يُعدّ د.ياسر سليمان معالي واحدا من فئة قليلة من اللغويين العرب الذين خرجوا بالدرس اللغوي من دائرته التقليدية إلى الانخراط في دراسات ذات أبعاد تمتد إلى العلوم الاجتماعية، والفلسفة، وعلوم السياسة والانثروبولوجيا.
من المهم أن نذكر أن كتبا للمؤلف مثل «اللغة العربية والهوية القومية»، و«حروب الكلمات»، و«اللغة والذات والهوية»، وغيرها من عشرات البحوث، قد ساهمت في نشر الوعي بدور اللغة في بناء الهوية.
يتألف كتاب «اللغة العربية في ساحات الوغى.. دراسة في الأيديولوجيا والقلق والإرهاب» من أربعة فصول، يتضمن كل فصل توطئة فعرض فخلاصة. في الفصل الأول يتناول اللغة العربية من منظور اجتماعي، وهذا المنظور توطئة لتقديم مفهوم الرمز، ولإدراك أهمية الترميز في فهم المنطلقات الفكرية والثقافية لفهم الطريقة التي يتعامل فيها الناس مع لغتهم، وتفكيك تلك العلاقة بقصد إدراكها كونها تميز بين الدور الأداتي للغة عن الدور الترميزي لها.
ولأن الاشتغال على الدور الأداتي، أي التواصل الذي عبر عنه كثير من اللغويين العرب كابن جني وغيره، أدى إلى حصر التفكير في هذا الجانب، فقد تم إغفال الدور الذي تقوم به اللغة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أو ما يطلق عليه القضايا الما-بعد لغوية، وعبر-لغوية. هذا المنظور «يثري فهمنا لهذه الظاهرة الإنسانية بوصفها منتجا ثقافيا (متشعبك) المناحي» (ص12)، وهنا نشير إلى أن نحت كلمة (متشعبك) من إبداع المؤلف؛ وقد جاء من كلمتي «متشعب» و"متشابك».
في فصل «اللغة العربية والأيديولوجيا» نجد أن استخدام مصطلح «الأيديولوجيا» في الكتاب يراد به تلك المبادئ التي تتعلق باللغة ذاتا وموضوعا، فهي في ذاتها تصبح شيئا مقدسا لأنه رمز للوجود.
• الأيديولوجيا اللغوية
هذا العنوان ذو أهمية باللغة في فهم دور اللغة في سياقاتها الاجتماعية و السياسية، فقد رأى المؤلف أن يعتمد مفهوما للأيديولوجيا اللغوية، ويتجنب استخدام الأيديولوجيا اللغوية التي تتصل بفضائها السياسي، فقدم الأيديولوجيا اللغوية «بوصفها درسا لسانيا، كونها تتجه إلى التعامل مع اللغة كنظام ترميزي في المجال اللغوي بالوصف والتحليل والتفسير عبر أشكال الخطاب المختلفة التي تعبر عن هذه الأيديولوجيا» (ص91).
• العربية في معمعة تطوير التعليم
اختار المؤلف النموذج القطَري ليكون شاهدا على الأيديولوجية اللغوية العربية، وهو يمثل تطبيقا حيا للجدل والنقاش الجاد وربما "الشرس" للعلاقة بين تطوير التعليم ومكانة اللغة العربية، وأهميتها في هذا التطوير.
جاءت مبادرة "تعليم لمرحلة جديدة" في قطر بُعيد أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001، ليتلقاها بعض الناس بالشك، فمنهم من رآها تنفيذا لمطالب أمريكية لإصلاح التعليم ليكون أكثر تسامحا وانفتاحا على الآخر وربما القصد منه استهداف اللغة والهوية، ومنهم من رآها استحقاقا طبيعيا لتطوير التعليم بعد دراسات مستفيضة لحالة التعليم في ذلك البلد. ومصدر الشك ما نقل على الصحافة الأمريكية من رغبة الكونغرس الأمريكي في تطوير تعليم أكثر انفتاحا وتسامحا في البلاد العربية لمواجهة ما أسموه "موجة التطرف". فإذا زدنا على ذاك اختيار مؤسسة راند الأمريكية للقيام بتصميم التطوير والإشراف عليه، فالحالة أصبحت كمن ينثر الملح على الجرح، فقد "تأكد" للبعض أن التطوير ما هو إلا تنفيذ لمطالب أمريكية.
في الفصل الثالث من الكتاب الذي جاء تحت عنوان "اللغة العربية والقلق اللغوي" تناول المؤلف مفهوم القلق من وجهة نظر علم النفس، واستطرد في ذلك وتوصل لخلاصة مفادها أن القلق "يوفر لنا مفاتيح استكشافية ترشدنا في سبر أبعاد ظاهرة يمكن مساءلتها من وجهة نظر مقارنة" (ص186).
