النوع من النصوص ينتمي إلى ما سمّاه «النص القابل للانفجار»، أي النص الذي يضع القارئ في مواجهة فراغ دلالي يستدعي المشاركة والتأويل ولا يقدّم معنى مكتملًا.

في هذا السياق، تُقرأ القصة القصيرة جدًا بوصفها أثرًا لغويًا، أو «بقايا سرد»، حيث ما يُحذف أهم مما يُقال، وما يُسكَت عنه يشكّل العمود الفقري للمعنى. ومن هنا، يصبح البياض، والصمت، والانقطاع المفاجئ، عناصر بنيوية لا تقل أهمية عن اللغة المكتوبة نفسها. ويؤكد جيرار جينيت، في تنظيره للعتبات، أن النصوص المكثفة تمنح العنوان والنهاية وظيفة دلالية مضاعفة، إذ تتحوّل هذه العناصر من مكمّلات شكلية إلى مراكز إنتاج للمعنى.

تنتمي مجموعة «خبز العودة» لأمل المشايخ (الآن ناشرون وموزعون، عمّان، 2026) إلى هذا الأفق الجمالي، حيث تتعامل مع القصة القصيرة جدًا لا كتمرين أسلوبي، بل كوسيلة لالتقاط توتّرات الوجود اليومي والذاكرة الجمعية عبر ومضات سردية حادّة، تتشابك فيها الذاتي بالجماعي، واليومي بالرمزي، واللغوي بالسياسي، دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية.

توطئة 2: منهج القراءة

يقتضي تحليل نصوص شديدة التكثيف، مثل نصوص القصة القصيرة جدًا، تجاوز الاكتفاء بمنهج نقدي واحد، ذلك أن هذه النصوص تعمل على مستويات متداخلة من الدلالة، وتقاوم أي محاولة للقبض عليها عبر أداة تحليلية أحادية. من هنا، يأتي اختيار هذا المنهج المركّب (التفكيكي، السيميائي، الأسلوبي) بوصفه خيارًا منهجيًا واعيًا، لا تلفيقيًا، يهدف إلى الإحاطة بالبنية الدلالية واللغوية للنص من زوايا متعددة ومتكاملة.

ينطلق المنهج التفكيكي من مساءلة مركزية المعنى، وكشف آليات الاختلاف، والأثر، والغياب الكامن في اللغة. وتكمن أهمية هذا المنهج في مقاربة القصة القصيرة جدًا في قدرته على تفكيك ما يبدو مستقرًا أو مكتملًا، والكشف عن التوترات الداخلية التي تُنتج المعنى من خلال الانقطاع والصمت والتناقض. ففي هذا النوع من السرد، يعمل النص على زعزعة المعنى وتأجيله لا على تقديم حقيقة، وهو ما يجعل التفكيك أداة أساسية لفهم اشتغال النصوص التي تُراهن على الغياب بقدر مراهنتها على الحضور.

إلى جانب ذلك، يوفّر المنهج السيميائي، إطارًا لتحليل العلامات والوظائف الدلالية داخل النص، حيث تتحوّل الشخصيات والأمكنة والأشياء إلى وحدات دلالية تؤدي أدوارًا رمزية، لا سردية تقليدية. في القصة القصيرة جدًا، لا تظهر الشخصية بوصفها كيانًا نفسيًا متكاملًا، بل بوصفها وظيفة دلالية، كما لا يُقدَّم المكان باعتباره فضاءً واقعيًا، بل علامة مشحونة ثقافيًا ونفسيًا. ويسمح التحليل السيميائي بتفكيك هذه الشبكة من العلامات، والكشف عن علاقاتها الداخلية ضمن اقتصاد نصّي صارم.

أما المنهج الأسلوبي، فيُعدّ مكمّلًا ضروريًا لهذين البعدين، إذ يركّز على كيفية تشكّل المعنى عبر اللغة نفسها: اختيار الجملة القصيرة أو المبتورة، الحذف، التكرار، الإيقاع الداخلي، والانزياح الدلالي. فالأسلوب في القصة القصيرة جدًا ليس مجرّد وعاء للمعنى، بل هو بنية دلالية قائمة بذاتها، حيث يتماهى الشكل بالمضمون، ويغدو الاقتصاد اللغوي استراتيجية جمالية واعية، لا مجرد تقشّف تعبيري.

