تأملات في ((جماليات التلقي والتأويل في الشعر العربيّ الحديث))

تاريخ النشر : الجمعة 10:30 12-12-2025
No Image

يجيء كتاب «جماليات التلقّي والتأويل في الشعر العربيّ الحديث» للدكتورة فداء عدنان أبو فردة كإشراقةٍ نقديّةٍ جديدةٍ تعيد للنقد العربيّ المعاصر حسّه الجماليّ وقدرته على الإنصات العميق للنصّ الشعريّ، فهو لا يعالج القصيدة بوصفها بناءً لغويًّا جامدًا، بل ككائنٍ حيٍّ يتنفّس عبر القارئ ويتجدّد في فضاء التلقّي.

تتناول الباحثة في هذا الكتاب منظومة العلاقة الثلاثيّة بين الشاعر والنصّ والمتلقّي، وتستند إلى نظرية التلقّي والتأويل كما طوّرها ياوس وآيزر لتعيد تأصيلها في البيئة النقديّة العربيّة، فتربط بين النظرية الغربية والوجدان العربيّ في تجربةٍ نقديّةٍ تتّسم بالعمق والابتكار.

وتخصّص الباحثة فصول الكتاب لتطبيقاتٍ جماليّةٍ على شعر يوسف الصائغ بوصفه نموذجًا للشاعر الحداثيّ الذي اتّخذ الرمز والانزياح والتكرار والتشكيل البصريّ دروبًا لخلق الدلالة وإشراك القارئ في إنتاج المعنى، فتتوقّف عند الظواهر الفنيّة الكبرى في شعره مثل الرمز بما يحمله من طاقةٍ إيحائيّةٍ متعدّدة المستويات، والانزياح الذي يفتح اللغة على أفقٍ غير مألوفٍ، والتكرار الذي يتحوّل إلى نبضٍ إيقاعيٍّ ودلاليٍّ، والدراما الشعرية والمفارقة بوصفهما تقنيتين تسهمان في تحريك المعنى من الداخل.

كما تبرز الباحثة البعد الجماليّ للفضاء البصريّ في القصيدة الحديثة، وتبيّن كيف يتحوّل البياض والصمت إلى مكوّنٍ من مكوّنات التلقّي البصريّ. ومن خلال هذا المزج بين النظرية والتطبيق يقدّم الكتاب رؤيةً متكاملةً للجماليات التي تحكم فعل القراءة الحديثة، فيغدو القارئ شريكًا في كتابة النصّ لا تابعًا له، ويصبح النقد جسرًا بين العلم والدهشة، بين التحليل والمتعة، لتتجلّى في صفحاته فكرةٌ جوهريّةٌ مفادها أنّ الشعر لا يدرك إلّا حين يؤوّل، وأنّ التلقّي هو الفنّ الأعلى في قراءة الجمال واستنطاق أسرار اللغة.

في فضاء النقد الحديث تتقدّم أبو فردة بخطى العالم العاشق لتزرع في تربة الشعر العربيّ الحديث بذور نظريّةٍ تعيد الاعتبار للقارئ بعد أن ظلّ ردحًا من الزمن في الظلّ، فتفتح أبواب القصيدة أمام من يتقدّم إليها بحدسه وشغفه لا بمقاييس البلاغة القديمة وحدودها الجامدة، فيغدو التلقّي فعلًا خلاقًا، ويغدو التأويل إشراقةً من إشراقات الروح التي تلمس المعنى الخفيّ في تجاويف النصّ، هكذا تبدأ رحلة الكتاب كأنّها سفرةٌ بين لغتين: لغة الشاعر ولغة المتلقّي، بين ما يقال وما ينتظر أن يقال، بين حضور الكلمة وغيابها، وكأنّ النقد هنا صلاةٌ جماليّةٌ تؤدّى على محراب اللغة.