• القلق اللغوي كظاهرة طبيعية
القلق اللغوي -برأي المؤلف- ناتج عن الشعور بأن اللغة قد تتعرض على يد أصحابها إلى الخروج على المعيارية التي تضبط اللغة من وجهة نظر النحويين خاصة وعلماء اللغة عامة، فضلا عن ارتباط مفهوم القلق بالهوية. وهذه الفكرة لعلها تكون السبب الرئيس في وجود ظاهرة القلق. وليس كل قلق مذموم برأي علماء النفس والطبيعة، بل ربما كان محمودا عندما يكون معتدلا، لأنه سيضع الكائن الحي في حالة من إدراك المخاطر التي تحيق به، وتعطيه ميزة التنبؤ والتكيف مع الأخطار المحيطة.
إن الخوف والقلق على اللغة العربية واضح جدا كما ظهر في تقارير وكتب ومقالات كثيرة، حتى عنون الدكتور المسدي كتابا له بـ «العرب والانتحار اللغوي.
يقول المسدّي إن السؤال المتعلق بمصير اللغة العربية «ربما كان فيما مضى ضربا من الاحتشاد الوقائي، لكنه في هذا الزمن الجديد، ومع تفتق التاريخ عن الاستعمار الثقافي الجديد، قد غدا سؤالا راهنا، ضاغطا، حارقا، لا يحتمل التأجيل، بل أضحى من أمهات الأسئلة لأنه بثقله الرمزي يقوم مقام أركان الصراع».
أما الكتاب الثاني فهو كتاب عبد العلي الودغيري «اللغة العربية في مراحل الضعف والتبعية»، وهذا العنوان كفيل باستفزار القارئ العربي. ففيه إشارات واضحة إلى أن ضعف العربية ليس أمرا يتعلق بذاتها من ناحية القدرة على البقاء، بل من الآثار التي ترتبت على الغزو الفكري والثقافي.
في الفصل الأخير من الكتاب والمعنون بـ «اللغة العربية والإرهاب» سنجد المؤلف يلج في موضوع يمكن أن نقول إنه موضوع الساعة سياسيا واجتماعيا وإنسانيا. فقضية الإرهاب والغبار الكثيف الذي أحاط بها، والشكوك والمفارقات بل والتناقضات التي ظهرت في تعريف مصطلح «الإرهاب» ألقت بظلال من الشك على هذه الظاهرة.
قدّم المؤلف أربع حالات تتعلق بالقلق والتوتر الذي ساد المجتمع الأمريكي خلال تلك الفترة. ولبيان القيمة الرمزية للغة في ظروف معينة يقدم المؤلف حالة الناشط الفلسطيني الأمريكي رائد جرار كي تلقي ضوءا كاشفا عن حقيقة ما نتحدث عنه. فهذا الشاب الذي صعد على طائرة وهو يلبس قميصا كُتبت عليه عبارة باللغتين العربية والإنجليزية «لن نصمت»، تم منعه من السفر على طائرة في رحلة داخلية. ويعلّق مؤلف الكتاب على هذه الحالة فيقول: «يُظهر هذا المثال القيمة الرمزية للغة بوضوح جلي، في صورتها النمطية في سياق زمكاني محدد، كما يُظهر أن هذه القيمة تنفصل مفاهيميا عن وظيفة اللغة الأداتية، وأن القيمة الرمزية للغة قد تطغى على وظيفتها».
• الخلاصة
يقدم الكتاب الذي بين أيدينا دراسة نظرية-تطبيقية لمفاهيم ما بعد لغوية. فالرمز والأيديولوجيا، والقلق، وأخير الإرهاب، قضايا كبيرة لا تتعلق فقط بالجانب الأداتي المعروف للغة وهو التواصل بين بني البشر، بل تتجاوزه إلى قضايا ملحة تكون اللغة محور الاهتمام فيها. وهذه القضايا تحتاج - كما يوصي المؤلف- إلى اهتمام أكبر من قبل الباحثين العرب المهتمين بحالة اللغة العربية لأنها تجعل اللغة أكثر التصاقا بحياة الناس، وتعبّر عن ذواتهم وتنطق بهمومه.
كما أن هذا النوع من الدراسات سيعيننا على فهم المواقف المختلفة من اللغة العربية على الساحة الدولية. فالعلاقة اللغة والإرهاب تقدّم وجهات نظر مهمة تهتم بالعلاقة بين تعلم اللغة العربية والثقافة المتصلة باللغة العربية، مما يستدعي جهودا كبيرة لفك هذا الربط المزعوم ومواجهة حملات التجني على اللغة العربية.