يمكن عدّ كتاب «حمّى القراءة.. دوار الكتابة» للأديب جلال برجس (دار بوملحة، 2025)، دليلاً ونبراساً للأدباء -لا سيما المبتدئون منهم- حول ممارسة الكتابة إبداعاً يتطلّب موهبة مشحوذة بالصقل، وحرفةً تحتاج لمهارة يتعهّدها صاحبها بالتمرين والممارسة.
الكتاب يصنّف في باب النقد، لكنّه جاء في لبوس أدبيّ، بعيداً عن اللغة العلميّة الجافّة، والسبب في ذلك أنّه صيغ بريشة أديب روائيّ وشاعر، وضع فيه خلاصة اطّلاعه وتجربته في الكتابة الأدبيّة، فالكتاب تجربة في النقد التنظيريّ، صدرت عن أديب متمرّس ومكرّس، وهذا النوع من التجارب الكتابيّة -لا شكّ- يلقى قبولاً واستحساناً من القرّاء.
احتار الكُتّاب في النقد، بين كونه علماً أم فنّاً، وثمّة من قال: «إنَّ النقّاد أدباء فاشلون»، وهذا الرأي مردّه أنَّ بعض النقّاد كانت لهم تجارب فاشلة في الكتابة الأدبيّة، والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن عندما تصدر الكتابة النقديّة عن أديب متمرّس، فالأمر مختلف، وهناك أمثلة بارزة على ذلك في الأدب العربيّ القديم والحديث، على سبيل المثال تجربة أبي تمام الطائيّ وكلامه للبحتري حول الكتابة، وأيضاً تجربة ابن رشيق القيروانيّ، الذي كان شاعراً وكاتباً، وترك ذخيرة نقديّة مهمة تتمثّل في كتابه «العمدة في محاسن الشعر وآدابه». ?في الأدب الحديث نجد تجارب مميّزة في الكتابة النقدية صدرت عن شعراء بارزين، مثل بدر شاكر السيّاب، ونزار قبانيّ، ونازك الملائكة التي يكاد الإبداع عندها يتساوى في المجالين: الأدب والنقد.
واللافت للنظر في التجارب السابقة، أنّها ركّزت على فعل الكتابة، ورسمت الطريق أمام الأديب الناشئ؛ ليصقل موهبته وينمّيها، كما نجد في كتاب «سيكولوجيا الشاعر» لنازك الملائكة، وهذا الكتاب (حمى القراءة.. دوار الكتابة)، جاء على المنوال نفسه تقريباً.
يتناول الكتاب موضوعين رئيسين: القراءة والكتابة؛ لكونهما جناحين يطير بها الأديب في فضاء الإبداع، القراءة من جهة وقود الكتابة، ومن جهة أخرى إذا لم يكتب الشخص، يظلّ كل ما قرأه كامناً في نفسه كما الوقود إذا لم تمسّه شرارة النار. ويعرّج الكاتب على قضايا فرعيّة ترتبط بالقراءة، يطرحها على شكل أسئلة، مثل: ما هي القراءة؟ ولماذا نقرأ؟ ومتى وكيف نقرأ؟ وماذا نقرأ؟
هذه الأسئلة بالرغم من بساطتها، الإجابة الوافية عليها تستلزم قراءة عميقة واطلاعاً واسعاً، إضافة إلى خبرة طويلة في ممارسة الكتابة، وهذا بالضبط ما فعله الكاتب جلال في مناقشة كلّ سؤال منها، ومن ثمّ طرح الإجابات الممكنة عليه، وقد تناول آراء لأدباء عالميين نالوا شهرة واسعة، وترجمت أعمالهم لعدّة لغات، في معرض مناقشته كلّ سؤال، مثل كافكا، وماركيز، وفرانسيس بيكون، وإيتالو كالفنيوم، وألبرتو مانفويل، وغيرهم، وهذا -لا شكّ- يرسّخ لدى الأديب المبتدئ القناعة بأهمية القراءة.
القراءة نعم الهِواية، والعادة، والوسيلة التي يُقضى بها الوقت، هي مصباحنا ضدّ التيه، وهي عند كافكا مثل الفأس الذي يكسر البحر المتجمّد في داخلنا. القراءة تطرد الشعور بالوحدة، وتكسر ثقل الروتين اليوميّ، ويستطيع بها الفرد أن يتجاوز حدود المكان الذي يكون حبيس حدوده، تماماً كما حصل مع الكاتب جلال، فقد جعلته رواية «البؤساء» أثناء قراءتها ينتقل إلى العاصمة الفرنسية باريس، ويتعرّف على أجوائها، وهو محصور في حدود قريته التي نشأ فيها.
من الأهميّة بمكان إدراك أنَّ الكتاب أكبر من مجرّد كلمات مخطوطة على ورق مصفوف بعضه فوق بعض، كلّ كلمة فيه هي جزء من روح كاتبها إذا كان الكتاب جيّداً، فثمّة رباط ودّ متين ينشأ بينه وبين القارئ، بالرغم من كونه جماداً، لذلك قال بول سويني: «ذلك الكتاب الذي إذا شعرت وأنتَ تقلّب صفحته الأخيرة أنّك فقدت صديقاً عزيزاً، فاعلم حينها أنّك قد قرأتَ كتاباً رائعاً». وكان الفيلسوف الإنجليزيّ فرانسيس بيكون لا يتخيّل حياته بلا كتب، كما لا يستطيع تخيّل عالم بلا طيور وبلا ماء.
مثل هذه الآراء لكتّاب مبدعين، يسوقها جلال لتتبيّن أهمية القراءة، وأنّها الخطوة الأولى في رحلة الإبداع الفنّيّ، ولو كان طول الرحلة ألف ميل. إنَّ دهشة الإعجاب أو الاستغراب التي تنتاب الشخص عندما يطالع كتاباً بوعيٍ وصدقٍ وتمهّلٍ، كفيلة أن تُعبّد طرقاً كثيرة أمامه في بحثه عن الحقيقة، ويرى برجس أنَّ القراءة الصادقة تضيء على الحقيقة، حقيقتنا وحقيقة ما حولنا، وتؤدّي إلى كثير من الأسئلة التي تشغل البشر، وتجعل لوجودهم ذلك المعنى المنشود.
إنَّ وقوف الأديب المبتدئ على مثل هذا الرأي حول تساؤل: «لماذا نقرأ؟»، حتماً سيدفعه لمزيد من ممارسة هذا الفعل الشاقّ والممتع في آنٍ واحد. ويعزّز برجس جدوى القراءة عندما يبيّن أنَّها محاولة مشروعة للتحايل على محدوديّة العمر، ويدعم رأيه بقول إمبرتو إيكو: «من لا يقرأ يعيش حياة واحدة لو تجاوز سبعين عاماً، أمّا من يقرأ، فيعيش خمسة آلاف عام». ومن هذا المنطلق انحاز أوسكار وايلد للقراءة حينما حُكِمَ عليه بالسجن، فأول شعور يعتري السجين هو توقّف حياته.
لقد أحسن جلال صنعاً في تناول موضوع القراءة، فكثير من الأدباء عندما ينظّرون حول الأدب، ينصبّ تركيزهم على الكتابة، ولا يولون القراءة أهمية كما الكتابة، وقد أدرك جلال برجس خطورة هذا المُنزلَق، فالقراءة مرحلة ضروريّة لا بـدّ من عبورها للوصول إلى ضفة الكتابة، ويورد المؤلف كلاماً لإرنستو ساباتو يعزّز ذلك: «القراءة رحلة معرفيّة ووجدانيّة في الوقت نفسه، ومن واجب الكاتب أن يوفّر للمسافرين في هذه الرحلة ما يحتاجونه من أدوات، ويُعلّمهم كيفية قراءة الخرائط، وما ينبغي عليهم فعله عندما يضلّون الطريق».
وقد تصدّى برجس لهذا الواجب، حينما ختم موضوع القراءة بفصل عنونه «قفلة القراءة»، اقترح فيه مجموعة من الإجراءات التي ترشد الأديب الناشئ في مشوار القراءة، أهمّها: لا يجبر نفسه عليها؛ كيلا تُؤدّي إلى نتيجة عكسية، وضرورة الابتعاد عن الهاتف النقّال، وأن يضع لنفسه برنامجاً يوميّاً للقراءة، ولا يقرأ في مكان لا يمكن التركيز فيه، وغير ذلك من النصائح المهمة التي تشحذ الهمّة وتقوّي العزيمة على ممارسة القراءة بشكل مستمرّ.
ينتقل جلال برجس بعد ذلك إلى موضوع الكتابة، ويتناول عدة قضايا متعلقة بها، يطرح بعضها على شكل تساؤلات، مثل: «ماذا تكتب؟»، و"متى تكتب؟» و"لماذا نكتب؟»، ويبدأ الحديث عن ارتباط الكتابة ببداية الحياة، فحينما وجد الإنسان الأول نفسه في مواجهة عالَم غامض، قلّد ما يصدر عن الطبيعة، وقلّد أصوات الحيوانات والطيور، وحين أراد التعبير عمّا في دواخله، حاول تجسيد ما يُحسّ به عبر الرسم، ومن هنا بدأت الكتابة، فلا يستهينَنّ أحدٌ أو يستخفَّنّ بهذا الفعل، إنّه بداية انطلاق الإنسان نحو الإبداع، ومحاولة السيطرة على قوى الطبيعة، وص?ع مصيره بنفسه.
يرى جلال برجس أنَّ الكتابة مبنيّة على التأمّل، ومحاولة للخروج من مآزق، أهمّها المأزق الوجوديّ، ونتيجة لذلك تفكّك الكتابةُ التجربةَ الذاتيّةَ وتُعيد صياغتها وفق رؤى جديدة تؤدّي بالكاتب إلى إعادة تشكيل الواقع، وتأتي الكتابةُ ردّةَ فعلٍ على خللٍ في واقع ذاتيّ وآخر موضوعيّ، وهي رؤية قادمة من عدم الرضا عن السائد، ترتبط بدرجة عالية من الحساسية في رؤية الكون والذات، وعليه تصبح وسيلةً للتعبير عن الذات والخروج بها على السائد غير المقنع، إضافة إلى كونها عمليّة تفريغ للنتائج السلبيّة للتراكمات الحسيّة، لذلك رأى «كيني? أنَّ الكتابة يمكن أن تكون علاجاً للاكتئاب.
وحتى يصير الإنسان كاتباً، يستلزم ذلك أن تكون عنده قدرة عالية على الحساسيّة والتأمّل، وجرأة وحريّة على ممارسة نقد لا ينصاع للمثاليّات الزائفة. ويرى جلال برجس أنَّ الكتابة تعتمد على الموهبة بنسبة ضئيلة، وعلى الاشتغال بنسبة كبيرة؛ لأنَّ الاشتغال هو الوقت المنظّم الذي يبذله الكاتب لبناء نصّه وفق ما تؤدّي إليه موهبته، وهذا يتطلّب عملاً يوميّاً ضمن برامج ومواقيت محدّدة، وظروف مناسبة، لكن في الوقت نفسه لا يلغي جلال أثر الموهبة، فهي الشرط الأول للكتابة، وإذا غلبت نسبة الاشتغال، فإنّها ستؤدي إلى نصّ تغلب عليه الصنع?، ويفتقر للروح التي يشعر بها القارئ.
وبناء على ذلك تكون الكتابة فعلاً مدفوعاً برغبة أو غاية لدى الأديب، لذا يطلب جلال برجس من كلّ أديب صاعد أن يكتب عندما يشعر بأنّه سيكون بخير لو أقدم على الكتابة، وعندما يعلن عن دهاليزه السرّيّة، ويخشى من وجود العفن والرطوبة وتمدّد الظلمة في دواخله، ويسوق جلال برجس آراء لأدباء مرموقين حول هذه النقطة، مثل الروائيّ الكولومبيّ ماركيز: «أكتب ليفرح الأصدقاء»، ورائد المسرح الإنجليزيّ شكسبير: «عندما لا تجد أحداً يسمعك اكتب، فالورقة كفيلة بأن تُنصت لك»، والكاتبة الأمريكيّة سوزان أولين: «أكتب لأنّني أحبّ أن أفهم هذا ا?عالم».
والكتابة بالنسبة لجلال برجس -أيضاً- قرار حياتيّ سترافق نتائجه تفاصيل الأيام التي سيعيشها الأديب مصاباً بمشاعر مختلفة، كالقلق والبهجة والرعونة، والحماسة والغرور، والإحساس بأنّها ستزيل الغبار عن وجه الحياة؛ لتبدو على حقيقتها الجميلة.
ويتناول جلال برجس بعض القضايا المهمة التي يمكن أن يواجهها الأديب في بداية مشواره، مثل: «الفرق بين الميل الأدبيّ والتأثّر الأدبيّ». الميل يقتصر على الأسلوب أو طريقة التقاط الموضوع، ولا يتجاوز اللغة، أمّا التأثّر فيُبنى على وعي الكاتب بالمكان، وموقفه من الذات ومن قضايا الإنسان، كأنّه يقول: إنَّ الميل ينصبّ على الشكل، أمّا التأثّر فيشمل الشكل والمضمون.
ومن القضايا التي عرّج عليها «الرقيب الذاتيّ»، الذي يقف عند بعض الكتّاب عقبةً أمام الكتابة الصادقة، وبالرغم من أنَّ هذا الرقيب دفع بعض الكتّاب إلى الجنوح نحو الرمزية أو الاستلهام من التاريخ وإسقاطه على الآنيّ المترع بأزمات كثيرة، فإنّه جعل بعض الكُتّاب لا يذهبون إلى الفكرة الجريئة في قول المسكوت عنه، وهنا تتجلّى خطورة الرقيب الذاتيّ، لذا يوصي جلال بقتل هذا الرقيب، ويرى أنّها جريمة الكاتب المباحة، فالكتابة في إحدى رؤاها فعل ناتج عن اضمحلال الاطمئنان، وصدى لتلك البئر الجوّانيّة التي لم تتخلّص بما فيها من آلام?شخصيّة، وهذا يتطلّب من الأديب جرأةً وصراحةً وصدقاً.
ومن القضايا التي تناولها جلال برجس: «التحرير الأدبيّ»، ويرى أنّه بات ضروريّاً؛ لأنّه يكسر الصورة النمطيّة للكاتب الذي يفعل كلّ شيء، وفيه قراءة للنصّ بوعي مختلف عن وعي كاتبه، وغالباً ما يكون متقاطعاً مع وعي القرّاء، الذين تضجرهم البدايات المرتبكة، والسرد الفائض عن الحاجة، والكلمات الزائدة.
ويورد جلال نصائح مهمة من كتّاب مكرّسين للأدباء الشباب، مثل ما قاله الكاتب المصريّ خيري شلبي في أحد حواراته: «على الكاتب معاركة الحياة من كثير من الجهات، عليه أن يجرّب الكثير من المستويات المعيشيّة والمهن والأماكن؛ ليكون صادقاً في رسم الشخصيّة، والوصول إلى درجة كبيرة من الإقناع». وما قاله ماركيز: «إذا كان عليّ أن أسدي نصيحة لكاتب شابّ، فإنَّ أول ما يخطر على بالي: اكتب عن شيء حدث لك».
ويتوقّف جلال برجس في الأقسام الأخيرة من كتابه على فنّ الرواية، ويستعرض شيئاً من مشواره وخبرته في هذا الفنّ، يسأل: لماذا أصبحت الرواية الأكثر شيوعاً؟ تتعدّد الأسباب وراء ذلك، من جملتها أنَّ الرواية -أكثر من غيرها من الفنون- فيها تجاوز للتابوهات، ومقاربة لكثير من قضايا الإنسان، بالعودة إلى التاريخ أو استلهام الحاضر، أو الذهاب إلى المستقبل، إضافة إلى انتشار الجوائز، وتوجّه الصحافة والإعلام إلى هذا الفنّ.
ويقف على الرواية بعد كورونا، ويناقش تأثير الجائحة في هذا الفنّ على صعيد القرّاء والكُتّاب، فنتيجة لعزلة الإنسان زادت النصوص التأمّليّة، لا سيما التي تتأمّل فكرة الموت التي ازداد التفكير بها مع تفشّي الوباء، وأصبحت الرواية تأخذ شكلاً حرّاً أكثر من السابق، يبنى على نمط من رواية الحداثة وما بعدها، التي نسفت -إلى حدٍّ ما- نمط الرواية الكلاسيكيّة.
وعلى صعيد القرّاء أصبح هناك إقبال على مطالعة الروايات التي تتناول الوباء، مثل: «دفتر أحوال عام الطاعون» للكاتب الإنجليزيّ دانييل ديفو، و"الحبّ في زمن الكوليرا» لماركيز، و"الطاعون» للكاتب الفرنسيّ ألبير كامو، كما ارتفعت أسهم الكتاب الإلكترونيّ مقابل الورقيّ، وهذا عزّز ظهور نمط الرواية الرقميّة وتداولها، التي ستمهّد لرواية الذكاء الاصطناعيّ، الذي يفرض تحدّياً حول كونه تهميشاً للإنسان أم معاونة له في مواجهة كثير من التحدّيات، ويفصح جلال عن قلقه إزاء الذكاء الاصطناعيّ، الذي يمكن أن يساهم في تسطيح الأدب.
ويتوقّـف جلال برجس على قضية مهمّة يقع في شراكها كثير من الأدباء المبتدئين، وهي شعريّة الرواية، على الأديب الناشئ أن يعي جيّداً أنَّ الرواية ابنة النفس الطويل في القول السرديّ والاسترسال، في حين الأصل في الشعر الإيماء، فالجملة الشعريّة تأتي مكثّفة وامضة تختصر مساحة كبيرة من القول، لذا ثمّة فارق بين إحساس الشاعر أثناء كتابة القصيدة، وإحساس الروائيّ خلال كتابة الرواية، ويعترف برجس -كونه روائيّاً قدم من الشعر- بأنّه يميل للرواية التي تعتني بالأفق واللغة المبنيين على نفس شعريّ، دون إهمال العناصر الأخرى للرواية،?لكنّه يحذّر أنَّ طغيان المزاج الشعريّ على بنية الرواية، لا يحقّق عنصر التوازن بين عناصرها، فالرواية في بعض مفاصلها تتطلّب لغة واصفة، ولغة تحليليّة في مفاصل أخرى.
ويختم جلال برجس الكتابَ بفصل عنونه «السرديات العربيّة والهُويّة»، يطرح فيه مجموعة من التصوّرات عن السرد، لا بـدّ على الأديب الصاعد الوعي بها، من ذلك أنَّ السرد من أهمّ الاشتغالات البشريّة التي تتّضح عبرها الهويّة، وهو حلقة وصل بين الثقافة والعقل، وتكاد الرواية تكون أكثر الأجناس الأدبيّة اهتماماً بالهُويّة؛ لكونها نتيجة سياقات اجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة يعيشها منتج النصّ ومتلقيه، ولكونها أيضاً نصّاً سرديّاً مكوّناً من اللغة، التي هي أهمّ عناصر الهُويّة، من حيث قدرتها على معاينة وجود الإنسان وأحلامه وطموحات?.
لقد رفد جلال برجس خزانة النقد العربيّ بهذا الكتاب المهمّ، جمع فيه بتوازنٍ بين الرؤية الفكريّة للناقد، والعبارة السلسة للأديب، فجاء الكتاب مخاطباً العقل، وفي الوقت نفسه يثير شعور إدراك الجمال والإحساس به في النفس، كما جمع بين الموضوعيّة والذاتيّة، الموضوعيّة من جهة سوق الأدلة وعرض أقوال الأدباء في معرض مناقشة القضايا التي تناولها الكتاب، والذاتيّة عندما يعرض جلال وجهة نظره ويتحدّث عن تجربته الذاتيّة.
الكتاب يضيء الطريق أمام الأديب الصاعد، ويوعّيه بكثير من قضايا الأدب، ويُبصّره بالمزالق أو العقبات التي يمكن أن تواجهه، وكيف يتجاوزها، إنّه جسر يؤدّي إلى التألّق في احتراف الكتابة وممارستها بإتقان.