إنّ اختيارها ليوسف الصائغ ليس اختيارًا اعتباطيًّا، بل هو بحثٌ في قلب النار، لأنّ هذا الشاعر العراقيّ كان مرآة زمنه وندوبه، يحمل في لغته ما يشبه الوجع الجمعيّ للإنسان العربيّ الممزّق بين الحلم والخذلان، وبين الإيمان بالقصيدة كطريقٍ للخلاص والشكّ فيها كمرثيّةٍ متأخرةٍ للجمال، ولأنّ شعره يتنفّس رموزًا وانزياحاتٍ وتكراراتٍ وفضاءاتٍ بصريّةً، فقد وجدت فيه الباحثة تربةً خصبةً لتطبيق نظريّتها في التلقّي والتأويل، تستقرئ من خلاله كيف يتبدّل دور القارئ من متلقٍّ إلى مشاركٍ في إنتاج الدلالة، وكيف يتحوّل النصّ إلى كائنٍ حيٍّ يحاور قارئه ويستفزّه ويمنحه سلطة الكشف.

تبدأ الكاتبة مسارها من سؤالٍ كبيرٍ: كيف يمكن للقصيدة الحديثة أن تظلّ حيّةً في قلب قارئها، وكيف يستطيع هذا القارئ أن يعيد خلقها من جديدٍ كلّما تلاها؟ ومن هنا تفتح أبواب النظرية الألمانية في التلقّي التي أبدعها ياوس وآيزر لتجعلها جسورًا تصل بين النظرية الغربية والنصّ العربيّ، فلا تنقلها نقلًا جامدًا بل تعيد توطينها في أرض الشعر العربيّ، فتغدو المفاهيم حيّةً في تربةٍ مختلفةٍ، وتصبح أدوات النقد نوافذ تطلّ منها الروح على المعنى لا قيودًا تحاصره.

تتقدّم الباحثة في تحليلها كمن تسير في ممرٍّ من الضوء، تقرأ في شعر الصائغ رموزًا تحيا في الظلّ، تقول مثلاً في أحد المقاطع التي توقّفت عندها: «يا شبحًا فوق خليج البصرة/ عد للبحر/ شرور مدينتنا تكفي/ إنا ابتعنا بالخيبة خبازاً/ ودما/ واحتسب الكهان لنا خرزا/ عدّ ضحايانا»، فترى في هذا المقطع أنّ الرمز لا يقف عند حدود الصورة، بل يتعدّاها إلى بنية الوعي، فالشبح هو ضمير المدينة الميت والبحر هو الخلاص المبتعد، وهنا يصبح التلقّي فعل استنطاقٍ للرمز واستحضارٍ لتاريخه الثقافيّ، فتستيقظ الذاكرة الجماعيّة لتقول إنّ كلّ مدينةٍ تطفئ بحارها تموت عطشًا.

المنهج الذي اتّبعته الباحثة هو المنهج الوصفيّ التحليليّ الممزوج بالقراءة الجمالية التأويليّة، منهجٌ لا يكتفي بوصف الظاهرة بل يحاول أن يفكّك أسرارها ويكشف عن العلاقات الخفيّة بين اللغة والفكرة والإيقاع والرؤية، وفي هذا المنهج نلمس أثر التكوين الأكاديميّ العميق، لكنّنا نلمس أيضًا نفس العاشقة التي لا تقرأ النصّ بعين الناقد وحده بل بعين من يرى في كلّ بيتٍ شعريٍّ نبضةً من نبض الحياة.

وتغدو اللغة في هذا الكتاب جسدًا حيًّا يتشكّل ويتحوّل مع كلّ قراءةٍ، فالباحثة لا تعامل اللغة كأداةٍ بل ككائنٍ يمتلك وعيه الخاصّ، لذلك تصغي إلى الصوت الخفيّ وراء المفردة، تلتقط ما بين الحروف من فجواتٍ وتمنح القارئ مفاتيح تأويلها، تقول في تحليلها للانزياح عند الصائغ إنّ الشاعر حين يقول: «سقطت قنبلةٌ أخرى/ سقط السقف/ قتلنا/ وسمعنا صوت جنينٍ يضحك في الأنقاض/ قمر ميت/ وجنين يتيم/رأينا على القمر المستريب/ نحلة من دماء، وشعرة ذئب» فإنّه لا يصف حربًا، بل يعيد خلق مفهوم الولادة في قلب الدمار، فيغدو الجنين رمزًا لاستمرار الحياة وسط الموت، وهنا تتجلّى جمالية التلقّي في لحظة الإدراك التي يتقاطع فيها الألم بالأمل، ويتحوّل الخراب إلى رحمٍ جديدٍ للخلق.