إن الجمع بين هذه المناهج الثلاثة يتيح قراءة نصوص «خبز العودة» بوصفها بنية مفتوحة، تتداخل فيها العلامة مع الصمت، والأسلوب مع الدلالة، والحضور مع الغياب، دون إخضاعها لقالب تفسيري جاهز. وهو ما يجعل هذا الإطار المنهجي– برأيي الشّخصيّ- مناسبًا للكشف عن خصوصية التجربة السردية لأمل المشايخ، وتموضعها داخل أفق القصة القصيرة جدًا العربية المعاصرة.

تحليل نماذج مختارة من «خبز العودة»

تقتضي مقاربة «خبز العودة» اختيار نصوص مفصلية تمثّل منطق الاشتغال العام في المجموعة، باعتبارها شذرات تتآزر لإنتاج خطاب دلالي واحد وليس بوصفها وحدات مستقلة. وقد جرى اختيار نصوص مثل: «نشرة الأخبار»، «بحر»، «مستقبل»، «انتظار»، و**«عابرون»**؛ لكونها تكثّف ثيمات الغياب، والزمن المؤجَّل، والجسد، والوطن، وتُظهر بوضوح آليات التكثيف والقطع والانزلاق الدلالي.

في نص «نشرة الأخبار»، يُستدعى خطاب إعلامي مألوف، قائم على الأرقام والتعداد، لكنه يُفرَّغ من وظيفته الإخبارية ليغدو خطابًا عبثيًا، يكرّر مفردات القتل والضحايا دون أن يقدّم معنى أو عزاء. نكتشف هنا مفارقة مركزية: اللغة التي يُفترض أن تنقل الحقيقة تتحوّل إلى أداة تعمية، حيث تتساوى الأعداد، ويُمحى الفرد داخل صيغة الجمع، فينقلب الخبر إلى طقس لغوي أجوف، ومن جهة أخرى تعمل الأرقام بوصفها علامات نزع إنساني، بينما يفضح الأسلوب التقريري الجاف خواء الخطاب، عبر جُمل قصيرة متتابعة تُحاكي نشرة الأخبار لكنها تُقوِّضها من الداخل.

أما نص «بحر»، فيقدّم مثالًا واضحًا على تحوّل المكان من فضاء طبيعي إلى علامة نفسية. فالبحر، الذي ارتبط تقليديًا بالاتساع والحرية، يُعاد ترميزه هنا بوصفه حافة قَلِقة، وموضع مواجهة مع الذات. التفكيك يبيّن انكسار الدلالة المألوفة للبحر، بينما يكشف التحليل السيميائي عن اشتغال ثنائية البر/البحر بوصفها ثنائية أمان/قلق، لا خلاص/هلاك. أسلوبيًا، تتكئ القصة على جمل مقتضبة ووقفات صامتة، تجعل البياض جزءًا من التجربة القرائية، وتدفع القارئ إلى ملء الفراغ الدلالي.

وفي نص «مستقبل»، يُستدعى الزمن بوصفه وعدًا لغويًا لا يتحقق. فالمستقبل هنا لا يُقدَّم كأفق، بل ككلمة تتكرّر حتى تفقد معناها. يشتغل التفكيك على فضح هذا التناقض بين الدال (المستقبل) والمدلول (الانسداد)، حيث يتحوّل الزمن إلى حالة ركود. سيميائيًا، يغدو الزمن نفسه علامة على العجز، لا على التقدّم، بينما يكشف الأسلوب القائم على التكرار والقطع عن إيقاع دائري يعيد القارئ إلى نقطة الصفر

يتقاطع ذلك مع نص «انتظار»، الذي يُمثّل أحد أكثر النصوص كثافة في المجموعة. فالانتظار لا يُعرَّف عبر حدث، إنّما عبر استدامة اللاحدث. التفكيك هنا يُظهر كيف يتحوّل الانتظار من فعل مؤقّت إلى حالة وجودية، بينما يبيّن التحليل السيميائي أن الفاعل في النص ليس شخصًا، إنّه الزمن نفسه، بوصفه قوة قاهرة. أما الأسلوب، فيعتمد على تكرار صيغ الانتظار، بما يخلق إحساسًا بالتآكل الزمني، ويُشرك القارئ في تجربة التعليق واللايقين

في نص «عابرون»، تتكثّف ثيمة الهشاشة الإنسانية عبر صورة المرور العابر، حيث تُمحى الحدود بين الذات والآخر، وبين الحضور والغياب. التفكيك يكشف عن زعزعة مركزية الذات، إذ لا أحد يمتلك موقعًا ثابتًا، والجميع في حالة عبور دائم. سيميائيًا، يصبح العبور علامة على فقدان الانتماء والاستقرار، فيما يشتغل الأسلوب عبر جمل مقتضبة وحوار مبتور، يرسّخ الإحساس بالانقطاع وعدم الاكتمال

تكشف هذه النماذج مجتمعة أن القصة القصيرة جدًا في «خبز العودة» تُبنى على الأثر: أثر الخسارة، وأثر الغياب، وأثر اللغة حين تعجز عن الإمساك بالعالم، وليس على الحدث. وهي نصوص تُقاوم القراءة التلخيصية، وتفرض مقاربة تأويلية تنظر إلى الصمت والحذف بوصفهما عناصر فاعلة في إنتاج الدلالة.

اشتغال العنوان والنهاية بوصفهما مركزين دلاليين

يحتلّ العنوان في القصة القصيرة جدًا موقعًا دلاليًا مضاعفًا، إذ لا يعمل بوصفه تسمية خارجية للنص، إنه عتبة حقيقيّة لإنتاج للمعنى، فالعنوان جزءٌ من البنية النصية لا ملحقًا بها. ويتضاعف هذا الدور في النصوص المكثفة، حيث يُلقى على العنوان عبء تمهيد القراءة، وتوجيه التأويل، بل ومراوغته أحيانًا.

يندرج عنوان المجموعة «خبز العودة» ضمن هذا الأفق، بوصفه تركيبًا اسميًا يجمع بين عنصرين متوترين دلاليًا: الخبز والعودة. فالخبز علامة يومية، حياتية، مرتبطة بالضرورة والعيش والكرامة، في حين تحيل العودة إلى أفق رمزي مشحون سياسيًا ووجدانيًا، غالبًا ما يتجاوز إمكان التحقق الواقعي. هذا الجمع لا ينتج دلالة طمأنينة، بل يؤسس لتوتّر مركزي في المجموعة، حيث تصبح العودة نفسها فعل بقاء، لا خلاصًا نهائيًا. تفكيكيًا، يكشف العنوان عن انقسام داخلي: فالعودة، التي يُفترض أن تكون لحظة اكتمال، تُربط بالخبز، أي بالحدّ الأدنى من الحياة، ما يؤجّل اكتمالها ويحوّلها إلى ممارسة يومية شاقّة، لا إلى لحظة احتفالية.

سيميائيًا، يمكن قراءة العنوان بوصفه علامة مركّبة تعمل داخل شبكة من العلامات المتكرّرة في النصوص: الأم، الجسد، القبر، الانتظار، البحر. فالعودة لا تتحقّق بوصفها حركة مكانية، بل كأثر لغوي وذاكري، في حين يغدو الخبز دالًا على الاستمرار في مواجهة الغياب. أما أسلوبيًا، فإن بساطة التركيب الاسمي تخفي كثافة دلالية عالية، وتنسجم مع منطق الاقتصاد اللغوي الذي يحكم المجموعة. ولا يقلّ اشتغال النهاية أهمية عن العنوان في القصة القصيرة جدًا، إذ تتحوّل النهاية من وظيفة إغلاقية إلى لحظة انزلاق دلالي، أو ما يُعرف بـ الضربة الأخيرة (Punch Line). غير أن نهايات نصوص «خبز العودة» لا تسعى غالبًا إلى إحداث صدمة سردية مباشرة، بل إلى تعليق المعنى وتركه في حالة توتّر. من منظور تفكيكي، لا تُنهي هذه النهايات النص إنما تكشف عن استحالة نهايته، فهي تفتح الدلالة على احتمالات متعدّدة بدل تثبيتها.

يتجلّى ذلك في نصوص تنتهي بسؤال، أو بصورة مبتورة، أو بجملة ناقصة، حيث يُسحَب الامتياز من القارئ الذي ينتظر حسمًا دلاليًا. وهنا يعمل الأسلوب، عبر الجملة القصيرة أو المقطوعة، على إنتاج فراغ مقصود، يجعل من الصمت امتدادًا للنهاية. سيميائيًا، تصبح النهاية علامة على اللا اكتمال، وعلى استدامة الحالة الوجودية التي يعبّر عنها النص: انتظار بلا نهاية، عبور بلا وصول، ووطن بلا تحقّق نهائي. وفق هذا المنظور، يتكامل العنوان والنهاية داخل بنية واحدة، حيث يفتتح العنوان أفق التوتّر، وتعيد النهاية إنتاجه بدل إغلاقه. وبذلك، لا تُقرأ النصوص كوحدات مغلقة، بل كحلقات في سلسلة دلالية مفتوحة، تُعيد تأكيد مركزية الغياب والتأجيل بوصفهما مكوّنين أساسيين في تجربة المجموعة.

اللغة والتكثيف والأسلوب

تنهض مجموعة «خبز العودة» على وعيٍ أسلوبيٍّ حادّ بطبيعة القصة القصيرة جدًا، حيث تُستعمل اللغة بوصفها موقع إنتاج الدلالة ذاته وليس وسيطًا ناقلًا للحدث. فالتكثيف هنا ليس اختصارًا كميًا، بل استراتيجية جمالية تقوم على الحذف، والاقتصاد، وتفجير المعنى من داخل أقل عدد ممكن من الكلمات. بهذا المعنى، يتماهى الأسلوب مع الرؤية، ويغدو الشكل تعبيرًا مباشرًا عن مضمون مأزوم ومعلّق. فتتجلّى خصوصية اللغة في «خبز العودة» من خلال اشتغال واعٍ على التكثيف الحادّ، حيث تُختزل التجربة الإنسانية الثقيلة في جُمل قصيرة، غالبًا مبتورة، تُحمِّل الكلمة الواحدة طاقة دلالية مضاعفة. ويتحوّل هذا الاقتصاد اللغوي إلى أداة تعبير عن الفقد والغياب أكثر منه مجرّد تقنية شكلية.

تتجلّى السمة الأسلوبية الأبرز في اعتماد الجملة القصيرة أو المبتورة، التي كثيرًا ما تأتي بلا استكمال نحوي أو دلالي. هذا البتر لا يُقرأ بوصفه خللًا تركيبيًا، إنّه تمثيلٌ لغويّ لحالة الانقطاع التي تحكم عالم النص. فاللغة، كما الشخصيات، تعاني من العجز عن الاكتمال، وتتكلم من موقع النقص. وهنا يلتقي التحليل الأسلوبي مع التفكيك، إذ تصبح الجملة المبتورة أثرًا دالًا على غياب المعنى المكتمل، وعلى استحالة القبض على تجربة الفقد أو الانتظار بلغة تامّة.

في قصة «مستقبل»، ترد الجملة الافتتاحية على نحو صادم في بساطتها: «مشغول… بماذا؟» تكشف هذه الجملة عن فراغ المعنى قبل اكتماله؛ فالفعل «مشغول» يُطرح دون موضوع، ثم يُعاد فتحه بسؤال لا يجيب، ما يجعل المستقبل نفسه حالة تعليق دائم. أما أسلوبيًا، فيعتمد النص على القطع بدل التنامي، وعلى السؤال بدل السرد، وهو ما يعكس رؤية وجودية للزمن بوصفه مؤجَّلًا لا متحقّقًا.

إلى جانب ذلك، يبرز الصمت والبياض بوصفهما عنصرين أسلوبيين فاعلين. فالمسافات بين الجمل، والتوقّفات المفاجئة، والنهايات المفتوحة، تشكّل جميعها فضاءً دلاليًا موازيًا للكلمات المكتوبة. ويمكن القول إنّ هذه النصوص تُنتج «لذّة النص» عبر ما تُخفيه بقدر ما تُظهره، حيث يُدفَع القارئ إلى ملء الفراغ، والمشاركة في بناء المعنى، بدل تلقّيه جاهزًا. في قصة «بحر»، تتجاور الجمل القصيرة مع مساحات صامتة:

«وقفتُ على شاطئ البحر…

قال البحر…».

يتوقّف النص عند الفعل دون استكمال القول، فيتحوّل الصمت إلى جزء من المعنى. لا يُمنح البحر صوتًا واضحًا، بل يُترك في منطقة الإيحاء، بما يجعل القارئ شريكًا في إنتاج الدلالة. ويؤكّد هذا الاشتغال أن البياض ليس فراغًا طباعيًا، بل عنصرًا دلاليًا يوازي اللغة المنطوقة.

كما يظهر في لغة المجموعة توتّر واضح بين السردي والشعري، دون أن تنزلق النصوص إلى قصيدة نثر صريحة. فالاستعارة حاضرة، لكنها غير زخرفية، بل تعمل بوصفها بنية دلالية مختزلة، تُكثّف التجربة بدل أن تزيّنها. هذا التداخل بين السرد والشعر يعزّز من الطابع الهجين للقصة القصيرة جدًا، ويؤكّد خصوصيتها كجنس يقوم على اختراق الحدود لا احترامها. في قصة «خبز العودة» - النص المؤسِّس دلاليًا للمجموعة-، تحضر الاستعارة بوصفها بنية لا زينة: «العودة… خبزٌ يابس»، تُقوِّض هذه الاستعارة الحلم الرومانسي بالعودة، وتحيله إلى فعل بقاء يومي قاسٍ. أسلوبيًا، تقوم الاستعارة على كلمتين فقط، لكنهما تُنتجان شبكة رمزية كاملة، تؤكّد قدرة القصة القصيرة جدًا على ضغط الرؤية في صورة لغوية واحدة.

أما من حيث الإيقاع، فيُلاحظ اعتماد إيقاع داخلي قائم على التكرار الدلالي، لا اللفظي فحسب، حيث تتردّد مفردات مثل: الانتظار، العبور، الغياب، الأم، الوطن، بصيغ مختلفة، لتشكّل معجمًا أساسيًا يعيد إنتاج المعنى عبر تنويعات طفيفة. هذا التكرار يُفضي إلى تعميق الإحساس بالدوران، وبالزمن الذي لا يتقدّم. في نص «عمر»، يتكرّر الحوار القصير:

«كم العمر؟

هكذا؟».

لا يقدّم التكرار هنا معلومة جديدة، إنه يُعيد إنتاج السؤال بوصفه مأزقًا. حيث يصبح العمر علامة مبهمة لا تُقاس بالسنوات، بل بالحيرة. وهذا التكرار القصير يولّد إيقاعًا دائريًا، يعكس استحالة التقدّم الزمني داخل التجربة النصية.

اللغة التقريرية بوصفها قناعًا أسلوبيًا

في قصة «نشرة الأخبار»، تعتمد الكاتبة أسلوبًا إخباريًا جافًا:

«القتلى سبعة… والجرحى خمسة…»

غير أن هذا الخطاب التقريري يُفكَّك من الداخل، إذ يتحوّل التعداد إلى آلية نزع إنسانية. سيميائيًا، تصبح الأرقام علامات على محو الفرد، بينما يكشف الأسلوب الجاف عن لا أخلاقية اللغة الإعلامية حين تنفصل عن الألم الإنساني. هنا، لا تُستخدم اللغة لنقل الواقع، بل لفضح خوائها.

تكشف الأمثلة السابقة أن لغة «خبز العودة» ليست لغة سردية بالمعنى التقليديّ، بل لغة أثرية (Trace Language)، تعمل عبر الحذف، والقطع، والصمت، والتكرار. وبهذا، يتجسّد المنهج التفكيكي في بنية الجملة، ويظهر المنهج السيميائي في شبكة العلامات المتكرّرة، بينما يتكفّل التحليل الأسلوبي بإبراز كيف تتحوّل هذه التقنيات إلى رؤية جمالية متكاملة.

خصوصيّة التجربة وأفقها الجماليّ والفكريّ

تقدّم مجموعة «خبز العودة» لأمل المشايخ نموذجاً لافتاً في كتابة القصة القصيرة جدّاً العربية، يقوم على وعي عميق بإمكانات هذا الجنس وحدوده، ويستثمر تكثيفه بوصفه أفقًا جماليًا وفكريًا. فالنصوص لا تسعى إلى سرد حكايات مكتملة، ولا إلى تقديم أجوبة، بل إلى تفجير أسئلة تتعلّق بالوطن، والذاكرة، والجسد، والزمن المؤجَّل.

هذه القصص تعمل على زعزعة المعنى المستقر، وتعليق الدلالة، وفضح هشاشة اللغة أمام ثقل التجربة. وانكشفت شبكة من العلامات التي تتكرّر وتتحوّل، لتبني خطابًا رمزيًا كثيفًا، لا يقوم على المباشرة، بل على الإيحاء والترميز. وأبرز الأسلوب كيف يتجسّد هذا الأفق الفكري في لغة مقتضبة، مشحونة، تعتمد الحذف والصمت بوصفهما عنصرين دلاليين فاعلين.

تتمثّل خصوصية تجربة أمل المشايخ في قدرتها على تحويل اليوميّ والهشّ إلى كتابة ذات أفق إنسانيّ عام، دون الوقوع في الخطابيّة أو الشعاراتيّة. فالعودة، في هذه النصوص، ليست حدثًا مكانيًا بقدر ما هي ممارسة لغوية وذاكرية، والخبز ليس رمزًا للاكتفاء، بل علامة على الاستمرار في مواجهة الفقد. وبهذا، تنفتح المجموعة على أفق جماليّ يرى في القصة القصيرة جدًا مساحة مقاومة رمزيّة، تكتب من الهامش، وتُصغي إلى الصّمت، وتراهن على القارئ شريكاً في إنتاج المعنى.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }