الأدب الموريسكيّ: سيرة الانهزام وصوت المقاومة

تاريخ النشر : الجمعة 11:58 21-11-2025
No Image

• في استعادة المفقود من الذاكرة

ليس التاريخ سوى صوت الصامتين، وأدب الموريسكيين هو أعذب ذلك الصوت وأنصعه، ففي هذا الكتاب الذي بين أيدينا، «الأدب العربي الموريسكي»، تقدّم الدكتورة فاطمة محيسن -الأستاذة في الجامعة الهاشمية- دراسة أكاديمية، هي ضرب من ضروب استعادة الذاكرة المغيّبة. إذ تعيد إلى الوجود حلقةً مفقودةً من حلقات الأدب العربي، طواها النسيان، أو كاد. وهي في هذا العمل الجريء، تشقّ للباحثين طريقاً لم يسلكوه من قبل، أو سلكوه على استحياء.

لقد عرفنا أدب الأندلس في أيام عزّه وبهائه، حين كانت قرطبة وغرناطة تتلالأ أنوارهما على العالم، ولكننا قلما عرفنا ذلك الأدب في أيام انحطاطه ومحنته، حين أمسى كالجمرة تحت الرماد. يأتي هذا الكتاب ليكشف عن تلك الجمرة الخافية، ويُظهر ما تنطوي عليه من لهب متقد، وشعلة لا تموت.

• عبقرية الموضوع وجسارة المنهج

إن اختيار موضوع الأدب الموريسكي يدلّ على عبقرية نادرة في التناول، وجسارة فائقة في المعالجة، فالباحثة لم تذهب إلى حيث يذهب الناس، بل اتجهت إلى حيث يُعرض الناس، إنها تنقّب عن الأدب حيث يختبئ، وتستقرئ عنه حيث يستتر. فالأدب الموريسكي هو أدب المستترين، أدب الذين اضطروا إلى إخفاء دينهم ولسانهم، فكان أدبهم تعبيراً صادقاً عن هذه الازدواجية المأساوية.

ولا يكفي في مثل هذا الموضوع المنهج التقليدي، ولا يغني فيه التحليل البلاغي المألوف؛ لذا توسّلت الدكتورة محيسن بمنهج النقد الثقافي، لتكشف عن الأنساق المضمرة في هذا الأدب. فهي لا تركن إلى ما يقوله النص، بل تتعداه إلى ما يسكت عنه، ولا تقف عند ما يعلنه، بل تنفذ إلى ما يخفيه. وهذا ضرب من النقد العميق، يذكرنا بمناهج النقاد في قراءة النصوص قراءةً تتجاوز الظاهر إلى الباطن.

• الشعر بين الاستغاثة والرثاء

إذا كان الشعر ديوان العرب، فإن الشعر الموريسكي هو ديوان الأندلسيين في محنتهم، فقد قسمته الباحثة إلى شعر استغاثة وشعر رثاء، وهذا تقسيم يحسن التعبير عن وظيفة الشعر في هذه الحقبة المظلمة.

فشعر الاستغاثة هو صوت الضعفاء يطلبون النجدة، وهو صوت اليائسين يرجون الغوث، ويشبه أن يكون صراخ الغريق، لا يملك إلا أن يمد يده إلى من يرجو فيه الخلاص. وقد وقفت الباحثة عند قصيدة العقيلي إلى سلطان فاس، فكشفت عن ذلك المزيج العجيب من التذلل والكرامة، والاستعطاف والاعتزاز، فيستمطر الشاعر عطف السلطان بأنفة، ليحتفظ لنفسه ببقية من كبرياء المهزوم.

أما شعر الرثاء، فهو النحيب على الماضي الجميل، والأنين على الحاضر الأليم، فهو يشبه بكاء الأرملة على زوجها، لا تريد ببكائها إلا أن تذكر نفسها وغيرها بما فقدت. وقد أبرزت الباحثة الفرق بين رثاء أبي البقاء الرندي ورثاء الموريسكيين. فالأول يرثي المدن وهي تتهاوى، ولكن الأمل لا يزال ممكناً، والثاني يرثي عالماً قد انتهى، وحضارة قد اندثرت. إنه الفرق بين من يبكي على جسدٍ ما يزال دافئاً، ومن يبكي على رفاتٍ قد بارت.

• النثر بين السياسة والدِّين

إذا كان الشعر هو لسان القلب، فإن النثر هو عقل الأزمة. والنثر الموريسكي يمثل أرقى ما وصل إليه العقل العربي في محنته، فهو نثرٌ يجمع بين بلاغة التعبير ودقة التصوير، بين قوة الحجة وروعة البيان.

فنلمح في الرسائل السياسية ذلك المزيج العجيب من الذل والكبرياء، والخضوع والتمرد. فالكاتب الموريسكي يخاطب السلطان بلغة العبد المذنب، ولكنه يخفي تحت هذه اللغة ثورة المظلوم. إنه يستعطف ولكن من موقع القوة الخفية، ويتذلل ولكن من منطلق الكرامة المكبوتة.

أما الرسائل الدينية، فهي أبلغ ما يكون التعبير عن مأساة الموريسكيين، ففيها نرى كيف تحولت «التقية» من مفهوم فقهي إلى أسلوب حياة. إنها نظرية المقاومة السلبية في أروع صورها، فالمسلم هنا لا يستطيع أن يجاهر بدينه، ولكنه يرفض أن يتخلى عنه، فهو يصلي بالإيماء، ويتطهر بالتيمم، ويأكل المحرمات بقلب نادم. إنها صورة مؤلمة لإنسان يريد أن يحافظ على هويته وهو مكبل اليدين، مسدود الأفواه.

• الرحلة بوصفها فنًا للمقاومة

لا تقل الرحلة الموريسكية أهمية عن الشعر والنثر، فهي تجمع بينهما في عمل واحد، والرحلة عند الموريسكيين لم تكن رحلة تطلع واستكشاف، بل كانت رحلة هرب ونجاة، ثم أصبحت رحلة سفارة ونيابة.

وفي رحلة (أفوقاي) نجد ذلك المزيج العجيب من السيرة الذاتية والتقرير السياسي، والوصف الجغرافي والتسجيل التاريخي. إنها رحلة ثمثل وثيقة إنسانية تروي قصة شعب بأكمله. والكاتب لا يصف الأماكن فحسب، بل يحلل النفوس ويفسر الدوافع.

لقد استطاعت الباحثة أن تظهر كيف تحولت الرحلة من فن أدبي إلى وسيلة للمقاومة، ومن تسجيل للانطباعات إلى أداة للدفاع عن الهوية، فلم يكن (أفوقاي) في رحلته سائحاً يتطلع، بل هو سفير يدافع، وبصير يشهد.

• في دلالة المشروع وأبعاده

هذا الكتاب دراسة عن أدب منسي، ومحاولة جريئة لاستعادة الوعي بتاريخنا كله. فالأدب الموريسكي يمثل حلقة الوصل بين ماضي الأندلس المجيد وحاضرها المأساوي. وهو يذكرنا بأن الحضارات لا تموت بموت دولها، بل تبقى حية في نفوس أبنائها، ولو بعد قرون.

لقد نجحت الدكتورة محيسن في تقديم صورة متكاملة لهذا الأدب، تجمع بين التحليل العميق والأسلوب الرشيق، وبين الدقة العلمية والعمق الفكري.

وتكمن قيمة هذا الكتاب في كشفه عن أدب مجهول، وتقديمه نموذجاً للبحث العلمي الأصيل، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين العمق والوضوح، ويفتح الباب واسعاً لدراسات أخرى في هذا المجال، ويضع أساساً متيناً للباحثين الذين يريدون أن يسيروا على هذا الدرب.

فإذا كان الأدب هو المرآة التي تعكس وجدان الأمة، فإن هذا الكتاب مرآة تعكس وجدان أمة في محنتها، وصورة شعب في نكبته، وهو يذكرنا بأن الكلمة قد تكون أبقى من المُلك، والأدب قد يكون أقوى من السيف.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }