في الجزء الرابع من «قراءات ثانية» نقف عند إحدى أهم التجارب الأردنية والعربية، وهي تجربة الروائي والقاص (الراحل) جمال ناجي في روايته الأولى «الطريق إلى بلحارث» التي صدرت عام 1982 وحصلت على جائزة رابطة الكتاب الأردنيين. وقد تلقّاها القرّاء والمختصّون بحفاوة كبيرة. هذا العمل الأوّل الذي بشّر بكاتب سيكون له حضوره المميز في السرد العربي سواء في الرواية أو القصة.
وعن أبرز ما زلت أختزله من القراءة الأولى هو رغبتي بقراءة أعمال أخرى تتناول الموضوعة عينها، لطالما كانت عوالم الحياة البسيطة التي عاشها الأجداد في ظروف حياتية واجتماعية خاصة محط اهتمامي وبحثي. في أحيان كثيرة ننسى تفاصيل العمل لكننا نتذكر لحظة تشكّل مشاعرنا وانطباعاتنا التي تبقى راسخة في وجداننا، فتفعل الذاكرة فعلها وتختزل العمل كله في مشهد أو مقطع واحد تماماً كما في الأغنية أو اللوحة أو المنحوتة أو الفيلم الجيّد؛ في «الطريق إلى بلحارث» ظل مشهد المعلمين الأربعة حاملين ألواح الثلج من القرية المجاورة على ظهورهم لاستخدامها حتى لا تتعفن الجثة عالقاً بمخيّلتي، وكلما قرأت عنها أو ذكرها أحدهم أمامي استحضرت بلا وعي أو إدراك هذا المشهد دون غيره.
هناك أعمال أخرى تناولت موضوعة التدريس في الخليج مثل رواية «براري الحمى» لإبراهيم نصر الله (1985)، وكان مكانها أو فضاؤها المكاني منطقة القنفذة أيضاً كما في «الطريق إلى بلحارث» لأن نصر الله عمل مدرساً هناك لسنتين. وهناك أيضاً رواية «نجران تحت الصفر» ليحيى يخلف الصادرة عام 1977 وهي روايته الأولى، وتعكس تجربة معاشة حيث عمل يخلف بالتدريس في اليمن وتحديداً في نجران، وعن الرواية يقول: «كنت أعتقد أن انتصار الإنسان على التخلف في نجران يشكّل بالنسبة لي خطوة نحو تحرير فلسطين».
في مقدمة الطبعة السادسة كتب جمال ناجي: «أخيراً، لا بدّ لي من أن أحيّي الفنان العبقري بابلو بيكاسو الذي تمنّى في مرحلة متقدمة من عمره، لو أنه يستطيع إتقان رسومات الأطفال، فأتمنى مثله لو أنني أستطيع استرجاع تلك البساطة التي كتبت بها هذه الرواية قبل ثلاثين عاماً من الآن». ولعل هذه الإشارة العابرة تشي بالكثير، فجمال ناجي هنا يقرّ بأنّ كتابة الرواية جاء استجابة لرغبة فطرية للسرد، ورواية ما حدث دون التفكير بالقارئ وعملية التلقي، وحتى دون التفكير بصورته المفترضة ككتاب للرواية. أراد ان يسرد علينا روايته كشاهد عيان على حالة وليس حدثاً محدداً. فـ «الطريق إلى بلحارث» عمل يسير إلى هدفه بخط واضح بلا تعرّجات أو منعطفات حادة بلغة مسطّحة اقتصادية إلى حدّ ما، وهذا يقودنا إلى تساؤل مهم حول أسباب نجاح هذه الرواية. ولعل الإجابة على هذا الأمر تساعدنا على استيعاب مناحي كثيرة في النص؛ من المعروف أنّ جمال ناجي قد عمل مدرساً في المملكة العربية السعودية خلال السنوات 1975-1977، ومن المعروف أيضاً أنّه انتهى من كتابة الرواية في العام 1977، وهذا يقودنا إلى استنتاج مهم وهو أنّ الرواية، على الأغلب، مستوحاة من واقع شهده الكاتب بنفسه أو سمع عنه خلال وجوده في السعودية، فنحن أمام عمل نابع من تجربة حقيقية وألم صادق. هناك جزئيات كثيرة في الرواية تتعلق بحياة المدرسين الفلسطينيين في مناطق نائية في الخليج العربي، ولم يكن لجمال ناجي الوقوف عليها بهذه الدقة وهذه التصويرية الحميمة لو لم يخض التجربة بنفسه.
عماد الساقي المدرس الذي يلتحق بمدرسة قرية بلحارث أسفل جبال عسير ماراً بجدة والقنفذة قادماً من عمّان هو أيضاً الراوي المشارك الذي يسرد علينا أحداث رحلته المثيرة وتجربته القاسية بالتدريس في نواحٍ بعيدة تكاد تخلو من مرافق البنية التحتية. وهنا قد يقف القارئ متسائلاً: هل نحن أمام رواية عماد ونادية أم منصور وظفرة؟ وجدتني أسأل نفسي هذا السؤال وأطيل الوقوف والتأمل، ثم وصلت إلى قناعة بأنها سردية منصور وظفرة وليست سرديّة الراوي التي ظلّت في حدود العاديّة؛ فحبّه لنادية ورغبته بالاقتران بها وتأسيس عائلة دفعه إلى طريق بلحارث مثل كثيرين غيره، لكن منصور شخصيّة مركبة استولى عليه هذا الشغف الكبير بظفرة السمراء صاحبة الجمال البري المتوحش وأصبحت حياته تدور في دوائر مركزها ظفرة وجسدها ولونها. يقول منصور في إشارة إليها: «في القنفذة، سترى جسداً بلّوريّاً، امرأة أشهى من الشهوة ذاتها، هل سمعت بظفرة؟». ومنصور ومن جهة أخرى يعاقر الخمر التي يصنعها مع بوعايظ فرّاش المدرسة، ويخزّنان القات معاً في بقعة منعزلة عن القرية. وهو بهذا يمثّل نموذجاً اجتماعيّاً غير مألوف وغير سائد على الأقل جهراً وعلانيّة. ولكن هل هذا ما يمثله منصور فقط؟ الجري وراء ملذات الجسد واشتهاءاته!؟ ربما هو ضحية من ضحايا الكبت الاجتماعي-الجنسي الذي ظلّ يجثم على مشاعره حتى وجد متنفساً صغيراً فانطلق منه وتحوّل إلى عملاق ضخم يشبه خادم المصباح كما في قصة علاء الدين. منصور حالة إشكالية لديه نهم للحياة والتمتع بها لكن مشكلته في الحدود، فهو لم يقيّد نفسه بأيّ منها لا في العلن ولا في السر، وكأنه ينحو للبوهيمية كأسلوب حياة، وربما هو من جهة أخرى مجرد ضحية هاجس سيطر عليه وعطّل حواسه الاجتماعية والثقافية والنفسيّة، فالهواجس يمكن أن تتحوّل إلى أمر خطير يضر بالصحة النفسيّة. لكن ثمة جوانب إيجابية في شخصية منصور منها أنّه صاحب صاحبه كما يقال ولا يغدر به.
لم يكن حضور السياسي كحضور الاجتماعي، فاقتصر على مجرد إشارات سريعة كان الهدف منها الإحالة إلى زمن الرواية، بينما ظهرت الجوانب الاجتماعية بوضوح خاصة في المجتمع المحلّي في القنفذة منها أنّ الفوارق الاجتماعية المتعلقة باللون ما زالت حاضرة وإنْ لم يُجهر بها، فقد أشارت الرواية إلى بعرة صاحبة المقهى بأنها سوداء من سلالة العبيد، بينما معيظ مدير المدرسة حر أباً عن جد. وقد استخدمت اللهجة المحلية من باب تقريب القارئ من أجواء المادة السرديّة. قالت بعرة لمعيظ عندما جاءها خاطباً ابنتها دخنة: «يا مرجوح، ما شبعت من النساء، أربعة طلقتهن والخامسة عندك، وتريد بنتي؟ تبغي تكملها على نص الدرزن، فشرت عينك وعين المدرسة اللي أنت مديرها».
ومن المشاهد التي تعبّر عن طبيعة المنطقة وخصوصيتها التي لم يألفها المدرسون الفلسطينيون، احتراق رؤوس النخيل بفعل الصواعق المنخفضة والأمطار الموسمية التي تنزل كالوابل بلا توقف، وهناك الغبار الذي يهاجمهم بلا هوادة ويسبب لهم الضيق والتّبرّم: «الغبار هنا يجب أن يدخل إلى أنوفنا رغماً عنها، أحياناً يختصر الطريق، فيتجمّع عند زوايا الفم، يتراكم، نغسل وجوهنا، نتمضمض، ثم يتجمّع ثانية». ولا ننسى البعوض أو القارص الذي تسبب لدغته الحمى. ظروف حياتية صعبة سواء في المسكن البدائي أو الخدمات والبنية التحتيّة المتوفرة وأهمها الرعاية الصحية.
وقد استخدمت الرواية تقنية الحلم كوسيلة لاستباق الحدث قبل حدوثه كما في حلم عماد عن عقرب مخيف يلدغ منصور في رقبته، وعندما يخرج عماد من المنزل هرباً منه يجد ضبعاً في الطريق فيعود إلى المنزل ويغلق الباب ليجد منصور على الحال التي أشرنا إليها. وهذا ما حدث تماماً فعماد نجا من الحمى لكن منصور قضى فيها. وما دمنا نتحدث عن التقنيات فلا بد من الإشارة إلى أن خط الزمن لم يكن متسلسلاً كما في الشكل التقليدي فنرى الاسترجاع في بعض المشاهد، لكن التلاعب الاستباقي اللافت كان المشهد الافتتاحي، وهو مشهد المعلمين وألواح الثلج الذي أشرنا إليه سابقاً.
وعن وصف الطريق إلى بلحارث يقول منصور: «الطريق بحر شاسع من الرمال المتحركة، سراب يجلل بقاعا مقفرة، ينتقل من مكان إلى آخر فوق الكثبان المصقولة، يبتعد عنّا كلما اقتربنا منه، والبحر يسير بمحاذاة الجيب، يختفي، ثم يعاود الظهور». لم تكن رحلة الوصول إلى بلحارث سوى مقدمة بسيطة للمعاناة وصعوبة العيش هناك. سيارة جيب يتكدّس المسافرون في الجزء الخلفي المكشوف منها، وتسير على دروب رمليّة غير مهيأة تختفي آثار العجلات عليها بعد أن تهبّ ريح خفيفة، وتسبّب التعب والضيق للمسافرين، على أنّ خطورة الرحلة كانت في احتمالية الضياع في الصحراء خاصة في الليل، وكان الاعتماد بشكل كلّي على النجم الذي يشير إلى الجنوب. وفي خضم هذه الرحلة المرهقة نرى زوجة الأستاذ علي تخوض هذه التجربة القاسية وهي حامل وتستعد للولادة. وعن ظروف العمل في المدرسة يرد المقطع التالي: «كان حريّاً بالمفتش أن يطلب تبليط أرضية المدرسة الترابية أو صقل جدرانها المثقبة والناتئة، فالمنطقة موبوءة بالأفاعي والعقارب السامة. ذات مرة سقطت أفعى غليظة من سقف إحدى غرف الدراسة المصنوع من الشوك والخشب، فالتفّت على أحد المقاعد أمام منصور، الذي كان يشرح حصة في اللغة العربية، ولو لم يعالجها بالعصا التي كان يحملها، لحصلت مصيبة. هذه هي عادة المفتشين، لا يعرفون الأولويات». وفي موقع آخر يذكر الرّاوي حادثة الأفعى التي لدغت بوعايظ في خصيته وهو يقضي حاجته في الخلاء، ولولا الممرض الباكستاني الذي نجح في سحب الدم الفاسد من جسم بوعايظ لما نجا من سمّها.
ربما كان من الأجدر أن أذكر هذا الأمر عندما تحدثت في البداية عن بلحارث بين قراءتين. لا أعرف لماذا ظلّت شخصيّة بوعايظ عالقة بذهني أكثر من غيرها من شخصيات البيئة المحليّة الأخرى. رأيته مختلفاً عن معيظ وبعرة وظفرة، واعتبرته رمزاً من رموز الصحراء أو المناطق الجافة بصبره ومروءته وحسن تدبيره. بوعايظ الذي تعامل بحكمة الصحراء مع قضية تطليق زوجته بعد أن أدرك أنّ الأمر سيؤول إلى ما آل إليه، فتحوّل من رد الفعل الذي سيظهره بثوب العاجز المتخاذل إلى الفعل الذي سيحفظ ماء وجهه.
وفي خاتمة تراجيدية نرى (الهيلوكبتر) وهي تهبط في بلحارث لنقل جثمان منصور، ونرى الأستاذ علي يقرّر الاستقالة بعد وفاة ابنه فجر ويصل إلى نتيجة عبثيّة لكل هذا الأمر بشكل خاص والرحلة الحياتية بشكل عام. كما نرى الأستاذ عماد يقرّر العودة إلى عمّان وعدم تجديد عقده، وربما في هذا رسالة أراد ناجي تمريرها وهي التأكيد على أنّ معاناة الفلسطيني بدأت بالنكبة ولن تنتهي سوى بالعودة. وتبقى علامة سؤال كبيرة عالقة بأذهاننا: لماذا اختار الروائي تسلسل أحداث النهاية على الشكل الذي جاءت عليه؟ يموت منصور بحمى الملاريا قبل أن يقضي وطره من ظفرة بساعة أو ساعتين؟ ربما أراد أن يقول إنّ رحلة الغربة محكومة بالألم والقهر والاستبداد؛ استبداد الزمان والمكان والظروف.