«عبر بوابات الزَّمن».. رواية تجمع بين الوعي والخيال والتربية

تاريخ النشر : الجمعة 10:30 12-12-2025
No Image

في روايته الأخيرة الموجهة لليافعين والتي جاءت بعنوان «عبر بوّابات الزمن»، يأخذنا د.سمير كتّاني في رحلة روحية وفكرية تتجاوز حدود الواقع والمكان، لتغوص في جوهر الوعي الإنساني، حيث تمتزج المغامرة بالتأمل، والخيال بالمعرفة، والتاريخ بالحكمة.

على مدى 212 صفحة، تفتح الرواية أبوابها على عالم يتخطى المألوف، لتعید إلى القارئ سؤالًا قديمًا متجدّدًا: هل يمكن للزمن أن يكون جسرًا بين العصور والعقول، لا مجرد خط مستقيم يمضي بلا عودة؟

تبدأ الحكاية في بيت قديم يملكه جدّ «أديب»، أحد الأبطال الثلاثة، حيث ظلّت مكتبته مغلقة منذ وفاته، يتراكم فيها الغبار كما المخطوطات النادرة التي «أكل عليها الدهر وشرب». يدفع الفضول «أديب» وصديقيه «نادر» و"جاد» إلى دخول هذا المكان الغامض، فيجدون كتابًا أثريًا مكتوبًا بخط غريب ولغة غير مألوفة، يثير فيهم رغبة الاستكشاف، ويبدأ الحدث الفاصل الذي سيغيّر حياتهم بانتقالهم عبر بوّابة زمنية إلى الماضي البعيد.

في لحظة خاطفة، يجد الأصدقاء أنفسهم وسط أزقة ضيقة من الطين والحجارة، في مدينة إسلامية من القرون الوسطى. كل شيء من حولهم يوحي بأنهم انتقلوا حقًا إلى زمن آخر.. زمن العلماء والمخطوطات وبيوت الحكمة. هناك يلتقون شخصيات تاريخية مثل رابعة العدوية وابن المقفّع، في مشاهد تُعيد إلى الحياة روح الحضارة الإسلامية التي جمعت بين العقل والإيمان، والفكر والتربية، واللغة والهوية.

يفاجئنا الكاتب ببراعته في نسج هذه اللقاءات بأسلوب متوازن يراوح بين الواقعية السحرية والدقة التاريخية، فيجعلنا نرى هذه الشخصيات لا كأسماء في الكتب، بل كرموز حيّة تنطق بالحكمة والتجربة، تُضيء وعي الأبطال وتعيد تشكيل نظرتهم إلى الحياة.

ففي حوارهم مع رابعة العدوية، يتعلمون أن النور الداخلي لا يُكتسب من الخارج بل يُستعاد من أعماق القلب، وفي لقائهم بابن المقفّع يدركون أن الحكمة لا وطن لها، وأن الأدب هو طريق الإنسان إلى الفهم والتربية والتهذيب.

هذه الرسائل ليست مصادفة؛ فهي امتداد طبيعي لخط فكري عميق يميّز أعمال كتّاني، الذي عُرف بأسلوب يجمع بين البعد التربوي والهوية الثقافية. فهو لا يقدّم الأدب كحكاية للتسلية، بل كوسيلة لتربية الذوق والوجدان، وإحياء الانتماء الإنساني والعربي في القارئ. وإن لم تكن هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها له، فإن هذا يشفع لي أن أقول إنَّنا مع كلِّ عمل من أعماله نلمح حرصه على اللغة العربية بوصفها وعاء الفكر وروح الهوية، وعلى القراءة كقيمة تربوية تُنقذ الإنسان من التيه والاغتراب.

وفي هذه الرواية تحديدًا، تتجلّى بصمته بوضوح في قدرة السرد على الجمع بين الخيال العلمي والفكر التربوي، بحيث تصبح الرحلة عبر الزمن رمزًا لرحلة الإنسان نحو ذاته، وتحوّل المعرفة من موضوع جامد إلى تجربة حيّة تنمّي الشخصية وتربّي الوعي.

أما من الناحية الفنية، فتتّسم الرواية بلغة شاعرية أنيقة، تمزج بين الإيقاع الأدبي والصفاء الفلسفي، فتتدفّق الجمل كأنها موسيقى خافتة: «في لحظة فاصلة من الزمان، تنفتح البوابة على مصراعيها، فينساب منها عبق العصور الزاهرة، ويعانق الحنين بالحكمة، والمجد بالحبّ."

هذه اللغة ليست ترفًا بل ضرورة فنية، إذ تخلق الجو الأسطوري الذي تحتاجه الفكرة، وتُشعر القارئ أنه يسير في متحف من المعاني.

كذلك ينجح الكاتب في رسم شخصيات متكاملة نفسيًا: «أديب» المفكّر المتأمل، «جاد» المغامر الجريء، و"نادر» الواقعي المتردد. ثلاثتهم يمثلون أضلاع الوعي الإنساني الثلاثة: العقل، الإرادة، والحدس. ومن خلال تفاعلهم، تتطور الأحداث نحو اكتشاف داخلي لا يقل أهمية عن الرحلة الزمنية نفسها.

وفي المشهد الختامي، يعود الأصدقاء إلى زمنهم بعدما خاضوا سلسلة من التحولات المعرفية والروحية، وقد أدركوا أنَّ الحكمة لا تسكن قلب امرئ واحد، ولا تنمو في زمن بعينه، بل هي مشكاة تتناقلها الأرواح كما تتناقل النجوم نورها في السماء. وهكذا يغلق الكاتب دائرته الرمزية بعبارة عميقة: «الزمن لا يمضي، بل يتجلّى. وكل من عبر بوّاباته بحق، لا يعود كما كان."

تبدو رواية «عبر بوّابات الزمن» أكثر من مجرد رواية خيال علمي أو مغامرة أدبية؛ إنها تأمل فلسفي وتربوي في معنى الإرث الإنساني والمعرفة المستمرة. لا يسعى الكاتب إلى إبهار القارئ بالمشاهد الخارقة، بل يدعوه إلى تقدير الماضي دون الوقوع في أسره، واستثمار الحكمة القديمة لبناء المستقبل. إنها رواية تذكّرنا بأن التعليم ليس تلقينًا، بل تجربة روحية تنير العقل وتربّي الوجدان.

أما إذا أردنا قراءة الرواية من زاوية أخرى، فيمكن اعتبارها جسرًا بين الأدب والفكر والتربية، إذ تطرح سؤالًا عميقًا عن ماهية الزمان كطاقة فاعلة في بناء الهوية الثقافية، وكيف يمكن للمعرفة أن تربط الأجيال عبر «بوّابات الزمن» الفكرية لا الفيزيائية.

ولعل هذا ما يجعلها عملًا يصلح للقراءة في المدارس والجامعات، لأنها تُحيي التراث العربي بعين معاصرة، وتقدّم نموذجًا راقيًا للأدب التربوي القائم على التأمل لا الوعظ. فهي تذكّر القارئ بأن الماضي ليس وراءنا، بل في داخلنا، وأن كل كتاب نقرأه هو بوابة صغيرة نحو زمن آخر.

وبهذا المعنى، ينجح د.سمير كتّاني في أن يجعل من «الزمن» شخصية حية في روايته، ومن القراءة فعلًا روحيًا يوقظ فينا دهشة الطفل وحكمة الشيخ في آن واحد.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }