تمثّل (العيارة والشطارة) طيفاً واسعاً من الممارسات والسلوكيات في تاريخ الأدب العربي والإسلامي، إلى درجة يمكننا الزعم معها بأنها ما زالت بحاجة ماسة إلى إعادة النظر؛ تاريخاً ومفهوماً. ونظراً لأن المساحة المحدّدة لهذا المقال لا تسمح بالاستطراد التاريخي والاصطلاحي، فسوف نذهب إلى إبراز المقصود بالطلب على نحو عملي وإجرائي.
وأحسب أننا لن نجاوز الصواب إذا قلنا بأن ظاهرة الصعلكة في العصر الجاهلي، تمثّل التجسيد الأول للعيارة والشطارة في الأدب العربي. ومع ضرورة التحذير من مغبّة الانسياق مع التوجيهات الإيديولوجية لهذه الظاهرة -وخاصة من منظور اشتراكي- فإن الصعاليك مارسوا الإغارة والنهب والقتل والأسر والترويع، على نحو جماعي مقصود ومنظّم، إلى الحد الذي دفع قبائلهم إلى التنصل منهم، كما دفع القبائل الأخرى إلى إهدار دمائهم.
وعلى الرغم من بعض الاستثناءات أو الومضات التي قد نقع عليها هنا وهناك؛ سلوكاً وشعراً، فإن الاستقراء الموضوعي لسياق وخطاب هذه الظاهرة، يؤكد أنها تقع خارج المنظومة الاجتماعية في العصر الجاهلي. ولا يقلّل من هذا التأكيد، تميّز عروة بن الورد سلوكاً وشعراً، ولا تعالي أسطورة الشنفرى الذي نميل إلى الاعتقاد بأن اللامية المنسوبة له، هي من نسج خيال خلف الأحمر!
لقد أسهم الإسلام -عقيدة ونظاماً- في تقليص ظاهرة العيارة والشطارة إلى حد بعيد، ولا ريب في أن مركزية الدولة من جهة، ورسوخ نظام التكافل الاجتماعي من جهة ثانية، وتغليظ عقوبة الحرابة وقطع الطريق من جهة ثالثة، قد أدت مجتمعة إلى انحسار ظاهرة الصعلكة في صدر الإسلام والعصر الأموي وصدر العصر العباسي الأول، وإن كنا لا نعدم بعض النماذج الفردية التي لا يمكن الاستناد إليها، للزعم بأن الصعلكة -مفهوماً وممارسة- قد كانت قوية الحضور.
دون تردد؛ یمكننا القول بأن: انفراط عقد مركزية الدولة العباسية بدءًا من ٢٥٠ للهجرة، وتصاعد فساد الوزراء والولاة وقادة الشرطة في هذه الدولة، فتح باب التنامي التدريجي لظاهرة الشطارة والعيارة، بكل أشكالها الناعمة والعنيفة. ومع أن الأدب العربي قد احتفى أيّما احتفاء بالجانب الناعم من هذه الظاهرة، وخلّدها عبر مقامات بديع الزمان الهمذاني ويتيمة الدهر للثعالبي ومعجم الأدباء لياقوت الحموي، التي أكدت مجتمعة الوجود الحقيقي لشخصيات أبطالها، بل أكدت أيضاً استئثارهم بإعجاب ورعاية بعض الخلفاء والوزراء، فإن كُتب التاريخ البغدادي، لم تدّخر وسعاً لتوثيق الجانب العنيف من هذه الظاهرة، الذي بلغ حد الإغارة والحرق والنهب والاختطاف والقتل، على نحو أضعف هيبة الدولة، وأشاع حالة من التحدي لسلطتها. ومما زاد الطين بلّة، أن الصراع المحتدم بين مراكز النفوذ، قد أدى أيضاً، إلى اتجاه زعماء هذه المراكز للاستعانة بالعيّارين والشطّار، سراً وعلناً، لتحقيق مآربهم، ولضرب أو إحراج خصومهم!
أمام هذا الواقع الذي بلغ حد تفشي ظاهرة العيّارين والشطّار، وتحوّلها إلى عصابات منظّمة تفرض ما تريد على الحكام والوزراء وقادة الشرطة في بغداد والقاهرة ودمشق -كما يتجلّى في دليلة والزيبق- لم يجد الناس مندوحة من المبادرة إلى ابتكار ما يحميهم من القتل والسرقة والابتزاز؛ فراح البغداديون ينشؤون في أحيائهم، ما يمكن تسميته «لجان دفاع شعبية»، تولّت الدفاع في كل محلّة عن السكّان وعن أرواحهم وممتلكاتهم وأرزاقهم بلا هوادة.
والطريف في الأمر أن هذه المبادرة الأهلية قد آتت أُكلها، وراحت تتسع وتترسّخ، بعد أن نجحت لجان الدفاع الأهلية، في إلحاق هزائم منكرة بعصابات الشطّار والعيّارين، على مرأى ومسمع من رجالات الدولة العباسية! بل إن هذه المبادرة الأهلية سرعان ما اتخذت من (الفتوّة) مسمّى وشعاراً لها، وصارت تأتمر بأمر زعيم واحد للفتيان، كما صار فتيانها يلتزمون بارتداء زي موحّد. ويبدو أن حركة (الفتوّة) التي تعهدت بنصرة المظلوم وقمع الظالم، قد بسطت نفوذها ووضعت حداً لعصابات العيّارين والشطّار، إلى درجة أن الخليفة العباسي الناصر لدين الله قد انضم إليها وارتدى زيها وتناول كأس عضويتها (الماء والملح) من يد شيخ الفتيان نفسه، وكتب بذلك للولاة والأمراء والسلاطين. كما وثّق ابن بطوطة في رحلته المشهورة، جانبا من نظامهم الفروسي الدقيق.
يخطئ من يظن بأن العيارة والشطارة قد اختفت في الزمن الحديث أو المعاصر، لأن القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبالتزامن مع تدهور أحوال الحكم العثماني في أقطار الوطن العربي، شهد ظهور كثير من الخارجين على القانون بمسمّيات ومسوّغات متعددة، لكن ما جمع بينهم هو تكرار نمط الإغارة والسلب والنهب والحرق والخطف والقتل دون هوادة. ولا حاجة بنا للتذكير بأن بعض الولاة وقادة الشرطة العثمانيين، فضلا عن بعض الإقطاعيين النافذين، قد أعادوا في هذه الحقبة الإقدام على الخطيئة نفسها التي سبق لأمثالهم في الدولة العباسية اجتراحها، ألا وهي التواطؤ سراً وعلانية مع هؤلاء المتمرّدين من لصوص وقطاع طرق وقتلة، لغايات ومآرب نفعية وأنانية.
وعلى الرغم من أن المقاربات التاريخية والأدبية لواقع العيارة والشطارة في الزمن الحديث والمعاصر، ما زالت خجولة جدًا لأسباب سياسية واجتماعية في المقام الأول، فإن بوسعنا القطع بأن نجيب محفوظ في رائعتيه (أولاد حارتنا) و(ملحمة الحرافيش) قد أقام نصبًا تذكارياً على الصعيد الوطني المصري والقومي العربي والإنساني العالمي، لمفهوم وظاهرة العيارة والشطارة، أكسبهما بعداً تراجيديا وفلسفياً فريداً، وذلك من خلال اتجاهه لسبر أغوار الفتوة الشقي والفتوة الصالح، وما يمكن أن يعرض للأول من مغريات وآمال خادعه وما يمكن أن يعرض للثاني من تحديات وعقبات، ناهيك بالإسقاطات الإيديولوجية والسياسية والاجتماعية الخطيرة التي أدت مجتمعة لحظر (أولاد حارتنا) في مصر وبعض الأقطار العربية عدداً من السنين، وإن لم تحل دون حصول صاحبها على جائزة نوبل في حقل الآداب.
وحتى يستوفي هذا المقال مطلوبه التثقيفي التنويري، فإن من الضرورة التنويه بمقدمة ابن خلدون، بوصفها أبرز ردود الأفعال على العيارة والشطارة الجماعية، التي تمثلت في إذعان الهلاليين الذين كانوا يسكنون جنوب مصر، لرغبة الخليفة الفاطمي باجتياح المغرب العربي، تأديبًا وعقابًا لوالي تونس الذي أوقف الدعاء للفاطميين وصار يدعو للعباسيين، فكان أن اجتاح الهلاليون ليبيا وتونس والجزائر والمغرب الأقصى، ودمّروا كل مظاهر الحضارة والثقافة والحياة، إلى درجة أن ابن رشيق يصفهم بالكفّار في عدد من قصائده التي قالها في مهجره الصّقلي.
وإمعانا في تأكيد مأساوية هذا الفصل من العيارة والشطارة الجماعية، فقد أوعز خليفة فاطمي لاحق -بناءً على نصيحة مستشاريه- بقلب كل ما حدث في هذا الاجتياح البربري، وإلباسه لباس البطولة والشهامة، تحت مسمّى (التغريبة الهلالية)، بهدف إشغال الرأي المصري العام بهذه السيرة الشعبية الملفّقة، عن مواصلة الثرثرة بخصوص بعض نساء المسؤولين اللواتي طالتهن الشبهات!