تتعمّق القراءة أكثر حين تقترب من مفهوم التكرار في شعر الصائغ، فترى فيه الباحثة ظاهرةً إيقاعيّةً ودلاليّةً في آنٍ واحدٍ، فالتكرار ليس مجرّد صدى صوتيٍّ بل هو بناءٌ للذاكرة الشعريّة، وتأكيدٌ على توتّر المعنى، إذ كلّ عودةٍ إلى اللفظ هي عودةٌ إلى جرحٍ أو حلمٍ أو رؤيا، وبذلك يتحوّل التكرار إلى نبضٍ داخليٍّ للنصّ، يذكّر القارئ بأنّ الشعر لا يقال مرّةً واحدةً، وأنّ اللغة لا تفصح إلا حين تتعثّر وتكرّر ما لم يقال.

وفي مقطعٍ آخر ترى الكاتبة أنّ الدراما الشعرية عند الصائغ ليست مجرّد تقنية، بل هي ساحة صراعٍ بين الذات والعالم، فالشاعر حين يحاور ذاته إنّما يحاور الإنسان في كلّ الأزمنة، وحين يقيم المفارقة بين الظاهر والباطن، فإنّه يكتب سيرة الألم الإنسانيّ بلغةٍ تتوهّج بين البساطة والعمق، ومن هنا تبرز قدرة الباحثة على قراءة النصّ لا بوصفه مادّةً لغويّةً بل ككائنٍ دراميٍّ يعيش ويتنفّس ويتصارع.

ويتجلّى التشكيل البصريّ في قراءتها كأفقٍ ثالثٍ للتلقّي، فالشعر لا يقرأ بالأذن وحدها بل بالعين أيضًا، والعين حين تتأمّل الفراغات والمسافات البيض بين الأسطر تدرك أنّ الصمت في القصيدة كلامٌ آخر، وأنّ البياض جزءٌ من الإيقاع، وهنا يتّسع التأويل حتى يصير فعلًا بصريًّا، يشارك فيه القارئ بعينه وخياله وذاكرته في آنٍ واحدٍ.

وتقف الباحثة طويلًا عند العلاقة بين الدالّ والمدلول، فترى أنّ الشعر الحديث لا يقدّم معنى جاهزًا بل يفتح المعنى على احتمالاتٍ لا تنتهي، وأنّ القارئ لا يبحث عن إجابةٍ بقدر ما يبحث عن طريقٍ للأسئلة، فالنصّ الجيّد في نظرها هو الذي لا يغلق بابه بل يدعو قارئه للدخول في دهليزه، وهناك يبدأ فعل التأويل الحقيقيّ، إذ يصبح القارئ شريكًا في خلق النصّ، يكمل ما تركه الشاعر معلّقًا على حبال المعنى.

وهنا تتبدّى أهميّة الكتاب في النقد العربيّ المعاصر، فهو لا يكتفي بعرض المفاهيم الغربية، بل يعيد تأويلها في ضوء التجربة الشعرية العربية، فيعيد للحسّ الجماليّ العربيّ حضوره، ويجعل من النقد نفسه شعرًا آخر، إذ تكتب الفكرة هنا كما تكتب القصيدة، بالانفعال والخيال والدهشة، ولذلك يمكن القول إنّ هذا الكتاب لا يقرأ الشعر فحسب، بل يكتبه من جديدٍ على صفحة النقد.

ويمتدّ في الكتاب نهر التأمّل ليكشف أنّ جماليات التلقّي ليست علمًا جامدًا، بل هي طقسٌ من طقوس الفهم ومراسٌ من مراس العشق بين الناقد والنصّ، وأنّ التأويل في الشعر العربيّ الحديث ليس حيلةً فكريةً بل هو لحظة انخطافٍ في بهاء اللغة، حيث يتوحّد القارئ مع القصيدة كما يتوحّد الصوفيّ مع الذكر، فتغدو القراءة نوعًا من الفناء في النصّ، والانبعاث منه بلغةٍ أخرى، وتلك هي المعجزة التي تتكرّر في كلّ قصيدةٍ حقيقيّةٍ؛ أن يصبح القارئ شاعرًا لحظة الفهم، وأن يتحوّل الشاعر في وعينا إلى قارئٍ آخر لنفسه عبرنا، وهكذا يتبادل الطرفان أدوار الخلق، فيغدو النصّ منطقة التقاءٍ بين وعيين أحدهما ينشد، والآخر يصغي، وكلاهما يحيا في صمت الجمال.

وفي هذا الامتداد من التحليل تذهب الباحثة إلى عمق العلاقة بين الجمالية والمعرفية، فتؤكّد أنّ الشعر في جوهره ليس بيانًا للعقل بل إشراقًا للبصيرة، وأنّ التلقّي لا يتحقّق إلا إذا انفتحت بصيرة القارئ على الأفق الخفيّ للنصّ، لأنّ اللغة الشعريّة لا تفهم بالمنطق بل ترى كما ترى اللوحة التشكيلية، وهنا تستدعي الباحثة المفهوم الصوفيّ للتأويل لتقارب به المفهوم الجماليّ، فكما أنّ الصوفيّ يرى وراء اللفظ معنى لا تدركه الحواسّ، كذلك الناقد الجماليّ يبصر ما لا يقال في النصّ، فيتلقّى بنور الفكرة لا بعين الحرف، وتلك هي جمالية الكشف التي تعطي لعملية التلقّي بعدها الوجوديّ والروحيّ.

ومن أبهى ما تلتقطه الباحثة في قراءتها أنّ التأويل ليس تفكيكًا فحسب بل هو بناءٌ جديدٌ للمعنى، فالقارئ حين يؤول النصّ لا يمحّصه كما يفعل الباحث العلميّ بل يعيد خلقه على صورته الخاصّة، فتتحوّل القصيدة الواحدة إلى قصائد بعدد قرّائها، وهنا يتحقّق ما تسميه الباحثة «الخلود الجماليّ للنصّ»، لأنّه لا يموت ما دام قادرًا على التجدّد في كلّ وعيٍ، وفي هذا التصوّر يتجلّى الفهم العميق لمفهوم «أفق التلقّي» عند ياوس، ولكنّ الباحثة تعيد تأصيله في ضوء التجربة العربية، لتقول إنّ الأفق في الشعر العربيّ لا يتّسع إلا بمقدار ما يتّسع الخيال، وإنّ القارئ العربيّ لا يقرأ بذاكرته وحدها بل بتاريخه الوجوديّ الطويل الممتدّ من الشعر الجاهليّ إلى قصيدة النثر الحديثة.

ويدرك القارئ عبر صفحات الكتاب أنّ الباحثة لا تكتب من برجٍ نقديٍّ عالٍ بل من خندق اللغة نفسها، فهي تقاتل مع الشاعر في ميدان الكلمة، تصاب بجرح المعنى، وتضمّده بالتحليل، تفرح بالدهشة وتخاف من الغموض، ولكنّها لا تفرّ منه بل تعانقه لتكشف أنّ الغموض في الشعر ليس نقصًا في الوضوح بل زيادة في الوعي، وأنّ ما يبدو مبهمًا إنّما هو ما يفتح الطريق أمام التأويل، لأنّ النصّ الصافي كالمرآة الشفافة لا يغري بالتأمّل، بينما النصّ الغائم هو الذي يثير في القارئ الرغبة في الغوص، وتلك هي جماليات الغموض التي تحتفي بها الباحثة وتمنحها مكانتها بوصفها فضاءً للمعنى لا عائقًا أمامه.

ويتجلّى الحسّ البلاغيّ في لغة الباحثة نفسها، إذ تكتب النقد كما يكتب الشعر، جملها مشحونةٌ بالإيقاع، عباراتها تراوغ المعنى كما تراوغ القصيدة قارئها، فهي تمارس في نقدها ما تنادي به في نظريتها، تجعل من الناقد متلقّيًا فعّالًا، ومن النقد نصًّا مفتوحًا للتأويل أيضًا، ولذلك يحقّ لنا أن نقول إنّ كتابها هذا لا يقرأ الشعر فقط بل يعيد تعليم النقد كيف يكون جميلًا، لأنّ جماليات التلقّي لا تنحصر في النصوص المقروءة بل تمتدّ إلى طريقة قراءتها نفسها، فإذا كان القارئ العاديّ يرى في الشعر معنى، فإنّ الناقد الجماليّ يرى في القراءة نفسها شعرًا.

وتشير الباحثة في أكثر من موضعٍ إلى أنّ العلاقة بين الشاعر والمتلقّي ليست رأسيةً بل دائريةٌ، إذ كلّ قارئٍ يخلق شاعرًا جديدًا في وعيه، وكلّ شاعرٍ يخلق قارئًا على صورته، وهكذا تستمرّ الدائرة في الدوران، فتغدو القصيدة فضاءً للقاء المستحيل بين الأنا والآخر، بين اللغة والصمت، بين ما يقال وما يحسّ ولا يقال، وتلك هي المعادلة التي تعيد للقصيدة العربيّة المعاصرة بريقها بعد أن كادت تفقده في زحام الشكل والموضوع، لأنّ الجمال كما تقول الباحثة لا يسكن في الفكرة ولا في الصورة وحدها، بل في الطريقة التي يتفاعل بها القارئ معهما، فالجمال حدثٌ، لا وصف، ولقاءٌ، لا جدار.

ومن أعمق ما في الكتاب من إشراقٍ هو استحضاره لفكرة الزمن في التلقّي، إذ ترى الباحثة أنّ النصّ لا يعيش في زمنه فقط، بل يحمل معه أزمنةً أخرى، فكلّ قراءةٍ تضيف طبقةً من الزمن إلى النصّ، وهكذا يتكدّس الشعر كالحياة، كلّ قارئٍ يضيف إليه شيئًا من حضوره، وكلّ لحظةٍ قراءةٍ هي إعادة ولادةٍ للمعنى، لذلك لا يموت الشعر الحديث بل يتجدّد، لأنّ تأويله لا نهاية له، وها هنا نبلغ جوهر الفلسفة الجمالية التي يتأسّس عليها الكتاب، وهي أنّ النصّ العظيم هو الذي يؤوّل العالم كما يؤوّل هو نفسه، وأنّ الشعر في لحظة التلقّي يتحوّل من كلامٍ على الورق إلى كينونةٍ حيّةٍ في وعي القارئ.

ثمّ تمضي الباحثة إلى ما وراء الجمال لتكشف عن مسؤوليّة الشعر في إعادة بناء الوعي الإنسانيّ، فالقصيدة في نظرها ليست ترفًا لغويًّا بل موقفٌ وجوديٌّ، وكلّ تأويلٍ حقيقيٍّ هو أيضًا فعل مقاومةٍ ضدّ التسطّح، إذ ما نؤوّله إنّما نحييه، وما نقرأه بشغفٍ إنّما نمنحه الخلود، وهكذا تتحوّل جماليات التلقّي إلى أخلاقٍ للقراءة، تجعل من الناقد شاهدًا على الحياة لا مراقبًا لها من بعيدٍ، وتذكّرنا بأنّ الشعر الحديث لا يفهم إلا حين يعاش، وأنّ التأويل ليس وظيفةً فكريةً بل تجربةٌ وجدانيّةٌ يعيشها المتلقّي كما يعيش العاشق حبيبه.

