يقول كروتشه في كتابه «فلسفة الفن": «والحقّ أنّ أحكام النقد تأتي متأخرة جدا، فتؤيد صورا طالما أيدها ومجّدها الاستحسان العام» (1).
عند تتبع بدايات نجيب محفوظ، الروائي الحاصل على جائزة نوبل، منذ روايته الأولى «عبث الأقدار»، نجده يسعى لصناعة صوته الخاص، فلا ينصاع للمعايير التقليدية أو التجريب الغربي الجامد، وفي هذا تجريب متفرّد، يمتثل إليه الأديب بصفته يحمل همّ مجتمعه، فلا يقلّد، ولا ينعزل، لكنّه يستفيد من فلسفة الأدب وعمقه، مؤمنا به كقوة فاعلة.
بعض النقّاد في ذلك الوقت اتهّم محفوظ بالغموض أو التأثر بالغرب، ولا ننكر أن البعض الآخر كانت لديه القدرة على ملاحظة صوت موهوب واعد في الأدب.
ويُذكر في كتاب «ما وراء الواقعية.. نجيب محفوظ» لرياض عصمت، أنّ محفوظ نال جائزتين من حكومات بلاده، «رغم أنه من الصعوبة على أديب عربي يكتب أدبا حديثا، أن يحظى بتقدير جهات أكاديمية كلاسيكية تحتفي بالأدب العربي التقليدي ولا تعير تأثيرات الثقافة الحديثة اهتماما مماثلا».
وفي هذا بيان على أنه ورغم جرأة محفوظ الأولى، حظي بالقبول؛ لقدرته الخالصة على التأثير في المتلقي، فالأديب المبدع يتخطّى عتبات النقد التقليدية ليحلّق حرا في سماء الإبداع، ذاعنا لمعيار الصوت الذي تحرّكه الرسالة، وهمّ الفكرة. وليس في هذا تمرّدا على أسس النقد التي نحترمها، ونقدّر قوتها في الارتقاء بالأدب، ولكنّها محاولات انتصار للمبدع المجتهد، الذي يسعى لبناء صوته الخاص؛ إيمانا بروح الأدب المتجدّدة والتي تنقل النقد إلى ما بعد الحداثة.
وفي كتاب «الفكر الجمالي عند التوحيدي» للدكتور عفيف البهنسي، يظهر أنّ مفهوم الإبداع عند التوحيدي يقوم على البديهة والإلهام، ثمّ على العمل المسؤول المثقف. وممّا جاء في الكتاب على لسان التوحيدي: «التذوق الفني يتطلب شروطا مشابهة تماما لشروط الإبداع الفني، والحكم على عمل فني ليس سهلا، بل هو معقد، يحتاج إلى قوة إبداعية لدى المتذوق تساعده على الحكم الصحيح».
وعليه، فإنّ الحكم على الأدب والمبدع، لا يأتي من كونه لا يكتب شيئا مألوفا أو تقليديا، أو معمولا به ضمن أسس نقدية جامدة، إنما هي عملية تستلزم الثقافة والقراءة الجادّة والاطّلاع على المدارس النقدية الحديثة مع العمل على ترصّد معيار الأدب الحقيقي في تقدير العمق ومحاكاة حثيثات الحياة والإنسان، ضمن ما يحقّق الأثر.
ومن هنا، نأتي على ذكر مفهوم «الوعي الجمالي»، ونبتدئ بقول د.شهلا العجيلي في كتابها «الهوية الجمالية للرواية العربية": «الوعي الجماليّ الثقافيّ أو النسقيّ لا يعدم الفردية، التي تتوقّف صناعتها على النخبة، فوعي النخبة وعي فرديّ، منماز عن وعي الجماعة، بل متفوّق عليه، كما أنه منماز، ومتفوق على وعي المؤسّسة بالقدر ذاته».
حين يكتشف ناقد حصيف أو قارئ جاد إبداعا أصيلا مبتكرا، يدرك ما يؤول إليه، ولا يظلمه بتعجّل الحكم، فإنّه يحمل وعيا جماليا، ينطلق من ثقافة وذوق ونقاء وأصالة، إضافة إلى الخبرة، مرورا بالقديم والتقليدي إلى الحداثي، والاطّلاع على النصوص التي يمكنها الانتماء للأدب وحتى الخروج عنه.
إنّ العصرية التي نمرّ بها من عمليات جازمة في أطر التغيير، واستعمال الذكاء الاصطناعي في الغش الأدبي، يجعل من الوعي الجمالي عملية مهمة في النقد، وارتفاع الحاجة إليه في ظل البحث عن أدب أصيل لا يحقّق المتعة فحسب، بل يغيّر ويعيد تشكيل المشهد الإبداعي.
وللحديث أكثر عن التفرّد، نذكرُ بدايات غادة السمّان، حين أصدرت مجموعتها القصصية الأولى «عيناك قدري»، لم يشعر النقاد تجاهها بالارتياح؛ لأنها كُتبت ضمن قالب لم يكن متوقّعا، فقد كان النقّاد وقتها معتادين على طريقة محمود تيمور ويوسف إدريس في البناء التقليدي للقصة، لكن غادة جاءت بقصّة حديثة تعتمد على المشهد الداخلي، وتمزج بين السرد والشعر والنقد. وفيما بعد، مع بروز أعمال ناضجة أخرى لها، تمّ الاعتراف بأنّ ما تفعله جزء من تجديد شكل القصة وليس خروجا عنه.
وفي كتاب «أفق التحوّلات في القصة القصيرة» لمؤلفه إبراهيم صموئيل، حيث جمع شهادات إبداعية لكبار الكتّاب، قال فيه إلياس فركوح بعد مرحلة محيّرة: «صار عليّ بعد هذا أكون أنا تماما، بكاملي، مطلقا للداخل منّي حرية حتى تشيخ الأجنحة أو تنكسر».
الكتابة إذاً تحليق، وهي حرية مطلقة تنبع من الوجود، وحينما أتحدث عن حرّية الكلمة لا أعني التجرّد من القواعد الأدبية، إنّها أشبه بكاتب يعرف مبدأ قلمه، يحكي من منطلق ناضج، لا يسيء إلى الأدب، لكنّه حينما يكتب، يعلّق على أكتافه أجنحة البقاء.
وحين نقرأ في مجمل الأعمال التي وصلت للعالمية، كالأعمال التي فازت في جائزة نوبل، نجد أن الرابط بينها هو استثنائيتها، مع توفّر العمق والجمال دون إهمال الواقعية والتحرّر. فالتفرّد ميزة نوبل الأساسية، وللتفرّد ضريبته، فهو يشقّ طريقا مؤثرا، لا تعوقه المؤثرات الخارجية، بل تؤطّر مساعيه نزعات الإيمان.
ومن الكتّاب العالميين الذين واجهوا تحديات في بناء صوتهم الخاص واتُّهموا بالغموض الذي أصبح فيما بعد مدرسة كاملة: فرانز كافكا، فرجينيا وولف، دوستويفسكي، جبران خليل جبران.
يطول الحديث في مضمار الإبداع، ولكنّني سأختصر بذكر مثال بسيط على تشتتات الحكم النقديّ، فبعض النقّاد يحكمون على النصوص التي تغوص في تلابيب النفس البشرية، أنها مجرّد تمتمات بوح لصاحبها، بيدَ أنّ لغة البوح عن الآخر، أوقعت الناقد في لبس التفكيك؛ وذلك لقدرة المبدع على التعبير عن دواخل الخارج، فهناك كتّاب كثر يمتلكون حسّا مرهفا وثقافة عالية وبصيرة نافذة في تتبع التجربة الإنسانية والنفسية، فلا تكون اللغة أو الأسلوب وجدانيا، إنّما هو وعي نفسي بالمتلقّي، الذي يأخذ حكمه لصالح المبدع، ويعترف بوصول مردود الحرف إلى ذاته المتلقية.
(1) يقصد هنا الاستحسان النقي وليس الشهرة الزائفة (فلسفة الفن/ كروتشه، ترجمة: سامي الدروبي).