ومن هنا تتولّد القيمة الكبرى لهذا الكتاب، فهو ليس بحثًا في نظريةٍ نقديّةٍ فحسب بل هو مرآةٌ لأحلام النقد العربيّ في أن يكون فنًّا بقدر ما هو علمٌ، وأن يجمع بين الدقّة الأكاديميّة وحرارة الإبداع، ومن خلال لغته المتألّقة وصوته المتفرّد ينجح الكتاب في أن يعيد للقارئ العربيّ ثقته بدوره، في زمنٍ كثرت فيه النصوص وقلّت القراءات، ليقول له: إنّك لست ظلًّا للشاعر، بل شريكه في الخلق، فكلّ كلمةٍ تنصت لها تصبح لك وطنًا من المعنى، وكلّ صمتٍ تدركه يتحوّل إلى موسيقى أخرى.

وهكذا، حين نغلق الكتاب، نشعر أنّنا لم نقرأ دراسةً نقديّةً بل عشنا تجربةً روحيّةً جماليةً تفتح لنا عيونًا أخرى للقراءة، وتجعلنا ندرك أنّ الجمال لا يسكن في النصوص وحدها بل فينا نحن، وأنّ التأويل الحقيقيّ هو أن نعيد اكتشاف ذواتنا ونحن نقرأ، فتصبح القصيدة مرآة القارئ، ويصبح القارئ مرآة القصيدة، وتلك هي رسالة هذا الكتاب الفريدة في زمنٍ فقد فيه النقد روحه، فأعادته الباحثة إلى مكانه الطبيعيّ: بين دفء الكلمة ونبض الإنسان.

وفي خاتمة التأمّل، حين تسكن اللغة في صمتها الأخير، يبدو كتاب «جماليات التلقّي والتأويل في الشعر العربيّ الحديث» كأنّه وردةٌ نادرةٌ تفتّحت في حديقة النقد العربيّ بعد طول جدبٍ، وردةٌ تشي بأنّ الجمال ما زال ممكنًا، وأنّ القارئ لم يفقد بعد سلطته في إعادة خلق القصيدة من رمادها، فكلّ نصٍّ يمرّ في عين المتلقّي يصير مرآةً جديدةً للعالم، وكلّ تأويلٍ صادقٍ هو نفس حياةٍ يزرع في صدر اللغة، وها هي الدكتورة فداء عدنان أبو فردة تضع يدها على الجرح الجميل للنقد، فتجعله يبتسم، تمسك بلهيب الشعر فتحيله ضوءًا، وتعيد للقراءة معناها الأصيل كفعل حبٍّ، لا كواجبٍ معرفيٍّ، وكأنّها تقول لنا بصوتها العميق إنّ القصيدة لا تكتب مرّةً واحدةً، بل تكتب كلّما قرئت، وإنّ الناقد الحقيقيّ ليس من يشرح النصّ بل من يسمع نبضه الخفيّ، فيقرأه بقلبٍ مفتوحٍ على الدهشة، وعقلٍ يدرك أنّ الجمال لا يفسّر بل يعاش، فتغدو القراءة صلاةً، والتأويل عبادةً، والنقد حوارًا بين الروح واللغة، وهنالك فقط يتحقّق الحلم الذي وعد به هذا الكتاب، أن يصبح الجمال ميثاقًا جديدًا بين الشاعر والقارئ، وبين الإنسان ودهشة الوجود

وفي خاتمة التأمّل، حين تسكن اللغة في صمتها الأخير، يبدو كتاب «جماليات التلقّي والتأويل في الشعر العربيّ الحديث» كأنّه وردةٌ نادرةٌ تفتّحت في حديقة النقد العربيّ بعد طول جدبٍ، وردةٌ تشي بأنّ الجمال ما زال ممكنًا، وأنّ القارئ لم يفقد بعد سلطته في إعادة خلق القصيدة من رمادها، فكلّ نصٍّ يمرّ في عين المتلقّي يصير مرآةً جديدةً للعالم، وكلّ تأويلٍ صادقٍ هو نفس حياةٍ يزرع في صدر اللغة، وها هي د.فداء عدنان أبو فردة تضع يدها على الجرح الجميل للنقد، فتجعله يبتسم، تمسك بلهيب الشعر فتحيله ضوءًا، وتعيد للقراءة معناها الأصيل كفعل حبٍّ، لا كواجبٍ معرفيّ.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }